Back

و من خطبة له ع
خطبة
177

لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَاءْنٍ، وَ لاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَ لاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَ لاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ، لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَ لاَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَ لاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ وَ لاَ دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا وَ لاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْاءَوْرَاقِ وَ خَفِيِّ طَرْفِ الْاءَحْدَاقِ.
وَ اءَشْهَدُ اءَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُول -ٍ بِهِ وَ لاَ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَ لاَ مَكْفُورٍ دِينُهُ وَ لاَ مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَ صَفَتْ دِخْلَتُهُ وَ خَلَصَ يَقِينُهُ وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ.
وَ اءَشْهَدُ اءَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلاَئِقِهِ وَ الْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالاَتِهِ وَ الْمُوَضَّحَةُ بِهِ اءَشْرَاطُ الْهُدَى وَ الْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى .
اءَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ الْمُخْلِدَ إِلَيْهَا وَ لاَ تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا وَ تَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا، وَ ايْمُ اللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا، لِاءَنَّ اللّ هَ لَيْسَ بِظَلاّ مٍ لِلْعَبِيدِ وَ لَوْ اءَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولَ عَنْهُمُ النِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وَ اءَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ.
وَ إِنِّي لَاءَخْشَى عَلَيْكُمْ اءَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ وَ قَدْ كَانَتْ اءُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ اءَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ وَ مَا عَلَيَّ إِلا الْجُهْدُ وَ لَوْ اءَشَاءُ اءَنْ اءَقُولَ لَقُلْتُ: عَفَا اللّ هُ عَمّ ا سَلَفَ.

و من كلام له ع وَ قَدْ سَاءَلَهُ ذِعْلِبُ الْيَمَانِيُّ فَقَالَ: هَلْ رَاءَيْتَرَبَّكَ يَا اءَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَع :
كلام
178

اءَ فَاءَعْبُدُ مَا لاَ اءَرَى ؟
فَقَالَ : وَ كَيْفَ تَرَاهُ؟ قَالَ ع :
لاَ تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ، قَرِيبٌ مِنَ الْاءَشْيَاءِ غَيْرَ مُلاَبِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ، مُتَكَلِّمٌ لاَ بِرَوِيَّةٍ، مَرِيدٌ لاَ بِهِمَّةٍ، صَانِعٌ لاَ بِجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ، بَصِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ، رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ، تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ.

و من خطبة له ع فِي ذَمَّ اءَصْحابِهِ:
خطبة
179

اءَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ اءَمْرٍ، وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ، وَ عَلَى ابْتِلاَئِي بِكُمْ اءَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا اءَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ، إِنْ اءُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ وَ إِنْ اءُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ، لاَ اءَبَا لِغَيْرِكُمْ، مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَ الْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ؟ الْمَوْتَ اءَوِ الذُّلَّ لَكُمْ.
فَوَ اللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي وَ لَيَأْتِيَنِّي لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَ بَيْنِكُمْ وَ اءَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ، وَ بِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ.
لِلَّهِ اءَنْتُمْ! اءَما دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَ لاَ حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ؟ اءَ وَ لَيْسَ عَجَبا اءَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَ لاَ عَطَاءٍ وَ اءَنَا اءَدْعُوكُمْ وَ اءَنْتُمْ تَرِيكَةُ الْإِسْلاَمِ وَ بَقِيَّةُ النَّاسِ إِلَى الْمَعُونَةِ اءَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ؟!
إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ اءَمْرِي رِضىً فَتَرْضَوْنَهُ، وَ لاَ سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ وَ إِنَّ اءَحَبَّ مَا اءَنَا لاَقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ، قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ وَ فَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ وَ عَرَّفْتُكُمْ مَا اءَنْكَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ، لَوْ كَانَ الْاءَعْمَى يَلْحَظُ اءَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ! وَ اءَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةُ وَ مُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ.

