حيث تبتدئ الحكايات الكبيرة

النائب احمد المبرقع

هناك، حيث الجنوب .. حيث تبتدئ الحكايات الكبيرة، وحيث يترك رجاله على ترابه ما يكفي ليظل أثرهم حيّاً في وجدان الزمان والمكان، خرج عبد الزهرة عثمان (أبو ياسين) من أقاصيه، يحمل سمرة أرضه المفعمة بالطيبة، وتغفو في ملامحه سكينة أهواره التي تخفي تحت هدوئها عناداً لا ينكسر أبداً.

هناك نشأ، وهناك تعلّم من النخيل الذي لا ينتهي كيف يبقى واقفاً في وجه الأعاصير، ومن أبجدية الماء كيف يمضي نحو غاياته الكبرى مهما اعترضته الحواجز. وحين بلغ العشرين من عمره، أوقد شمعة شبابه كلّه للدعوة المباركة، لحزب الدعوة الإسلامية، وهي تخطو خطواتها الأولى، فكان من رعيلها الأول في بصرة الشهداء، فاختار طريقها عن بصيرة العارفين، ومضى فيها طريق ذات الشوكة كما يمضي المؤمن إلى صلاته، لا يلتفت إلى تعب الطريق ولا إلى كثرة الأشواك، لأنه كان يرى بعين قلبه أن للحق فجراً لا بد أن يولد وأن للطغيان ليلاً لا بدّ أن يرحل.

كان داعيةً وقائداً، يحمل مشروعه كما يحمل الرساليون أقدارهم الثقيلة برضا المؤمنين. حمل قلماً امضى من الرصاص، يغمسه بمداد روحه ليقول للمظلومين من شعبه إنه لن ينسى وجعهم، ويوقظ في النائمين معنى الكرامة، ويهدّ أسوار الظالمين، ويفتح في جدار الصمت المطبق خوفاً وموتاً نوافذ يطلّون منها على فضاء الحرية.

وحين أدركه بطش الطغيان، ذاق في زنازين البعث الكافر من صنوف التعذيب ما لو نزل ببعض الجبال لتصدّعت، وسالت على جسده الطاهر قسوةٌ أرادوا بها كسر روحه قبل جسده، لكنه خرج منها كما يخرج الذهب من النار؛ أكثر صفاءً وأشد صلابةً، يزهو بروحه الكبيرة التي لم تنكسر، ويلمع في عينيه يقين أعمق بأن الطريق الذي اختاره هو الطريق الذي يستحق أن يُفنى فيه العمر.

وحين ضاقت به مساحة الوطن، وبلغ دم إخوته الدعاة الركب، خرج حاملاً العراق في حقيبته والدعوة الإسلامية في عقله، ليزرعهما في كل منفى رمزاً وقضية ورسالة، ويصنع منهما نبضاً في قلوب السالكين، ويذكّر نفسه أن للفجر موعداً مهما طال الليل الأسود.

بذر عمره في دروب المنافي، ولم يحسب للخسارات حساباً، فالربح الأكبر عنده أن يبقى الإنسان ثائراً مستقيماً، ورافضاً رسالياً حين تتراكم الخسارات، وتتكاثر حوله انحناءات المصالح. فظلّ كما عرفه رفاقه: ثابتاً على عهد الدعوة الإسلامية، حارساً لفكرة آمن بها حتى صار هو تجلياً واضحاً لمعناها.

وحين عاد إلى الوطن بعد ثلاثين عاماً عجافاً، لم تغره الأسماء الكبيرة ولا المقاعد الوثيرة، وبقي هو هو؛ ذلك الجنوبي الناصع البياض، القريب من تفاصيل أهله، الداعية الرسالي الذي يصغي إليهم كما يصغي الأب إلى وجع أبنائه، ويمضي بينهم ببساطة الكبار الذين لا تغيّرهم المناصب ولا تفتنهم الأضواء.

حتى جاء ما كان ينتظره طويلاً، فركض إليه مطمئناً، واستقبله بسكينة من أتمّ عهده، وأنجز وعده، وأدّى أمانته .. فقد استطال شوقه إلى رفاقه الذين سبقوه، وحينها امتزج دمه بحبره، واكتملت جملته الأخيرة التي ظل عمره كلّه يكتبها بصبر المجاهدين: إن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

فسلامٌ عليه يوم وُلد،
ويوم جاهد وصبر،
ويوم عُذّب فما انكسر،
ويوم استشهد وقد أتمّ رسالته،
ويوم يُبعث حيّاً
شاهداً وشهيداً.

حيث تبتدئ الحكايات الكبيرة

تواصل معنا

العنوان

سیسیسیسیسی

الهاتف

1111111222

البريد الإلكتروني

12211@12211.com