لقد ثُكلت الأمة الإسلامية بفقد قائدها وحامي مسيرتها وهاديها النّبي المصطفى الأكرم(ص)، فضلّت طريقَها، وأناخت برحالها في صحاري الانحراف القاحلة دونَ أن تتزوّد بما يسدُّ جوعَتها (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). فتراجعت عن أداء مهمتها، وتمادت في خذلان أميرها، في تلك الواقعة الأليمة المعروفة التي سجَّلتها ذاكرة التاريخ في سجل أحداثه الأسود؛ إذ الأجواء كانت ملائمة ومناسبة لشيوع الفتن والبدع والانشقاقات، والتراشق بأعمدة أفكار التفرقة والفوضوية، وتصعيد وتيرة العنف واحتواء الأزمة تحت ظلِّ لغة التهديد والتشديد.

وعلى الرّغم من ذلك كلِّه، فإنَّ المآسي لم تقف عند هذا الحد، بل انسحبت تلك المحن المريرة المضنية، وتسربت عبرَ أسلاك التآمر الخفية إلى بيت سيدة نساء العالمين الزهراءI، يومَ أطبق القوم على نكران ما ادّعته من حقّها و... (والجرح لمّا يندمل).

فمنذ ذلك اليوم المشؤوم عُطِّل العمل بالقانون الإلهي على حساب أعظم امرأة عرفتها البشرية، وشُوِّهت صورة المرأة في الإسلام، وأصبحت غرضاً لنزوات الرجل ورغباته، فلا يمكنها أن تتحرّر من سطوته وسلطته، بالرّغم من أن ميزان العدالة الإلهي يقضي باشتراكهما في جميع الحقوق والواجبات، وأن لا فرقَ بينهما إلاّ بالتقوى.

أمَّا كتابنا (الصّديقة الزهراء(س))، فهو محاولة موفقة لمتمرّس حاذق في فن الكتابة والتأليف والتحقيق، وجولة ناجحة اتّسمت ـ كما هي سائر مؤلفاته ـ بالدقة والتّميحص، وتوخّي الحذر والحيطة في سرد مجريات الأحداث وتحليلها. ولكن الذي زاد في تمييز هذا الكتاب عن غيره هو أنَّ كاتبه قد مثّله عملياً (المحنة والمقاومة)، منذ بدايات حياته في وقوفه في مركز دائرة الاضطهاد، وحضوره الميداني المؤثّر في الساحة السياسية؛ إذ كان الرجل الذي قُدّر له أن ينفذ إلى قلب الأمَّة بوضع إصبعه على جرحها الفاغر آخذاً بيد المجتمع لترشيد فطرته وشدّ عزائمه، بتوضيح طريق الخلاص والنجاة والاقتراب من بارئه تعالى. فقد استطاع الشهيد العزيز عِزِّ الدّين سليم ـ رحمه الله ـ أن يختزل الزمن؛ إذ قدّم منذ فترة شبابه أطروحات ومشاريع كبيرة كانت تصبُّ في رافد واحد، وتنصهر في بوتقة المشروع الإسلامي العالمي الموحّد. فمن هنا كانت نقطة انطلاقه وبدايته وإليها انتهت غايته.

فما كان منّا إلاّ أن نقدّمه للقراء الكرام بطبعة جديدة مصحّحة، بعد أن بذلنا ما بوسعنا في تحقيقه, لنميط اللثام عن مواطن اللبس فيه، خصوصاً ما أشرنا إليه في الهامش من تخريج الروايات وإرجاعها إلى مصادرها الرئيسية، وتقويم النص والإخراج الفني وغيرها. ومن الله نستمد العون والتوفيق. 

Back