وَ اءَسْتَعِينُهُ عَلَى مَداحِرِ الشَّيْطانِ وَ مَزاجِرِهِ، وَالاعْتِصامِ مِنْ حَبائِلِهِ وَ مَخاتِلِهِ، وَ اءَشْهَدُ اءَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَ اءَشْهَدُ اءَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِيبُهُ وَ صَفْوَتُهُ، لا يُؤ ازى فَضْلُهُ، وَ لا يُجْبَرُ فَقْدُهُ، اءَضاءَتْ بِهِ الْبِلادُ بَعْدَ الضَّلالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْجَهالَةِ الْغالِبَةِ، وَالْجَفْوَةِ الْجافِيَةِ، وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ، وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ، يَحْيَوْنَ عَلى فَتْرَةٍ وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ.
ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ اءَغْرَاضُ بَلايا قَدِ اقْتَرَبَتْ فَاتَّقُوا سَكَراتِ النِّعْمَةِ، وَاحْذَرُوا بَوائِقَ النِّقْمَةِ، وَ تَثَبَّتُوا فِى قَتامِ الْعِشْوَةِ وَاعْوِجاجِ الْفِتْنَةِ، عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِها، وَ ظُهُورِ كَمِينِها، وَانْتِصابِ قُطْبِها، وَ مَدارِ رَحاها تَبْدَاءُ فِى مَدارِجَ خَفِيَّةٍ، وَ تَؤُولُ إِلى فَظاعَةٍ جَلِيَّةٍ، شِبابُها كَشِبابِ الْغُلامِ، وَ آثارُها كَآثارِ السِّلامِ.
تَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ، اءَوَّلُهُمْ قائِدٌ لِآخِرِهِمْ، وَآخِرُهُم مُقْتَدٍ بِاءَوَّلِهِمْ، يَتَنافَسُونَ فِى دُنْيا دَنِيَّةٍ، وَ يَتَكالَبُونَ عَلى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ، وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّاءُ التَّابِعُ مِنَ اظلْمَتْبُوعِ، وَالْقائِدُ مِنَالْمَقُودِ، فَيَتَزايَلُونَ بِالْبَغْضاءِ، وَ يَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقاءِ.
ثُمَّ يَاءْتِى بَعْدَ ذلِكَ طالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَالْقاصِمَةِ الزَّحُوفِ، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقامَةٍ، وَ تَضِلُّ رِجالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ، وَ تَخْتَلِفُ الْاءَهْواءُ عِنْدَ هُجُومِها، وَ تَلْتَبِسُ الْآراءُ عِنْدَ نُجُومِها، مَنْ اءَشْرَفَ لَها قَصَمَتْهُ، وَ مَنْ سَعى فِيها حَطَمَتْهُ، يَتَكادَمُونَ فِيها تَكادُمَ الْحُمُرِ فِى الْعانَةِ، قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَ عَمِىَ وَجْهُ الْاءَمْرِ، تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ، وَ تَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَ تَدُقُّ اءَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِها، وَ تَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِها، يَضِيعُ فِى غُبارِهَا الْوُحْدانُ، وَ يَهْلِكُ فِى طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضاءِ، وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّماءِ، وَ تَثْلِمُ مَنارَ الدِّينِ، وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ، يَهْرُبُ مِنْهَا الْاءَكْياسُ، وَ يُدَبِّرُهَا الْاءَرْجاسُ، مِرْعادٌ مِبْراقٌ، كاشِفَةٌ عَنْ ساقٍ، تُقْطَعُ فِيهَا الْاءَرْحامُ وَ يُفارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلامُ، بَرِيُّها سَقِيمٌ، وَ ظاعِنُها مُقِيمٌ.
