اءَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّما اءَنْتُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنايا، مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَ فِى كُلِّ اءَكْلَةٍ غَصَصٌ، لا تَنالُونَ مِنْها نِعْمَةً إِلاّ بِفِراقِ اءُخْرى ، وَ لا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْما مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ اءَجَلِهِ، وَ لا تُجَدَّدُ لَهُ زِيادَةٌ فِى اءُكُلِهِ إِلاّ بِنَفادِ ما قَبْلَها مِنْ رِزْقِهِ، وَ لا يَحْيى لَهُ اءَثَرٌ إِلاّ ماتَ لَهُ اءَثَرٌ، وَ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلا بَعْدَ اءَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ، وَ لا تَقُومُ لَهُ نابِتَةٌ إِلاّ وَ تَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ.
إِنَّ هَذا الْاءَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَ لا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةٍ وَ لا بِقِلَّةٍ، وَ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِى اءَظْهَرَهُ، وَ جُنْدُهُ الَّذِى اءَعَدَّهُ وَ اءَمَدَّهُ، حَتّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَ طَلَعَ حَيْثُما طَلَعَ، وَ نَحْنُ عَلى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَ ناصِرٌ جُنْدَهُ.
فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدا صَلّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِه بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْاءَوْثانِ إِلى عِبادَتِهِ، وَ مِنْ طاعَةِ الشَّيْطانِ إِلى طاعَتِهِ، بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَ اءَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَ لِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ اءَنْكَرُوهُ، فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحانَهُ فِي كِتابِهِ مِنْ غَيْرِ اءَنْ يَكُونُوا رَاءَوْهُ بِما اءَراهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاتِ، وَاحْتَصَدَ مَنِاحْتَصَدَ بِالنَّقِماتِ.
كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما يَرْجُو الْاءَمْرَ لَهُ، وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صاحِبِهِ، لا يَمُتّانِ إِلَى اللَّهِ بِحَبْلٍ، وَ لا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما حامِلُ ضَبِّ لِصاحِبِهِ، وَ عَمّا قَلِيلٍ يَكْشِفُ قِناعُهُ بِهِ، وَاللَّهِ لَئِنْ اءَصابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذا نَفْسَ هَذا، وَلَيَأْتِيَنَّ هَذا عَلَى هَذا، قَدْ قامَتِ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ فَاءَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ؟ قَدْ سُنَّتَ لَهُمُ السُّنَنُ، وَ قُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ، وَ لِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ، وَلِكُلِّ ناكِثٍ شُبْهَةٌ، وَاللَّهِ لا اءَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، يَسْمَعُ النّاعِيَ، وَ يَحْضُرُ الْباكِيَ ثُمَّ لا يَعْتَبِرُ.
اءَمّا وَصِيَّتِي : فَاللَّهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وَ مُحَمَّدا ص فَلا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ، اءَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَاءَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْباحَيْنِ، وَ خَلاكُمْ ذَمُّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا. حَمَلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ، وَ خُفَّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ رَبُّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَ إِمامٌ عَلِيمٌ، اءَنَا بِالْاءَمْسِ صاحِبُكُمْ، وَ اءَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَ غَدا مُفارِقُكُمْ، غَفَرَاللَّهُ لِي وَلَكُمْ، إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْاءَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذاكَ، وَ إِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنّا كُنّا فِي اءَفْياءِ اءَغْصانٍ، وَ مَهابِّ رِياحٍ، وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمامٍ، اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُها، وَ عَفا فِي الْاءَرْضِ مَخَطُّها، وَ إِنَّما كُنْتُ جارا جاوَرَكُمْ بَدَنِي اءَيَّاما، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاءً، ساكِنَةً بَعْدَ حَراكٍ، وَ صامِتَةً بَعْدَ نُطوقٍ، لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّى وَ خُفُوتُ إِطْراقِي وَ سُكُونُ اءَطْرافِى ، فَإِنَّهُ اءَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ. وَداعِي لَكُمْ وَداعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلاقِى ، غَدا تَرَوْنَ اءَيّامِى ، وَ يُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرائِرِى ، وَ تَعْرِفُونَنِى بَعْدَ خُلُوِّ مَكانِى ، وَ قِيامِ غَيْرِى مَقامِى .
يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَ دُنُوُّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ. اءَلاَ وَإِنَّ مَنْ اءَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ، وَ يَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقا وَ يُعْتِقَ فِيهَا رِقّا، وَ يَصْدَعَ شَعْبا، وَ يَشْعَبَ صَدْعا، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لاَ يُبْصِرُ الْقَائِفُ اءَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ، ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ، تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ اءَبْصَارُهُمْ، وَ يُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَ يُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ. مِنْهَا: وَ طَالَ الْاءَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ، وَ يَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ، حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْاءَجَلُ، وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ، وَاشْتَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ، وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ اءَنْفُسِهِمْ فِي حَقِّ، حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاَءِ، حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى اءَسْيَافِهِمْ، وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِاءَمْرِ وَاعِظِهِمْ حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِه رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْاءَعْقَابِ، وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلاَئِجِ وَ وَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ وَ هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي اءُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، وَ نَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ اءَسَاسِهِ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَ اءَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ، فِي غَمْرَةٍ قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ، وَ ذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ، اءَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ. |