اءَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي اءُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيا، فَإِنَّها حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَ تَحَلَّتْ بِالْآمَالِ، وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ، لا تَدُومُ حَبْرَتُها، وَ لا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا، غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ، زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ، بَائِدَةٌ، اءَكَّالَةٌ، غَوَّالَةٌ، لا تَعْدُو إِذا تَناهَتْ إِلى اءُمْنِيَّةِ اءَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيها؛ وَالرِّضَاءِ بِهَا اءَنْ تَكُونَ كَما قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : (كَم اءٍ اءَنْزَلْن اهُ مِنَ السَّم اءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَب اتُ الْاءَرْضِ فَاءَصْبَحَ هَشِيما تَذْرُوهُ الرِّي احُ، وَ ك انَ اللّ هُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرا.) لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْها فِي حَبْرَةٍ إ لا اءَعْقَبَتْهُ بَعْدَها عَبْرَةً، وَ لَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَّائِها بَطْنا إ لا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْرا، وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيها دِيمَةُ رَخَاءٍ إ لا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاَءٍ، وَ حَرِيُّ إ ذا اءَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً اءَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً، وَ إ نْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلَى اءَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَاءَوْبَى .
هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً اءَمْ هَلْ تَراهُ إ ذا تَوَفَّى اءَحَدا؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ اءُمِّهِ؟ اءَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوارِحِها؟ اءَمْ الرُّوحُ اءَجابَتْهُ بِإ ذْنِ رَبِّها؟ اءَمْ هُوَ ساكِنٌ مَعَهُ فِي اءَحْشَائِها كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ؟!
وَ اءُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّها مَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَ لَيْسَتْ بِدارِ نُجْعَةٍ، قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِها، وَ غَرَّتْ بِزِينَتِهَا، دارٌ هانَتْ عَلَى رَبِّها، فَخَلَطَ حَلالَها بِحَرامِها، وَ خَيْرَها بِشَرِّها، وَ حَيَاتَها بِمَوْتِها، وَ حُلْوَها بِمُرِّهَا، لَمْ يُصْفِها اللَّهُ تَعالَى لِاءَوْلِيائِهِ، وَ لَمْ يَضِنَّ بِها عَلَى اءَعْدائِهِ، خَيْرُها زَهِيدٌ، وَ شَرُّها عَتِيدٌ، وَ جَمْعُها يَنْفَدُ، وَ مُلْكُها يُسْلَبُ، وَ عامِرُها، يَخْرَبُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْواصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ، وَ النِّعَمَ بِالشُّكْرِ، نَحْمَدُهُ عَلى آلائِهِ، كَما نَحْمَدُهُ عَلى بَلاَئِهِ، وَ نَسْتَعِينُهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطاءِ عَما اءُمِرَتْ بِهِ، السِّرَعِ إِلَى ما نُهِيَتْ عَنْهُ، وَ نَسْتَغْفِرُهُ ممّا اءَحاطَ بِهِ عِلْمُهُ، وَ اءَحْصاهُ كِتابُهُ، عِلْمٌ غَيْرُ قاصِرٍ، وَ كِتابٌ غَيْرُ مُغادِرٍ، وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ، وَ وَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ، إِيمَانا نَفَى إِخْلاَصُهُ الشِّرْكَ، وَ يَقِينُهُ الشَّكَّ، وَ نَشْهَدُ اءَنْ لا إ لهَ إ لا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَ اءَنَّ مُحَمَّدا صَلّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِه عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، شَهادَتَيْنِ تُصْعِدانِ الْقَوْلَ، وَ تَرْفَعانِ الْعَمَلَ، لا يَخِفُّ مِيزانٌ تُوضَعانِ فِيهِ، وَ لا يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعانِ مِنْهُ.
اءُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزّادُ، وَ بِها الْمَعَاذُ، زادٌ مُبْلِغٌ، وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ، دَعا إِلَيْها اءَسْمَعُ دَاعٍ، وَ وَعاها خَيْرُ واعٍ، فَاءَسْمَعَ دَاعِيها، وَ فازَ واعِيها. عِبادَ اللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ اءَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحارِمَهُ، وَ اءَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخافَتَهُ حَتَّى اءَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَ اءَظْمَاءَتْ هَواجِرَهُمْ، فَاءَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ، وَ الرِّيَّ بِالظَّمَإِ، وَ اسْتَقْرَبُوا الْاءَجَلَ، فَبادَرُوا الْعَمَلَ، وَ كَذَّبُوا الْاءَمَلَ، فَلاَحَظُوا الْاءَجَلَ. ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيا دارُ فَناءٍ وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ، فَمِنَ الْفَنَاءِ اءَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ، لا تُخْطِئُ سِهامُهُ، وَ لا تُؤْسَى جِرَاحُهُ، يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ، وَ الصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ وَ النَّاجِيَ بِالْعَطَبِ، آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ، وَ شارِبٌ لا يَنْقَعُ، وَ مِنَ الْعَناءِ اءَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ ما لا يَأْكُلُ، وَ يَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إ لَى اللَّهِ تَعالى لا مالاً حَمَلَ، وَ لا بِنَاءً نَقَلَ. وَ مِنْ غِيَرِها اءَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطا، وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوما، لَيْسَ ذَلِكَ إ لا نَعِيما زَلَّ، وَ بُؤْسا نَزَلَ. وَ مِنْ عِبَرِها اءَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى اءَمَلِهِ، فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ اءَجَلِهِ، فَلا اءَمَلٌ يُدْرَكُ، وَ لا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ، فَسُبْحانَ اللَّهِ ما اءَعَزَّ سُرُورَها، وَ اءَظْمَاءَ رِيَّها، وَ اءَضْحى فَيْئَها، لا جَاءٍ يُرَدُّ، وَ لا مَاضٍ يَرْتَدُّ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ، ما اءَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحاقِهِ بِهِ، وَ اءَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ. إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلا عِقَابُهُ، وَ لَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلا ثَوَابُهُ، وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا سَماعُهُ اءَعْظَمُ مِنْ عِيانِهِ، وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْآخِرَةِ عِيانُهُ اءَعْظَمُ مِنْ سَماعِهِ، فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيانِ السَّمَاعُ، وَ مِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ، وَ اعْلَمُوا اءَنَّ ما نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَ زادَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ وَ زادَ فِي الدُّنْيا، فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رابِحٍ، وَ مَزِيدٍ خاسِرٍ. إِنَّ الَّذِي اءُمِرْتُمْ بِهِ اءَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَ ما اءُحِلَّ لَكُمْ اءَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، فَذَرُوا ما قَلَّ لِما كَثُرَ، وَ ما ضاقَ لِمَا اتَّسَعَ، قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ، وَ اءُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ، فَلا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ اءَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ، مَعَ اءَنَّهُ وَ اللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ وَ دَخِلَ الْيَقِينُ، حَتَّى كَاءَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَ كَاءَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ، فَبادِرُوا الْعَمَلَ، وَ خافُوا بَغْتَةَ الْاءَجَلِ، فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمْرِ ما يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ. ما فاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَدا زِيَادَتُهُ، وَ ما فاتَ اءَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ، الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي ، وَ الْيَأْسُ مَعَ الْماضِي ، فَ (اتَّقُوا اللّ هَ حَقَّ تُق اتِهِ، وَ لا تَمُوتُنَّ إ لاّ وَ اءَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
اللَّهُمَّ فَارْحَمْ اءَنِينَ الْآنَّةِ، وَ حَنِينَ الْحَانَّةِ. اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَها فِي مَذاهِبِها، وَ اءَنِينَها فِي مَوَالِجِها. اللَّهُمَّ خَرَجْنا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنا حَدابِيرُ السِّنِينَ، وَ اءَخْلَفَتْنا مَخايِلُ الْجُودِ، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ، وَ الْبَلاغَ لِلْمُلْتَمِسِ، نَدْعُوكَ حِينَ قَنِطَ الْاءَنامُ، وَ مُنِعَ الْغَمامُ، وَ هَلَكَ السَّوامُ، اءَلا تُؤ اخِذَنا بِاءَعْمالِنا، وَ لا تَأْخُذَنا بِذُنُوبِنا، وَ انْشُرْ عَلَيْنا رَحْمَتَكَ بِالسَّحابِ الْمُنْبَعِقِ، وَ الرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ، وَ النَّباتِ الْمُونِقِ، سَحّا وَابِلاً، تُحْيِي بِهِ ما قَدْ ماتَ، وَ تَرُدُّ بِهِ ما قَدْ فاتَ. اللَّهُمَّ سُقْيا مِنْكَ، مُحْيِيَةً، مُرْوِيَةً، تَامَّةً، عَامَّةً، طَيِّبَةً، مُبَارَكَةً، هَنِيئَةً، مَرِيئَةً مَرِيعَةً، زاكِيا نَبْتُها، ثامِرا فَرْعُها، نَاضِرا وَرَقُها، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ، وَ تُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ. اللَّهُمَّ سُقْيا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا، وَ تَجْرِي بِها وِهَادُنَا، وَ يُخْصِبُ بِها جَنَابُنا، وَ تُقْبِلُ بِها ثِمارُنا، وَ تَعِيشُ بِها مَواشِينا، وَ تَنْدَى بِها اءَقَاصِينا، وَ تَسْتَعِينُ بِها ضَواحِينا، مِنْ بَرَكاتِكَ الْواسِعَةِ، وَ عَطاياكَ الْجَزِيلَةِ عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ، وَ وَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ. وَ اءَنْزِلْ عَلَيْنا سَماءً مُخْضِلَةً، مِدْرارا هاطِلَةً، يُدافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ، وَ يَحْفِزُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ، غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا، وَ لا جَهامٍ عَارِضُها، وَ لا قَزَعٍ رَبابُها، وَ لا شَفّانٍ ذِهابُها، حَتّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ، وَ يَحْيا بِبَرَكَتِها الْمُسْنِتُونَ، فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، وَ تَنْشُرُ رَحْمَتَكَ، وَ اءَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ. تَفْسيِرُ ما فِي هذِهِ الْخُطْبَةِ مِنَ الغَريبِ: قال السيد الشريف رضي الله عنه قَوْلُهُ ع : (( انصاحَتْ جِبالُنا )) اءَي تَشَقَّقَّتْ مَنِ الْمُحُولِ، يُقالُ: انصاحَ الثَّوْبَ إ ذَا اءنشَقَّ، وَ يُقالُ اءَيضْا: انصاحَ النَّبْتُ وَصاحَ وَصَوَّحَ، إ ذا جَفَّ وَ يَبِسَ، وَ قَوْلُهُ: (( وَ هامَتْ دَوابُّنا )) اءىٍّْ: عَطِشَتْ، وَ الْهُيامُ الْعَطَشُ، وَ قَوْلُهُ: (( حَدايِيرُ السَّنِينَ )) جَمْعُ حِدْبار، وَ هِىٍَّ النَاقَةُ الَّتِي اءنضاهَا السَّيْرُ، فَشَبَّهَ بِهَا السَّنَةَ التِي فَشا فِيهَا الْجَدْبُ قالَ ذُو الرُمَّةِ:
|