مِنْهَا:
بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ، وَ خائِفٍ مُسْتَجِيرٍ، يَخْتَلُونَ بِعَقْدِ الْاءَيْمانِ وَ بِغُرُورِ الْإِيمانِ، فَلا تَكُونُوا اءَنْصابَ الْفِتَنِ وَ اءَعْلامَ الْبِدَعِ، وَالْزَمُوا ما عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَماعَةِ، وَ بُنِيَتْ عَلَيْهِ اءَرْكانُ الطَّاعَةِ، وَاقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ، وَ لا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظالِمِينَ، وَاتَّقُوا مَدارِجَ الشَّيْطانِ، وَ مَهابِطَ الْعُدْوانِ، وَ لا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ، وَ سَهَّلَ لَكُمْ سَبِيلَ الطَّاعَةِ.
|
و من خطبة له ع فى صفات اللّه جل جلاله و صفات اءئمة الدين |
|
الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلى اءَزَلِيَّتِهِ، وَ بِاِشْتِباهِهِمْ عَلى اءَنْ لا شَبَهَ لَهُ، لا تَسْتَلِمُهُ الْمَشاعِرُ، وَ لا تَحْجُبُهُ السَّواتِرُ، لافْتِراقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوعِ، وَالْحَادِّ وَالْمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ، الْاءَحَدِ لا بِتَاءْوِيلِ عَدَدٍ، وَالْخالِقِ لا بِمَعْنى حَرَكَةٍ وَ نَصَبٍ، وَالسَّمِيعِ لا بِاءَدَاةٍ، وَالْبَصِيرِ لا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ، وَالشَّاهِدِ لا بِمُماسَّةٍ، وَالْبائِنِ لا بِتَراخِى مَسافَةٍ، وَالظَّاهِرِ لا بِرُؤْيَةٍ، وَالْباطِنِ لا بِلَطافَةٍ، بانَ مِنَ الْاءَشْياءِ بِالْقَهْرِ لَها وَالْقُدْرَةِ عَلَيْها، وَ بانَتِ الْاءَشْياءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ اءَبْطَلَ اءَزَلَهُ، وَ مَنْ قالَ: كَيْفَ؟ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَ مَنْ قالَ: اءَيْنَ؟ فَقَدْ حَيَّزَهُ، عالِمٌ إِذْ لا مَعْلُومٌ، وَرَبُّ إِذْ لا مَرْبُوبٌ، وَ قَادِرٌ إِذْ لا مَقْدُورَ.
مِنْهَا:
قَدْ طَلَعَ طالِعٌ وَ لَمَعَ لامِعٌ وَ لاحَ لائِحٌ وَاعْتَدَلَ مائِلٌ، وَاسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْما، وَ بِيَوْمٍ يَوْما، وَانْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ، وَ إِنَّمَا الْاءَئِمَّةُ قُوّامُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، وَ عُرَفاؤُهُ عَلى عِبادِهِ، لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ، وَ لا يَدْخُلُ النَّارَ إِلا مَنْ اءَنْكَرَهُمْ وَ اءَنْكَرُوهُ.
اَّ اللّهَ تَعالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلاَمِ، وَاسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ، وَ ذلِكَ لِاءَنَّهُ اسْمُ سَلامَةٍ وَ جِماعُ كَرامَةٍ، اصْطَفَى اللَّهُ تَعالى مَنْهَجَهُ، وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ، مِنْ ظاهِرِ عِلْمٍ وَ باطِنِ حُكْمٍ، لا تَفْنَى غَرائِبُهُ، وَ لا تَنْقَضِى عَجائِبُهُ، فِيهِ مَرابِيعُ النِّعَمِ، وَ مَصابِيحُ الظُّلَمِ، لا تُفْتَحُ الْخَيْراتُ إِلا بِمَفاتِحِهِ، وَ لا تُكْشَفُ الظُّلُماتُ إِلا بِمَصابِحِهِ، قَدْ اءَحْمى حِماهُ، وَ اءَرْعى مَرْعاهُ، فِيهِ شِفاءُ الْمُشْتَفِى ، وَ كِفايَةُ الْمُكْتَفِى .
مِنْها:
وَ هُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِى مَعَ الْغافِلِينَ، وَ يَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ، بِلا سَبِيلٍ قاصِدٍ، وَ لا إِمامٍ قائِدٍ.
مِنْها:
حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلابِيبِ غَفْلَتِهِمُ، اسْتَقْبَلُوا مُدْبِرا، وَ اسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِما اءَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَ لا بِما قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ، وَ إِنِّى اءُحَذِّرُكُمْ وَ نَفْسِى هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَ نَظَرَ فَاءَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَدا واضِحا يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِى الْمَهاوِى ، وَالضَّلالَ فِى الْمَغاوِى ، وَ لا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُواةَ، بِتَعَسُّفٍ فِى حَقِّ، اءَوْ تَحْرِيفٍ فِى نُطْقٍ، اءَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ.
فَاءَفِقْ اءَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ، وَاخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَ اءَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيما جاءَكَ عَلى لِسانِ النَّبِىِّ الْاءُمِّىِّ صَلّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِه مِمَّا لابُدَّ مِنْهُ، وَ لا مَحِيصَ عَنْهُ، وَ خالِفْ مَنْ خالَفَ ذلِكَ إِلى غَيْرِهِ، وَدَعْهُ وَ ما رَضِىَ لِنَفْسِهِ، وَضَعْ فَخْرَكَ، وَاحْطُطْ كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ، وَ كَما تَدِينُ تُدانُ، وَ كَما تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَ ما قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَدا، فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ، وَقَدِّمْ لِيَوْمِكَ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ اءَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ، وَالْجِدَّ الْجِدَّ اءَيُّهَا الْغافِلُ (وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
إِنَّ مِنْ عَزائِمِ اللَّهِ فِى الذِّكْرِ الْحَكِيمِ الَّتِى عَلَيْها يُثِيبُ وَ يُعاقِبُ، وَ لَها يَرْضى وَ يَسْخَطُ، اءَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْدا وَ إِنْ اءَجْهَدَ نَفْسَهُ وَاءَخْلَصَ فِعْلَهُ اءَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيا لاقِيا رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا: اءَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبادَتِهِ، اءَوْ يَشْفِى غَيْظَهُ بِهَلاكِ نَفْسٍ، اءَوْ يَعُرَّ بِاءَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، اءَوْ يَسْتَنْجِحَ حاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهارِ بِدْعَةٍ فِى دِينِهِ، اءَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، اءَوْ يَمْشِىَ فِيهِمْ بِلِسانَيْنِ، اعْقِلْ ذلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ.
إِنَّ الْبَهائِمَ هَمُّها بُطُونُها، وَ إِنَّ السِّباعَ هَمُّهَا الْعُدْوانُ عَلَى غَيْرِهَا، وَ إِنَّ النِّساءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْفَسادُ فِيها، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ.
|
و من خطبة له ع يذكر فيها فضائل اءهل البيت
|
|
وَ ناظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ اءَمَدَهُ، وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ وَ نَجْدَهُ، داعٍ دَعا، وَ راعٍ رَعى ، فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِى ، وَاتَّبِعُوا الرَّاعِي .
قَدْ خاضُوا بِحارَ الْفِتَنِ، وَاءَخَذُوا بِالْبِدَع دُونَ السُّنَنِ، وَ اءَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ، وَ نَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ، نَحْنُ الشِّعارُ وَالْاءَصْحابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالْاءَبْوابُ، وَ لا تُؤ تَى الْبُيُوتُ إِلا مِنْ اءَبْوابِها، فَمَنْ اءَتاها مِنْ غَيْرِ اءَبْوابِها، سُمِّيَ سارِقا.
مِنْها:
فِيهِمْ كَرائِمُ الايمانِ، وَ هُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ، إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَ إِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا، فَلْيَصْدُقْ رائِدٌ اءَهْلَهُ، وَ لْيُحْضِرْ عَقْلَهُ، وَلْيَكُنْ مِنْ اءَبْناءِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْها قَدِمَ وَ إِلَيْها يَنْقَلِبُ، فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَاءُ عَمَلِهِ اءَنْ يَعْلَمَ، اءَعَمَلُهُ عَلَيْهِ اءَمْ لَهُ؟ فَإِنْ كانَ لَهُ مَضى فِيهِ، وَ إِنْ كانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، فَلا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلا بُعْدا مِنْ حاجَتِهِ، وَالْعامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْواضِحِ، فَلْيَنْظُرْ ناظِرٌ اءَسائِرٌ هُوَ اءَمْ راجِعٌ؟
وَاعْلَمْ اءَنَّ لِكُلِّ ظاهِرٍ باطِنا عَلَى مِثالِهِ، فَما طابَ ظاهِرُهُ طابَ باطِنُهُ، وَ ما خَبُثَ ظاهِرُهُ خَبُثَ باطِنُهُ، وَ قَدْ قالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَ يُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَ يُحِبُّ الْعَمَلَ وَ يُبْغِضُ بَدَنَهُ )) .
