|
رجل الاعتدال.. عز الدين سليم كما عرفناه د. حامد الظالمي جريدة الزمان، 19/5/2004 في بداية شهر تشرين الأول (اكتوبر) عام 2003 اتصل بي ابن أخيه أزهر وهو شاب يسكن مع عائلته التي أحبها أهل منطقتنا الحكيمية في البصرة، وقال لي الحاج أبو ياسين موجود عندنا في البيت ويريد أن يراك كما أنت تريد أن تراه وموعدكما الساعة التاسعة مساء، ذهبت إلى البيت الذي لا يبعد عن بيتي بضعة مئات من الأمتار فلم أجد في الباب شيئاً يوحى بوجود عضو مجلس الحكم أي لا وجود لسيارات الحماية أو مظاهر التسلح وما إلى ذلك. بعد دخولي إلى البيت جلست مع الحاج أبي ياسين وكأنني أعرفه قديماً، كان رجلاً يعتمر غطاء الرأس وهو ما نسميه في الجنوب (عرقجينة) مع (دشداشة بيضاء بسيطة)، تحدثت معه وبحضور بعض أولاد أخيه الذين أحبهم كل اهل المنطقة لطيبة هذه العائلة المتحدرة من ريف البصرة من عائلة الحجاج المعروفة، كان الحاج أبو ياسين خلوقاً محترماً حتى للصغار، اسلامي العقيدة عراقي الهوي بصري الطيبة، بدأنا بالحديث من الساعة التاسعة مساء وحتى ساعة متأخرة من الليل، كنت قد دونت هذا الحديث في عشرات الأوراق ولكنني اختصرته فيما بعد لنشره في صحيفة (الزمان) العدد 1633 الصادر يوم الأحد 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2003. وهكذا استمرت اللقاءات معه، وفي أحد اللقاءات سألته كيف ترى شكل الحكومة القادمة في العراق وأية حكومة تفضل، فقال أمام الحاضرين في شركة نفط الجنوب كما قال لي سابقاً (إننا يجب أن نقيم دولة الإنسان، دولة تحترم الإنسان بكل كيانه لا تفرق بين البشر وتعظم كل ما هو إنساني ونبيل ثم ليختار الشعب أية حكومة يُريد). هذا الرجل الطيب المعلم والمربي الذي عرفته البصرة بدأ حياته العلمية كاتباً في مجلات عدة باسم مستعار هو (فرج الله منتظر) أي في بداية الستينيات وخاصة في مجلة (التضامن الإسلامية) واسمه الحقيقي هو (عبد الزهراء عثمان). وعندما قلت له أي الاسماء من هذه تفضل أن تكتبه أو تضعه على مؤلفاتك قال (السبب في هذه الاسماء المستعارة هو ملاحقة النظام البائد لي منذ أوائل الستينيات وأني أضع إسمي الحقيقي عبد الزهراء عثمان علي مؤلفاتي الدينية والاسم الآخر (عز الدين سليم) علي مؤلفاتي السياسية)، ثم قلت له: إذا ما أراد أحد تقديم دراسة عن كتابك فكيف يعرفك؟ قال: أنا خريج معهد المعلمين في البصرة سنة 1964. دخلت في تنظيمات حزب الدعوة وعمري لا يتجاوز 16 سنة أي في سنة 1961، وبعد تخرجي من المعهد المذكور وأصلت دراستي للعلوم الدينية معتمداً على نفسي فقرأت الآف الكتب والمقالات في مجالات العلوم والسياسة والتاريخ. طاردني النظام البائد كثيراً فخرجت إلى الكويت أواسط السبعينيات فعملت مع السيد هاشم الموسوي (أبو عقيل) وهو مسؤول حزب الدعوة تنظيم العراق ومع الاستاذ داود العطار وآخرون في مؤسسة (دار التوحيد) في الكويت وكان عملنا في هذه المؤسسة لهدف تربوي ولنشر الثقافة الإسلامية غير المتعصبة لمذهب أو اتجاه، وبعد ضغوطات معينة هناك سافرت إلى إيران سنة 1979 حيث تغير اسم هذه المؤسسة هناك إلي مؤسسة (البلاغ) وهي الآن من أكبر المؤسسات الثقافية والاسلامية، وبعد عودتي إلى العراق أسست مركزاً هو المركز