اءَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ اءَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ اءَوْلِيَائِهِ وَ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَ دِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَ جُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ اءَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَ شَمِلَهُ الْبَلاَءُ وَ دُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَ اَلْقَماءِ وَ ضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ وَ اءُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ وَ سِيمَ الْخَسْفَ وَ مُنِعَ النَّصَفَ.
اءَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا اءَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ اءَقْبَلَتْ وَ اءَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ اءَلاَ وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَدا السِّبَاقَ وَ السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةُ النَّارُ، اءَ فَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ؟ اءَ لاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ اءَلاَ وَ إِنَّكُمْ فِي اءَيَّامِ اءَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ اءَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ فِي اءَيَّامِ اءَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ اءَجَلِهِ، فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضْرُرْهُ اءَجَلُهُ وَ مَنْ قَصَّرَ فِي اءَيَّامِ اءَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ اءَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ اءَجَلُهُ.
اءَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ اءَبْدَانُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ اءَهْوَاؤُهُمْ كَلاَمُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلاَبَ وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْاءَعْدَاءَ! تَقُولُونَ فِى الْمَجَالِسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِى حَيَادِ مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ وَ لاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ اءَعَالِيلُ بِاءَضَالِيلَ وَ سَاءَلْتُمُونِي التَّطْوِيلَ دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ لاَ يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ وَ لاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِدِّ.
لَوْ اءَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً اءَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِرا غَيْرَ اءَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ اءَنْ يَقُولَ: خَذَلَهُ مَنْ اءَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وَ مَنْ خَذَلَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ اءَنْ يَقُولَ: نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ اءَنَا جَامِعٌ لَكُمْ اءَمْرَهُ اسْتَأْثَرَ فَاءَسَاءَ الْاءَثَرَةَ وَ جَزِعْتُمْ فَاءَسَأْتُمُ الْجَزَعَ وَ لِلَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَأْثِرِ وَ الْجَازِعِ.
اءَقُولُ : هُوَ عليه السلام اءَوَّلُ مَنْ سُمِعَتْ مِنْهُ هذِهِ الْكَلِمَةِ، اءَعْنى : (( فَما عَدا مِما بِدا! ))
وَ مِنْهُمُ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ وَ الْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ وَ الْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ. قَدْ اءَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ اءَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ اءَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ اءَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ اءَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَنا وَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضا، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَ لا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيا قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ وَ قارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْاءَمَانَةِ وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إ لَى الْمَعْصِيَةِ. وَ مِنْهُمْ مَنْ اءَقْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلى حالِهِ فَتَحَلّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ اءَهْلِ الزَّهادَةِ وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَ لا مَغْدىً، وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ اءَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ وَ اءَراقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادِّ وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ وَ ثَكْلانَ مُوجَعٍ. قَدْ اءَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ فَهُمْ فِي بَحْرٍ اءُجَاجٍ اءَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا، وَ قُهِرُوا حَتّى ذَلُّوا وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا، فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا اءَصْغَرَ فِي اءَعْيُنِكُمْ اءَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ، وَ قُرَاضَةِ الْجَلَمِ، وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَبْلَ اءَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَ ارْفُضُوها ذَمِيمَةً فَإ نَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كانَ اءَشْغَفَ بِها مِنْكُمْ. اءَقُولُ : وَ هَذه الخُطبة رَبُّما نَسَبُها مِن لا عِلْمُ لَه إ لى مُعاويةَ، وَ هِي مِنْ كَلام اءميرالمؤ منين ع الّذي لا يَشك فِيه وَ اءَين الذهب مَن الرَغام ؟ وَ اءين العذب مِن الا جاج ؟ وَ قَدْ دَل عَلى ذلِك الدليل الخَريت ،َو نَقده الناقِد البَصير عمرو بن بَحر الجاحظ، فَإ نهُ ذِكر هذِه الخطبة فِي كِتاب البيانِ وَالتبيين ، وَ ذِكر مِن نسَبَها إ لى مُعاوية ، ثُمّ قالَ: هى بِكلام عَلي ع اءشبه ، وَ بِمذهبه في تَصنيف الناس وَ بالا خبار عَمّا هُم عَلَيه مِن القهر والا ذلال وَ مَنْ التقية وَالْخَوف اءليق قالَ: وَ مَتى وَجدنا مُعاوية فِي حال من الا حوال يَسلك فِي كَلامه مسلك الزهاد وَ مَذاهب العباد؟! |