و من كلام له ع وَ قَدْ اءَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ اءَصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ اءَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ الْكُوفَةِ قَدْ هَمُّوابِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ، وَ كَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ ع ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ
خطبة
180
الرَّجُلُ قَالَ لَهُ:
اءَ اءَمِنُوا فَقَطَنُوا اءَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا؟
فَقَالَ الرَّجُلُ :
بَلْ ظَعَنُوا يَا اءَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ ع :
بُعْدا لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ، اءَمَا لَوْ اءُشْرِعَتِ الْاءَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ وَ صُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ وَ هُوَ غَدا مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُتَخَلِّ عَنْهُمْ، فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى ، وَ ارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلاَلِ وَ الْعَمَى وَ صَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِي التِّيهِ.
الْكُوفَةِ، وَ هُوَ قائِمٌ عَلَى حِجارَةٍ نَصَبَها لَهُ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ، وَ حَمائِلُ سَيْفِهِ لِيفٌ، وَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ لِيفٍ، وَ كَاءنَّ
خطبة
181
جَبِينَهُ ثَفِنَةُ بَعِيرٍ. فَقَالَ ع :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصائِرُ الْخَلْقِ وَ عَواقِبُ الْاءَمْرِ، نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسانِهِ، وَ نَيِّرِ بُرْهانِهِ، وَ نَوامِي فَضْلِهِ وَ امْتِنانِهِ، حَمْدا يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً، وَ لِشُكْرِهِ اءَدَاءً، وَ إِلى ثَوابِهِ مُقَرِّبا وَ لِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِبا، وَ نَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعانَةَ راجٍ لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ، واثِقٍ بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ، مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ.
وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجاهُ مُوقِنا، وَ اءَنابَ إِلَيْهِ مُؤْمِنا، وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِنا، وَ اءَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّدا، وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّدا، وَ لاذَ بِهِ راغِبا مُجْتَهِدا.
لَمْ يُولَدْ سُبْحانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشارَكا، وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثا هالِكا، وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لا زَمانٌ، وَ لَمْ يَتَعاوَرْهُ زِيادَةٌ وَ لا نُقْصانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِما اءَرانا مِنْ عَلاماتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ، وَ الْقَضاءِ الْمُبْرَمِ.
فَمِنْ شَواهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّماواتِ مُوَطَّداتٍ بِلا عَمَدٍ، قَائِماتٍ بِلا سَنَدٍ، دَعاهُنَّ فَاءَجَبْنَ طائِعاتٍ مُذْعِناتٍ، غَيْرَ مُتَلَكِّئاتٍ وَ لا مُبْطِئاتٍ، وَ لَوْ لا إِقْرارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ إِذْعانُهُنَّ لَهُ بِالطَّواعِيَةِ لَما جَعَلَهُنَّ مَوْضِعا لِعَرْشِهِ، وَ لا مَسْكَنا لِمَلائِكَتِهِ، وَ لا مَصْعَدا لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ.
جَعَلَ نُجُومَها اءَعْلاما يَسْتَدِلُّ بِها الْحَيْرانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجاجِ الْاءَقْطارِ، لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِها ادْلِهْمامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَ لا اسْتَطاعَتْ جَلابِيبُ سَوادِ الْحَنادِسِ اءَنْ تَرُدَّ ما شاعَ فِي السَّماواتِ مِنْ تَلاءلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ.
فَسُبْحانَ مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوادُ غَسَقٍ داجٍ، وَ لا لَيْلٍ ساجٍ فِي بِقاعِ الْاءَرَضِينَ الْمُتَطَاءْطِئاتِ، وَ لا فِي يَفاعِ السُّفْعِ الْمُتَجاوِراتِ، وَ ما يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي اءُفُقِ السَّماءِ، وَ ما تَلاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمامِ، وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُها عَنْ مَسْقَطِها عَواصِفُ الْاءَنْواءِ وَ انْهِطالُ السَّماءِ، وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّها، وَ مَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَ مَجَرَّها، وَ ما يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِها، وَ ما تَحْمِلُ مِنْ الْاءُنْثَى فِي بَطْنِها.
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكائِنِ قَبْلَ اءَنْ يَكُونَ كُرْسِيُّ اءَوْ عَرْشٌ، اءَوْ سَماءٌ اءَوْ اءَرْضٌ، اءَوْ جانُّ اءَوْ إِنْسٌ، لا يُدْرَكُ بِوَهْمٍ، وَ لا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ، وَ لا يَشْغَلُهُ سائِلٌ، وَ لا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ، وَ لا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ، وَ لا يُحَدُّ بِاءَيْنٍ، وَ لا يُوصَفُ بِالْاءَزْواجِ، وَ لا يُخْلَقُ بِعِلاجٍ، وَ لا يُدْرَكُ بِالْحَواسِّ، وَ لا يُقاسُ بِالنَّاسِ، الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيما، وَ اءَراهُ مِنْ آياتِهِ عَظِيما، بِلا جَوارِحَ وَ لا اءَدَواتٍ، وَ لا نُطْقٍ وَ لا لَهَواتٍ.
