اءَمَّا بَعْدَ اءَيُّهَا النَّاسُ، فَاءَنَا فَقَاءْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا اءَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ اءَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَ اشْتَدَّ كَلَبُهَا، فَاسْاءَلُونِي قَبْلَ اءَنْ تَفْقِدُونِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَسْاءَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ، وَ لاَ عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إِلا اءَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ اءَهْلِهَا قَتْلاً وَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتا.
فَتَبارَكَ اللَّهُ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَ لا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ، الْاءَوَّلُ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ، وَ لا آخِرَ لَهُ، فَيَنْقَضِيَ.
بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْاءَهْوَاءُ، وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِياءُ، وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاَءُ، حَيارى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْاءَمْرِ، وَ بَلاَءٍ مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ ص فِي النَّصِيحَةِ، وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَ دَعا إ لَى الْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْاءَوَّلِ فَلاَ شَيْءَ قَبْلَهُ، وَالْآخِرِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ، وَ الظَّاهِرِ فَلا شَيْءَ فَوْقَهُ، وَالْبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ.
وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ الرَّسُولِ ص : مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ، وَ مَنْبِتُهُ اءَشْرَفُ مَنْبِتٍ، فِي مَعادِنِ الْكَرَامَةِ، وَ مَماهِدِ السَّلاَمَةِ، قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ اءَفْئِدَةُ الْاءَبْرَارِ، وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ اءَزِمَّةُ الْاءَبْصَارِ، دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ، وَ اءَطْفَاءَ بِهِ النَّوَائِرَ، اءَلَّفَ بِهِ إِخْوانا، وَ فَرَّقَ بِهِ اءَقْرَانا، اءَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ، وَ اءَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ، كَلامُهُ بَيَانٌ، وَ صَمْتُهُ لِسانٌ.
اءَما وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هؤُلاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِاءَنَّهُمْ اءَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَ لكِنْ لِإِسْراعِهِمْ إ لى باطِلِ صاحِبِهِمْ وَ إ بْطائِكُمْ عَنْ حَقِّي ، وَ لَقَدْ اءَصْبَحَتِ الْاءُمَمُ تَخافُ ظُلْمَ رُعَاتِها، وَ اءَصْبَحْتُ اءَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي . اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَ اءَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّا وَ جَهْرا فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، اءَشُهُودٌ كَغُيَّابٍ؟ وَ عَبِيدٌ كَاءَرْبَابٍ؟ اءَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا، وَ اءَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وَ اءَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ اءَهْلِ الْبَغْيِ فَما آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى اءَراكُمْ مُتَفَرِّقِينَ اءَيادِي سَباء. تَرْجِعُونَ إ لى مَجالِسِكُمْ، وَ تَتَخادَعُونَ عَنْ مَواعِظِكُمْ، اءُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً، وَ تَرْجِعُونَ إ لَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَيَّةِ، عَجَزَ الْمُقَوِّمُ، وَ اءَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ. اءَيُّهَا الشَّاهِدَةُ اءَبْدانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ اءَهْوَاؤُهُمْ، الْمُبْتَلى بِهِمْ اءُمَرَاؤُهُمْ، صاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَ اءَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَ صَاحِبُ اءَهْلِ الشّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ. لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ اءَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينارِ بِالدِّرْهَمِ، فَاءَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَ اءَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ. يا اءَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَثٍ وَ اثْنَتَيْنِ: صُمُّ ذَوُو اءَسْمَاعٍ، وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلاَمٍ، وَ عُمْيٌ ذَوُو اءَبْصَارٍ، لا اءَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَ لا إِخْوانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ، تَرِبَتْ اءَيْدِيكُمْ يَا اءَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْها رُعَاتُهَا، كُلَّما جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جانِبٍ آخَرَ. وَ اللَّهِ لَكَاءَنِّي بِكُمْ فِيما إِخالُ اءَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى ، وَ حَمِيَ الضِّرَابُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ اءَبِي طَالِبٍ انْفِراجَ الْمَرْاءَةِ عَنْ قُبُلِها، وَ إ نِّي لَعَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَ مِنْهاجٍ مِنْ نَبِيِّي ، وَ إِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ اءَلْقُطُهُ لَقْطا. انْظُرُوا اءَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا اءَثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى ، وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدىً، فَإ نْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَ إ نْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا، وَ لا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَ لا تَتَاءَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا. لَقَدْ رَاءَيْتُ اءَصْحابَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِه فَما اءَرى اءَحَدا مِنْكُمْ يُشْبِهُهُمْ، لَقَدْ كانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثا غُبْرا، وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّدا وَ قِياما، يُراوِحُونَ بَيْنَ جِباهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ، وَ يَقِفُونَ عَلى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ، كَاءَنَّ بَيْنَ اءَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ! إ ذا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ اءَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ، وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفا مِنَ الْعِقَابِ وَ رَجَاءً لِلثَّوَابِ.
|