الوطني للدراسات الاجتماعية والتاريخية. انتاج أدبي غزير ألف عز الدين سليم كُتباً عديدة بلغت ثلاثين كتاباً والمطبوع منها عشرين كتاباً، وكان أول كتاب يقوم بتأليفه وهو بعمر 24 سنة وذلك في عام 1967 كان عن السيدة فاطمة الزهراء ع إثر مسابقة دعت لها إحدى المؤسسات الثقافية وفاز كتابه بالجائزة الثانية، نشر مقالاته في مجلات عدة منها: مجلة (التضامن) و(الجهاد) سنة 1980 التي كان يرأس تحريرها، و(البلاغ) الكويتية و (رسالة التقريب) التي كان يرأس تحريرها ويشرف عليها السيد الشهيد محمد باقر الحكيم، وهي صادرة عن المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وأشرف الاستاذ عز الدين سليم علي إعلام المجلس الاعلى المتمثل بالاذاعة والصحيفة لمدة عشر سنوات وكان عضوا في الشورى المركزية للمجلس. يرى عز الدين سليم ان السبيل للتغير السياسي يتم عبر نشر الوعي الثقافي الهادف، وهكذا عمل على ذلك مع جماعته في حزب الدعوة مع الشيخ عارف البصري الذي استشهد علي يد النظام البائد وله علاقة مع تنظيم عبد الصاحب دخيل (أبو عصام) من رجالات الدعوة الاوائل، وفي بداية الثمانينات انتقل المرحوم عز الدين سليم وجماعته من المرحلة التثقيفية إلى المرحلة العسكرية وخاصة بعد تشكيل معسكرين لذلك، الأول معسكر الشهيد محمد باقر الصدر والثاني معسكر الشهيد عارف البصري، ثم انتظم إلى المجلس الأعلى بعد تأسيسه عام 1982 مع قيادات الحركة الإسلامية ولكنه لم يكن يعتقد أن حرب الثمانينات كانت قادرة على اسقاط النظام بل العكس، فتحول في أوائل التسعينيات إلى العمل السياسي واستمر في ذلك وحضر في أغلب مؤتمرات المعارضة العراقية آنذاك كمؤتمر صلاح الدين عام 1922 ومؤتمر لندن عام 2003 واجتماع أربيل، وكان عضواً في المجلس التنفيذي للمؤتمر الوطني العراقي منذ عام 1992 وفي لجنة المتابعة والتنسيق في مؤتمر لندن قبل سقوط النظام. وبعد سقوط النظام البائد دخل عز الدين سليم في تشكيله مجالس الحكم بترشيح من السيد محمد باقر الحكيم (كما سمعت) وبتزكية من الاحزاب السياسية في البصرة، وكان يرى أن مجلس الحكم العراقي هو عمل ضروري كي ياخذ العراقيون زمام المبادرة من قوات التحالف وهو مرحلة أولى لذلك وأن هذا المجلس يعتمد أسلوب الحوار في نقل السلطة، وكان يقول إن سقوط النظام نعمة كبيرة من المفترض ألا تضيع هدراً بالمهاترات والامور غير المهمة والتضارب بيننا. وعندما سألته في يوم ما عن رأيه في الدستور؟ قال: نحن لسنا أول دولة نكتب دستوراً تحت سلطة الاحتلال بل أن اليابان فعلت ذلك والمانيا، وكانت من أفضل الدساتير. وبعد انتهاء الرئاسة الدورية ولوجود مدة متبقية على تسليم السلطة للعراقيين تم انتخابه رئيساً للمجلس خلال شهر آيار (مايو) سنة 2004، وفي هذه الايام عمل على حل الاختلافات السياسية المحلية ولكن الرجل لم يكمل مدة رئاسته، ففي يوم الاثنين 17/5 تم اغتياله على يد مجموعة من المجرمين، وهكذا فهذا الحادث الذي يهز الاعماق كان ضحيته هذا الرجل الذي أحبه الناس لأنه كان داعية لإسلام منفتح بعيد عن التطرف والارهاب وكان يطالب بالتعددية في كل أبعادها. رحمة الله عليك يا حاج ونسأل الله أن يتغمدك برحمته لقد كنت مثالاً للطيبة والتسامح. |