بَلْ إ نْ كُنْتَ صادِقا اءَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جِبْريلَ وَ مِيكائِيلَ وَ جُنُودَ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُراتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ، مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ اءَنْ يَحُدُّوا اءَحْسَنَ الْخالِقِينَ.
وَ إِنَّما يُدْرَكُ بِالصِّفاتِ ذَوُو الْهَيْئاتِ وَ الْاءَدَواتِ، وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذا بَلَغَ اءَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَناءِ، فَلا إِلَهَ إِلا هُوَ، اءَضاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلامٍ، وَ اءَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ.
اءُوصِيكُمْ عِبادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي اءَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَ اءَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعاشَ، فَلَوْ اءَنَّ اءَحَدا يَجِدُ إِلَى الْبَقاءِ سُلَّما، اءَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً لَكانَ ذَلكَ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ ع الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ الزُّلْفَةِ.
فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَناءِ بِنِبالِ الْمَوْتِ وَ اءَصْبَحَتِ الدِّيارُ مِنْهُ خالِيَةً، وَ الْمَساكِنُ مُعَطَّلَةً، وَ وَرِثَها قَوْمٌ آخَرُونَ، وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً.
اءَيْنَ الْعَمالِقَةُ وَ اءَبْنَاءُ الْعَمالِقَةِ؟ اءَيْنَ الْفَراعِنَةُ وَ اءَبْناءُ الْفَراعِنَةِ؟ اءَيْنَ اءَصْحابُ مَدائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ، وَ اءَطْفَؤُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَ اءَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ؟ اءَيْنَ الَّذِينَ سارُوا بِالْجُيُوشِ، وَ هَزَمُوا الْاءُلُوفِ، وَ عَسْكَرُوا الْعَساكِرَ، وَ مَدَّنُوا الْمَدائِنَ؟
مِنْهَا:
قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَها، وَ اءَخَذَها بِجَمِيعِ اءَدَبِها، مِنَ الْإِقْبالِ عَلَيْها، وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَ التَّفَرُّغِ لَها، فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها، وَ حاجَتُهُ الَّتِي يَسْاءَلُ عَنْها، فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلامُ، وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ، وَ اءَلْصَقَ الْاءَرْضَ بِجِرانِهِ، بَقِيَّةٌ مِنْ بَقايا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلائِفِ اءَنْبِيائِهِ.
ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:
اءَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَواعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الْاءَنْبِياءُ اءُمَمَهُمْ، وَ اءَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ ما اءَدَّتِ الْاءَوْصِياءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَ اءَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّواجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا، لِلَّهِ اءَنْتُمْ اءَتَتَوَقَّعُونَ إِماما غَيْرِي يَطَاءُ بِكُمُ الطَّرِيقَ وَ يُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟
اءَلا إِنَّهُ قَدْ اءَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيا ما كانَ مُقْبِلاً، وَ اءَقْبَلَ مِنْها ما كانَ مُدْبِرا، وَ اءَزْمَعَ التَّرْحالَ عِبادُ اللَّهِ الْاءَخْيارُ، وَ باعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لا يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ الْآخِرَةِ لا يَفْنَى ، ما ضَرَّ إِخْوَانَنا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِماؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّينَ اءَنْ لا يَكُونُوا الْيَوْمَ اءَحْيَاءً يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَ يَشْرَبُونَ الرَّنْقَ! قَدْ وَ اللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ اءُجُورَهُمْ، وَ اءَحَلَّهُمْ دارَ الْاءَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ.
اءَيْنَ إِخْوانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ اءَيْنَ عَمَّارٌ، وَ اءَيْنَ ابْنُ التَّيِّهانِ، وَ اءَيْنَ ذُو الشَّهادَتَيْنِ، وَ اءَيْنَ نُظَراؤُهُمْ مِنْ إِخْوانِهِمُ الَّذِينَ تَعاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَ اءُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ؟
قالَ :
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِالْكَرِيمَةِ فَاءَطالَ الْبُكاءَ،
ثُمَّقالَ ع :
اءَوِّهِ عَلَى إِخْوانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَاءَحْكَمُوهُ، وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَاءَقامُوهُ، اءَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَ اءَماتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهادِ فَاءَجابُوا، وَ وَثِقُوا بِالْقائِدِ فَاتَّبَعُوهُ.
ثُمَّ نادَى بِاءَعْلَى صَوْتِهِ: الْجِهادَ الْجِهادَ عِبادَ اللَّهِ، اءَلا وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هذا، فَمَنْ اءَرادَ الرَّواحَ إِلَى اللَّهِ فَلْيَخْرُجْ.
قالَ نَوْفٌ :
وَ عَقَدَ لِلْحُسَيْنِ ع فِي عَشَرَةِ آلافٍ، وَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، وَ لِاءَبِي اءَيُّوبَ الْاءَنْصارِيِّ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، وَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى اءَعْدادٍ اءُخْرَ، وَ هُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى صِفِّينَ، فَما دارَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى ضَرَبَهُ الْمَلْعُونُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَتَراجَعَتِ الْعَساكِرُ، فَكُنَّا كَاءَغْنامٍ فَقَدَتْ راعِيها تَخْتَطِفُها الذِّئابُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ.