اللَّهُمَّ إِنِّي اءَسْتَعْدِيكَ عَلى قُرَيْشٍ وَ مَنْ اءَعانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي ، وَ اءَكْفَؤُوا إِنائِي ، وَ اءَجْمَعُوا عَلى مُنازَعَتِي حَقّا كُنْتُ اءَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي ، وَ قالُوا: اءَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ اءنْ تَاءْخُذَهُ، وَ فِي الْحَقِّ اءنْ تُمْنَعَهُ، فَاصْبِرْ مَغْمُوما، اءَوْمُتْ مُتَاءَسِّفا، فَنَظَرْتُ فَإ ذا لَيْسَ لِي رافِدٌ وَ لا ذابُّ وَ لا مُساعِدٌ إِلا اءَهْلَ بَيْتِي ، فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ فَاءَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى ، وَ جَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجا، وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى اءَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزَّ الشِّفارِ.
لَقَدْ اءَصْبَحَ اءَبُو مُحَمَّدٍ بِهذَا الْمَكانِ غَرِيبا، اءَما وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ اءَكْرَهُ اءَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ قَتْلى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ، اءَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وَ اءَفْلَتَتْنِي اءَعْيانُ بَنِي جُمَحَ، لَقَدْ اءَتْلَعُوا اءَعْناقَهُمْ إِلى اءَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا اءَهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ.
قَدْ اءَحْيا عَقْلَهُ، وَ اءَماتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ، وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ، وَ بَرَقَ لَهُ لا مِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ، فَاءَبانَ لَهُ الطَّرِيقَ، وَ سَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ، وَ تَدافَعَتْهُ الْاءَبْوابُ إ لى بابِ السَّلامَةِ، وَ دارِ الْإِقامَةِ، وَ ثَبَتَتْ رِجْلاهُ بِطُمَاءنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرارِ الْاءَمْنِ وَالرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَ اءَرْضَى رَبَّهُ.
وَاللَّهُ مُسْتَاءْدِيكُمْ شُكْرَهُ، وَ مُوَرِّثُكُمْ اءَمْرَهُ، وَ مُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمارٍ مَحْدُودٍ لِتَتَنازَعُوا سَبَقَهُ، فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ، وَاطْوُوا فُضُولَ الْخَواصِرِ، لاتَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَ وَلِيمَةٌ، مَا اءَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزائِمِ الْيَوْمِ، وَاءَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذاكِيرِ الْهِمَمِ.
لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِاءَبْصارِ الْعَشْوَةِ، وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهالَةٍ، وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصاتِ تِلْكَ الدِّيارِ الْخاوِيَةِ وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَقَالَتْ: ذَهَبُوا فِي الْاءَرْضِ ضُلَّالاً، وَ ذَهَبْتُمْ فِي اءَعْقابِهِمْ جُهَّالاً، تَطَؤ ونَ فِي هامِهِمْ، وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِي اءَجْسادِهِمْ، وَ تَرْتَعُونَ فِيما لَفَظُوا، وَ تَسْكُنُونَ فِيما خَرَّبُوا، وَ إِنَّمَا الْاءَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ بَواكٍ وَ نَوائِحُ عَلَيْكُمْ. اءُولئِكُ سَلَفُ غايَتِكُمْ، وَ فُرَّاطُ مَناهِلِكُمْ الَّذِينَ كانَتْ لَهُمْ مَقاوِمُ الْعِزِّ وَ حَلَباتُ الْفَخْرِ، مُلُوكا وَ سُوَقا، سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلاً سُلِّطَتِ الْاءَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَاءَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمائِهِمْ، فَاءَصْبَحُوا فِي فَجَواتِ قُبُورِهِمْ جَمادا لا يَنْمُونَ، وَ ضِمارا لا يُوجَدُونَ، لا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْاءَهْوالِ، وَ لا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الْاءَحْوالِ، وَ لا يَحْفِلُونَ بِالرَّواجِفِ، وَ لا يَاءْذَنُونَ لِلْقَواصِفِ، غُيَّبا لا يُنْتَظَرُونَ، وَ شُهُودا لا يَحْضُرُونَ. وَ إِنَّما كانُوا جَمِيعا فَتَشَتَّتُوا، وَ اءُلافا فَافْتَرَقُوا، وَ ما عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ اءَخْبارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِيارُهُمْ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَاءْسا بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَسا، وَ بِالسَّمْعِ صَمَما وَ بِالْحَرَكاتِ سُكُونا، فَكَاءَنَّهُمْ فِي ارْتِجالِ الصِّفَةِ صَرْعى سُباتٍ. جِيرانٌ لا يَتَآنَسُونَ، وَ اءَحِبّاءُ، لا يَتَزاوَرُونَ، بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعارُفِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ اءَسْبابُ الْإِخاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَ هُمْ جَمِيعٌ، وَ بِجانِبِ الْهَجْرِ وَ هُمْ اءَخِلَّاءُ، لا يَتَعارَفُونَ لِلَيْلٍ صَباحا، وَ لا لِنَهارٍ مَساءً، اءَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَدا، شاهَدُوا مِنْ اءَخْطارِ دارِهِمْ اءَفْظَعَ مِمَّا خافُوا، وَ رَاءَوْا مِنْ آياتِها اءَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا. فَكِلْتَا الْغايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلى مَباءَةٍ، فَاتَتْ مَبالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجاءِ، فَلَوْ كانُوا يَنْطِقُونَ بِها لَعَيُّوا بِصِفَةِ ما شاهَدُوا وَ ما عايَنُوا، وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثارُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ اءَخْبارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ اءَبْصارُ الْعِبَرِ، وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذانُ الْعُقُولِ، وَ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهاتِ النُّطْقِ، فَقالُوا: كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّواضِرُ، وَ خَوَتِ الْاءَجْسامُ النَّواعِمُ، وَلَبِسْنا اءَهْدامَ الْبِلَى ، وَ تَكاءَدَنا ضِيقُ الْمَضْجَعِ، وَ تَوارَثْنَا الْوَحْشَةَ، وَ تَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ، فَانْمَحَتْ مَحاسِنُ اءَجْسادِنا، وَ تَنَكَّرَتْ مَعارِفُ صُوَرِنا، وَ طالَتْ فِي مَساكِنِ الْوَحْشَةِ إِقامَتُنا، وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجا، وَ لا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعا! فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، اءَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطاءِ لَكَ، وَ قَدِ ارْتَسَخَتْ اءَسْماعُهُمْ بِالْهَوامِّ فَاسْتَكَّتْ، وَاكْتَحَلَتْ اءَبْصارُهُمْ بِالتُّراب فَخَسَفَتْ، وَ تَقَطَّعَتِ الْاءَلْسِنَةُ فِي اءَفْواهِهِمْ بَعْدَ ذَلاقَتِها، وَ هَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِها، وَ عاثَ فِي كُلِّ جارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلىً سَمَّجَها، وَ سَهَّلَ طُرُقَ الْآفَةِ إِلَيْهَا، مُسْتَسْلِماتٍ فَلا اءَيْدٍ تَدْفَعُ، وَ لا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَاءَيْتَ اءَشْجانَ قُلُوبٍ وَ اءَقْذاءَ عُيُونٍ لَهُمْ فِي كُلِّ فَظاعَةٍ صِفَةُ حالٍ لا تَنْتَقِلُ، وَ غَمْرَةٌ لا تَنْجَلِي . وَ كَمْ اءَكَلَتِ الْاءَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ اءَنِيقِ لَوْنٍ، كانَ فِي الدُّنْيا غَذِيَّ تَرَفٍ، وَ رَبِيبَ شَرَفٍ، يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ، وَ خطبة إ لَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنّا بِغَضارَةِ عَيْشِهِ، وَ شَحاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ، فَبَيْنما هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيا وَ تَضْحَكُ الدُّنيا إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ الْاءَيَّامُ قُواهُ وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ فَخالَطَهُ بَثُّ لا يَعْرِفُهُ، وَ نَجِيُّ هَمِّ ما كانَ يَجِدُهُ، وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَراتُ عِلَلٍ آنَسَ ما كانَ بِصِحَّتِهِ. فَفَزعَ إ لى ما كانَ عَوَّدَهُ الْاءَطِبّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحارِّ بِالْقارِّ وَ تَحْرِيكِ الْبارِدِ بِالْحارِّ، فَلَمْ يُطْفِئْ بِبارِدٍ إِلا ثَوَّرَ حَرارَةً، وَ لا حَرَّكَ بِحارِّ إِلا هَيَّجَ بُرُودَةً، وَ لا اعْتَدَلَ بِمُمازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبائِعِ إِلا اءَمَدَّ مِنْها كُلَّ ذاتِ داءٍ، حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ، وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَ تَعايا اءَهْلُهُ بِصِفَةِ دائِهِ، وَ خَرِسُوا عَنْ جَوابِ السّاِئِلينَ عَنْهُ، وَ تَنازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ، فَقائِلٌ يَقُولُ هُوَ لِمَا بِهِ، وَ مُمَنِّ لَهُمْ إِيابَ عافِيَتِهِ، وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ، يُذَكِّرُهُمْ اءُسَى الْماضِينَ مِنْ قَبْلِهِ، فَبَيْنَما هُوَ كَذلِكَ عَلَى جَناحٍ مِنْ فِراقِ الدُّنْيا وَ تَرْكِ الْاءَحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ فَتَحَيَّرَتْ نَوافِذُ فِطْنَتِهِ، وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسانِهِ، فَكَمْ مِنْ مُهِمِّ مِنْ جَوابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ، وَ دُعاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصامَّ عَنْهُ مِنْ كَبِيرٍ كانَ يُعَظِّمُهُ، اءَوْ صَغِيرٍ كانَ يَرْحَمُهُ، وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَراتٍ هِيَ اءَفْظَعُ مِنْ اءَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، اءَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ اءَهْلِ الدُّنْيَا. |