نَحْمَدُهُ عَلَى ما وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَ ذادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَ نَسْاءَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَماما وَ بِحَبْلِهِ اعْتِصَاما، وَ نَشْهَدُ اءَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، خاضَ إِلى رِضْوانِ اللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ، وَ تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ، وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْاءَدْنَوْنَ، وَ تَاءَلَّبَ عَلَيْهِ الْاءَقْصَوْنَ، وَ خَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ اءَعِنَّتَها، وَ ضَرَبَتْ إِلى مُحارَبَتِهِ بُطُونَ رَواحِلِها، حَتَّى اءَنْزَلَتْ بِساحَتِهِ عَداوَتَها مِنْ اءَبْعَدِ الدَّارِ، وَ اءَسْحَقِ الْمَزارِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اءَظْهَرَ مِنْ آثارِ سُلْطانِهِ، وَ جَلالِ كِبْرِيائِهِ، مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُيُونِ مِنْ عَجائِبِ قُدْرَتِهِ، وَ رَدَعَ خَطَراتِ هَماهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفانِ كُنْهِ صِفَتِهِ، وَ اءَشْهَدُ اءَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ شَهادَةَ إِيمانٍ وَإِيقانٍ وَ إِخْلاصٍ وَ إِذْعانٍ.
بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمٌ قائِمٌ، وَ لا مَنارٌ ساطِعٌ، وَ لا مَنْهَجٌ واضِحٌ.
وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ اءَصْحابِ مُحَمَّدٍ ص اءَنِّي لَمْ اءَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لا عَلى رَسُولِهِ ساعَةً قَطُّ، وَ لَقَدْ واسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَواطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْاءَبْطالُ، وَ تَتَاءَخَّرُ فِيهَا الْاءَقْدامُ، نَجْدَةً اءَكْرَمَنِي اللَّهُ بِها.
وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ إِنَّ رَاءْسَهُ لَعَلى صَدْرِي ، وَ لَقَدْ سالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي ، فَاءَمْرَرْتُها عَلَى وَجْهِي ، وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ ص وَالْمَلائِكَةُ اءَعْوانِي ، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْاءَفْنِيَةُ، مَلاءٌ يَهْبِطُ وَ مَلاءٌ يَعْرُجُ، وَ ما فارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وارَيْناهُ فِي ضَرِيحِهِ. فَمَنْ ذا اءَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّا وَ مَيِّتا؟! فَانْفُذُوا عَلى بَصائِرِكُمْ، وَلْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهادِ عَدُوِّكُمْ، فَوَالَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِنِّي لَعَلى جادَّةِ الْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ لَعَلى مَزَلَّةِ الْباطِلِ، اءَقُولُ ما تَسْمَعُونَ، وَ اءَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.
اءَمَّا بَعْدُ، فَاءُوصِيكُمْ بِتَقْوى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَاءَ خَلْقَكُمْ، وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعادُكُمْ، وَ بِهِ نَجاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَ إِلَيْهِ مَرامِي مَفْزَعِكُمْ فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَواءُ داءِ قُلُوبِكُمْ، وَ بَصَرُ عَمَى اءَفْئِدَتِكُمْ، وَ شِفاءُ مَرَضِ اءَجْسادِكُمْ، وَ صَلاحُ فَسادِ صُدُورِكُمْ، وَ طُهُورُ دَنَسِ اءَنْفُسِكُمْ، وَ جِلاءُ غِشاءِ اءَبْصارِكُمْ، وَ اءَمْنُ فَزَعِ جَاءشِكُمْ، وَ ضِياءُ سَوادِ ظُلْمَتِكُمْ. فَاجْعَلُوا طاعَةَ اللَّهِ شِعارا دُونَ دِثارِكُمْ، وَ دَخِيلاً دُونَ شِعارِكُمْ، وَ لَطِيفا بَيْنَ اءَضْلاعِكُمْ، وَ اءَمِيرا فَوْقَ اءُمُورِكُمْ، وَ مَنْهَلاً لِحِينِ وُرُودِكُمْ، وَ شَفِيعا لِدَرْكِ طَلِبَتِكُمْ، وَ جُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ وَ مَصابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ، وَ سَكَنا لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ، وَ نَفَسا لِكَرْبِ مَواطِنِكُمْ، فَإِنَّ طاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتالِفَ مُكْتَنِفَةٍ، وَ مَخاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ، وَ اءُوارِ نِيرانٍ مُوقَدَةٍ. فَمَنْ اءَخَذَ بِالتَّقْوى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدائِدُ بَعْدَ دُنُوِّها، وَاحْلَوْلَتْ لَهُ الْاءُمُورُ بَعْدَ مَرارَتِها، وَانْفَرَجَتْ عَنْهُ الْاءَمْواجُ بَعْدَ تَراكُمِها، وَ اءَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعابُ بَعْدَ إِنْصابِها، وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرامَةُ بَعْدَ قُحُوطِها، وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِها، وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِها، وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذاذِها. فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ، وَ وَعَظَكُمْ بِرِسالَتِهِ، وَامْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ، فَعَبِّدُوا اءَنْفُسَكُمْ لِعِبادَتِهِ، وَاخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طاعَتِهِ. ثُمَّ إِنَّ هذَا الْإِسْلامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَ اءَصْفاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ، وَ اءَقامَ دَعائِمَهُ عَلى مَحَبَّتِهِ، اءَذَلَّ الْاءَدْيانَ بِعِزَّهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ، وَ اءَهانَ اءَعْداءَهُ بِكَرامَتِهِ، وَ خَذَلَ مُحادِّيهِ بِنَصْرِهِ، وَ هَدَمَ اءَرْكانَ الضَّلالَةِ بِرُكْنِهِ، وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِياضِهِ، وَ اءَتْاءَقَ الْحِياضَ بِمَواتِحِهِ. ثُمَّ جَعَلَهُ لا انْفِصامَ لِعُرْوَتِهِ، وَ لا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ، وَ لا انْهِدامَ لِاءَساسِهِ، وَ لا زَوالَ لِدَعائِمِهِ، وَ لاانْقِلاعَ لِشَجَرَتِهِ، وَ لاانْقِطاعَ لِمُدَّتِهِ، وَ لا عَفاءَ لِشَرائِعِهِ، وَ لا جَذَّ لِفُرُوعِهِ، وَ لا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ، وَ لا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ، وَ لا سَوادَ لِوَضَحِهِ، وَ لا عِوَجَ لاِنْتِصابِهِ، وَ لا عَصَلَ فِي عُودِهِ، وَ لا وَعَثَ لِفَجِّهِ، وَ لاانْطِفاءَ لِمَصابِيحِهِ، وَ لا مَرارَةَ لِحَلاوَتِهِ. فَهُوَ دَعائِمُ اءَساخَ فِي الْحَقِّ اءَسْناخَها، وَ ثَبَّتَ لَها اءَسَاسَها، وَ يَنابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُها، وَ مَصابِيحُ شَبَّتْ نِيرانُها، وَ مَنارٌ اقْتَدى