وَاعْلَمْ اءَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَباتا، وَ كُلُّ نَباتٍ لا غِنَى بِهِ عَنِ الْماءِ، وَالْمِياهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَما طابَ سَقْيُهُ طابَ غَرْسُهُ وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَ ما خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَ اءَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ.
|
و من خطبة له ع يَذْكُرُ فِيها بَدِيعَ خِلْقَةِ الْخُفَاشِ: |
|
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى انْحَسَرَتِ الْاءَوْصافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَساغا إِلى بُلُوغِ غايَةِ مَلَكُوتِهِ، هُوَاللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، اءَحَقُّ وَ اءَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ، لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّها، وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْاءَوْهامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً، خَلَقَ الْخَلْقَ عَلى غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَ لا مَشُورَةِ مُشِيرٍ وَ لا مَعُونَةِ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِاءَمْرِهِ، وَ اءَذْعَنَ لِطاعَتِهِ، فَاءَجابَ وَ لَمْ يُدافِعْ، وَانْقَادَ وَ لَمْ يُنازِعْ.
وَ مِنْ لَطائِفِ صَنْعَتِهِ، وَ عَجائِبِ خِلْقَتِهِ، ما اءَرانا مِنْ غَوامِضِ الْحِكْمَةِ فِى هَذِهِ الْخَفافِيش الَّتِى يَقْبِضُهَا الضِّياءُ الْباسِطُ لِكُلِّ شَىْءٍ، وَ يَبْسُطُهَا الظَّلامُ الْقابِضُ لِكُلِّ حَي ، وَ كَيْفَ عَشِيَتْ اءَعْيُنُها عَنْ اءَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُورا تَهْتَدِى بِهِ فِى مَذاهِبِها، وَ تَتَّصِلُ بِعَلانِيَةِ بُرْهانِ الشَّمْسِ إِلى مَعارِفِها، وَرَدَعَها بِتَلَاءْلُؤِ ضِيائِها عَنِ الْمُضِىِّ فِى سُبُحاتِ إِشْراقِها، وَ اءَكَنَّها فِى مَكامِنِها عَنِ الذَّهابِ فِى بُلَجِ ائْتِلاقِها، فَهِىَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهارِ عَلى اءَحْداقِها، وَ جاعِلَةُ اللَّيْلِ سِراجا تَسْتَدِلُّ بِهِ فِى الْتِمَاسِ اءَرْزاقِها، فَلا يَرُدُّ اءَبْصارَها إِسْدافُ ظُلْمَتِهِ، وَ لا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِىِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجْنَتِهِ، فَإِذا اءَلْقَتِ الشَّمْسُ قِناعَها، وَبَدَتْ اءَوْضاحُ نَهارِها، وَ دَخَلَ مِنْ إِشْراقِ نُورِها عَلَى الضِّبابِ فِى وِجارِها، اءَطْبَقَتِ الْاءَجْفانَ عَلَى مَآقِيها، وَ تَبَلَّغَتْ بِما اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعاشِ فِى ظُلَمِ لَيالِيها.
فَسُبْحانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَها نَهارا وَ مَعاشا، وَالنَّهارَ سَكَنا وَ قَرارا، وَ جَعَلَ لَها اءَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِها تَعْرُجُ بِها عِنْدَ الْحاجَةِ إِلى الطَّيَرانِ كَاءَنَّها شَظايَا الْآذانِ، غَيْرَ ذَواتِ رِيشٍ وَ لا قَصَبٍ، إِلا اءَنَّكَ تَرى مَواضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً اءَعْلاما، لَها جَناحانِ لَمْ يَرِقّا فَيَنْشَقّا، وَ لَمْ يَغْلُظا فَيَثْقُلا، تَطِيرُ وَ وَلَدُها لاصِقٌ بِها، لاجِئٌ إِلَيْها، يَقَعُ إِذا وَقَعَتْ، وَ يَرْتَفِعُ إِذا ارْتَفَعَتْ، لا يُفارِقُها حَتّى تَشْتَدَّ اءَرْكانُهُ، وَ يَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَناحُهُ، وَيَعْرِفَ مَذاهِبَ عَيْشِهِ وَ مَصالِحَ نَفْسِهِ، فَسُبْحانَ الْبارِئُ لِكُلِّ شَىْءٍ عَلى غَيْرِ مِثالٍ خَلا مِنْ غَيْرِهِ.