الامام محمد بن علي الجواد(ع) شاء الله عزّوجلّ أن يوفر لرسالاته السماوية المباركة مقومات التجذّر، والبقاء لتستظل بها أجيال البشر. ومن أهم المقومات الّتي وفرها الله عزّوجلّ لرسالاته، ورسله العظام هو: وضعه نظام «الوصيّة» حيث جعل الله عزّوجلّ لكلّ صاحب رسالة من أنبيائه المرسلين أوصياء يضطلعون بحفظ الرسالة، ويحرصون على ديمومتها وصيانة خطها الإلهي، وهويتها السماوية.. ويربون الناس على قيمها! وتاريخ الرسالات مليء بالشواهد الحيّة لتكريس هذه الظاهرة الحيوية في مسيرة الرسل )عليهم السّلام(... حتى أن بعض الآثار تروي خريطة لمسيرة الرسالة وكأنها حلقات متسلسلة من الوصية من آدم إلى المهدي المصلح الموعود )صلّى الله عليهم أجمعين( ينص فيه المنذر السابق على المصلح اللاّحق... وقد جاءت تلك الآثار لتؤكد النص المقدس الوارد عن رسول الله )ص(: »لكلّ نبي وصي، ووارث، وإن وصيي، ووارثي علي بن أبي طالب«. ويحتل الوصي التاسع لرسول الله )ص( الإمام أبو جعفر محمد بن علي بن موسى المعروف بالجواد عليه السّلام، موقعاً خاصاً بين الأوصياء، فهو لصغر سنّه عند تصديه للإمامة بعد أبيه الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا )ع(، خلق جواً من التساؤل، والدهشة، والتشكيك... إلاّ أنّ النص الجلي بأمامته قطع ألسنة التساؤل، في داخل الإطار الخاص لأتباع أهل البيت )ع(، إلاّ أنه عزز موقعه بما كشفه عن حجب كثير في الحقائق تباعاً على المستوى الفكري، والفقهي مما لم يتسنّ لإنسان في سِنِّهِ إلاّ لمن يحظى بتسديد رباني خاص، كما سيتضح من مناقشاته، وإجاباته العلمية المميزة، وما تركه من تراث علمي مسدد.. إنّ تصدي الإمام أبي جعفر الجواد )ع( للإمامة، وهو في تلك السن المبكرة، بل وحتى إذا افترضنا تصديه في ضعف تلك السن المبكرة لا يمكن أن يفسر تفسيراً طبيعياً، وإنّما لابد من توفره على إمداد ربّاني خاص، اختصّ به أهل هذا البيت المطهّر صلوات الله عليهم أجمعين. |