بِها سُفّارُها، وَ اءَعْلامٌ قُصِدَ بِها فِجاجُها، وَ مَناهِلُ رَوِيَ بِها وُرَّادُها. جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مُنْتَهى رِضْوانِهِ، وَ ذِرْوَةَ دَعائِمِهِ، وَ سَنامَ طاعَتِهِ، فَهُوَ عِنْدَاللَّهِ وَثِيقُ الْاءَرْكانِ، رَفِيعُ الْبُنْيانِ، مُنِيرُ الْبُرْهانِ، مُضِي ءُ النِّيرانِ، عَزِيزُ السُّلْطانِ، مُشْرِفُ الْمَنارِ، مُعْوِذُ الْمَثارِ، فَشَرِّفُوهُ، وَاتَّبِعُوهُ، وَ اءَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَ ضَعُوهُ مَواضِعَهُ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدا ص بِالْحَقِّ حِينَ دَنا مِنَ الدُّنْيا الاِنْقِطاعُ، وَ اءَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الاِطِّلاعُ، وَ اءَظْلَمَتْ بَهْجَتُها بَعْدَ إِشْراقٍ، وَ قامَتْ بِاءَهْلِها عَلى ساقٍ، وَ خَشُنَ مِنْها مِهادٌ، وَ اءَزِفَ مِنْها قِيادٌ، فِي انْقِطاعٍ مِنْ مُدَّتِها، وَاقْتِرابٍ مِنْ اءَشْراطِها، وَ تَصَرُّمٍ مِنْ اءَهْلِها، وَانْفِصامٍ مِنْ حَلْقَتِها، وَانْتِشارٍ مِنْ سَبَبِها، وَ عَفاءٍ مِنْ اءَعْلامِها، وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْراتِها، وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِها، جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَلاَغا لِرِسالَتِهِ، وَ كَرامَةً لاءُمَّتِهِ، وَ رَبِيعا لِاءَهْلِ زَمانِهِ وَ رِفْعَةً لِاءَعْوانِهِ، وَ شَرَفا لِاءَنْصارِهِ. ثُمَّ اءَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتابَ نُورا لا تُطْفاءُ مَصابِيحُهُ، وَ سِراجا لا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ، وَ بَحْرا لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وَ مِنْهاجا لا يُضِلُّ نَهْجُهُ، وَ شُعاعا لا يُظْلِمُ ضَوْؤُهُ، وَ فُرْقانا لا يُخْمَدُ بُرْهانُهُ وَ بُنْيانا لا تُهْدَمُ اءَرْكانُهُ وَ شِفاءً لا تُخْشَى اءَسْقامُهُ، وَ عِزّا لا تُهْزَمُ اءَنْصارُهُ وَ حَقّا لا تُخْذَلُ اءَعْوانُهُ، فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ، وَ يَنابِيعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ، وَ رِياضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرانُهُ، وَ اءَثا فِيُّ الْإِسْلامِ وَ بُنْيانُهُ، وَ اءَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَ غِيطانُهُ، وَ بَحْرٌ لا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ، وَ عُيُونٌ لا يُنْضِبُها الْماتِحُونَ، وَ مَناهِلُ لا يُغِيضُها الْوارِدُونَ، وَ مَنازِلُ لا يَضِلُّ نَهْجَها الْمُسافِرُونَ، وَ اءَعْلامٌ لا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ، وَ آكامٌ لا يَجُوزُ عَنْها الْقاصِدُونَ. جَعَلَهُ اللَّهُ رِيّا لِعَطَشِ الْعُلَماءِ، وَ رَبِيعا لِقُلُوبِ الْفُقَهاءِ، وَ مَحاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحاءِ، وَ دَواءً لَيْسَ بَعْدَهُ داءٌ، وَ نُورا لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وَ حَبْلاً وَثِيقا عُرْوَتُهُ، وَ مَعْقِلاً مَنِيعا ذِرْوَتُهُ، وَ عِزّا لِمَنْ تَوَلا هُ، وَ سِلْما لِمَنْ دَخَلَهُ، وَ هُدىً لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ، وَ عُذْرا لِمَنِ انْتَحَلَهُ، وَ بُرْهانا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَ شاهِدا لِمَنْ خاصَمَ بِهِ، وَ فَلْجا لِمَنْ حاجَّ بِهِ، وَ حامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ، وَ مَطِيَّةً لِمَنْ اءَعْمَلَهُ، وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَ جُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْاءَمَ، وَ عِلْما لِمَنْ وَعَى ، وَ حَدِيثا لِمَنْ رَوَى ، وَ حُكْما لِمَنْ قَضَى . |