بسم الله الرحمن الرحيم

الانتخابات العراقية نظرة في الخلفيات والنتائج

حينما نتابع الظروف التي أحاطت بالعملية الانتخابية بدءاً من فكرة صياغتها في قانون إدارة الدولة وقرارات الأمم المتحدة ثم ما تبعها على الساحة العراقية من شد وجذب وارخاء أو قبول ورفض – ولا غرابة من أن يناقش أبناء البلد الواحد مصيرهم اتفاقاً أو اختلافاً ولكن العجيب أن قضايانا أصبحت تطرح على موائد دولية وإقليمية وكأنّما نحن تحت حلقات من الوصاية تضيق وتتسع حسب تأثير الدولة على الساحة الإقليمية أو الدولية حتى أن دولاً لا يبلغ حجمها أصغر محافظاتنا بدأت تتدخل بشأننا وتتحدث عن أن الكثير من خيوط العمليات المسلحة بيدها وبإمكانها أيقافها لو أجُلت الانتخابات.

هكذا كانت التدخلات وبحديث علني وسافر ولو أننا نمتلك حساً وطنياً في الحدود الدنيا لأجهشنا بالبكاء على المصير الذي آل إليه بلدنا فمنذُ أن وضع السقف الزمني لإجراء الانتخابات وهو الثلاثين من كانون الثاني 2005 دخلت هذه العملية سوق المزايدات الداخلية والخارجية واضنُ ان الآخرين وجدوا في الجدار الأمني العراقي ثُغرات نفذوا من خلالها إلى جسدنا وإلاّ كم من العمليات الانتخابية تجري في دول العالم لم تكن تمرّ حتى على هامش انتباه حتى الدول المجاورة لهذه البلدان هذا على المستوى الخارجي أما في الداخل فقد انقسم العراقيون بين مؤيدٍ لها وهم الأكثر حتماً ومعارض حسب خلفياتهم السياسية وقناعاتهم الفكرية وبين هاتين الشريحتين مساحة واسعة من الرأي العام الصامت والذي لم يُعطِ رأيه بعد وهو يتحرك وفق ما تمليه عليه الظروف في اليوم المحدد لها.

أن الظروف التي سبقت عملية الانتخابات بقليل جعلت الكثير من الهواجس تسيطر على مشاعر المخلصين من أبناء بلدنا الجريح فالمنظمات الإرهابية وضعت كل إمكاناتها للحيلولة دون إجراء الانتخابات وأنطلقت من مقولتها المعروفة >من لم يكفّر الكافر فهو كافر < مما وضع إنساننا بين مطرقتها وسندان الاحتلال وقد أنعكس ذلك سلباً على الكثير من ثوابت هذا الشعب وجعلها عُرضة للتصدع إن لم يكن هنالك فهمّ واعٍ لخلفيات هذه المنظمات وأهدافها.

إنّ ذلك اليوم الخالد والذي يعتبر من الأيام النادرة التي قال فيها العراقيون كلمتهم بصوتٍ واحد يؤطّره الحزم والتوحّد ونكران الذات بشكلٍ تحّدوا فيه مخططات الكبار والصغار على السواء وخصوصاً بعض المجاورين الذين يستكثرون على شعبنا العيش الكريم والتمتع بخيرات بلدهم والذين يستندون في وصايتهم وتدخلاتهم إلى اعتبارات أوحى بها إليهم أسيادهم كخطوط خلفية للجم أية حركة تحرر لشعبنا من حلقات معقدة تمثلُ تركة ثقيلة لأخطاء النظام السابق وتحالفاته المشبوهة والتي طوّق بلدنا بها.

والآن وبعد أن جرت العملية الانتخابية وتحرك المحايدون في اتجاه دعمها في الأعم الأغلب منهم حريّ بنا أن نقيّم هذه العملية باعتبارها حركة شعبية واسعة أجهضت الكثير من المخططات وأخرست الكثير من الألسن.

إنّ أداء الانتخابات وما سبقها من حرب على إجرائها سواء على صعيد العمليات المسلّحة أو على صعيد الإعلام الذي أرتبط بمحاولات إجهاض قيام تجربة ديمقراطية في العراق يجعل الذهاب إلى صندوق الاقتراع عملية محفوفة بالمخاطر المحتملة وأضنّ أنها لو أُجريت بهذه الظروف والمواصفات في الكثير من دول العالم لكانت نتائجها أقل بكثير من نتائجها على الساحة العراقية ولو بحثنا في خلفيات هذه الحركة التي لم تأتِ من فراغ حتماً أو أنها جاءت اعتباطاً بل استندت على دوافع يمكن أن نوجزُ بعضها بالآتي:

1. اختبار مصداقية ونوايا الآخرين الذين ربطوا انسحابهم العسكري أو التخفيف من تواجدهم بإجراء هذه العملية والتي كانت تصويتاً رائعاً على هذا التواجد.

2. من أهم دوافع هذه الحركة أنها ارتبطت بعوامل دينية واعتبرها الكثير من العلماء واجباً شرعياً ملزماً.

3. اعتبارها باباً لتحقيق تطلعات العراقيين في إقرار حقوقهم القومية والدينية والمذهبية.

4. تسليط الضوء الإعلامي على الانتخابات العراقية في المهجر وما رافقها من إصرار مبعثة الحنين إلى العودة إلى الوطن.

5. ربط عملية إعادة الأعمار بانبثاق حكومة منتخبة لا غبار على شرعيتها حتى تبدد شكوك الآخرين وتحقق مصالحهم.

6. إنها كانت الأمل في قطع الطريق على المجموعات الإرهابية وما تتذرع به من حُجج لإيقاف نزيف الدم العراقي.

7. شغف العراقيين وتشوقهم رجالاً ونساء إلى ممارسة بعيدة عن أعُين الرقباء لأول مرة في حياتهم.

والآن وبعد أن رمى شعبنا بالكرة في ملعب الأحزاب والحركات كما يقال ماذا ينبغي أن يكون رّدُها لهذا الجميل ولهذه التضحيات التي تعوّد شعبنا أن يقدمها بالمجان ليتاجر بها آخرون ويصنعون منها عروشاً يتربعون عليها.

أولاً: يجب ان لا تدفع نشوة الفوز الفائزين إلى إهمال دور اؤلئك الذين شهدت هم الساحة العراقية أجلّ وأسمى المواقف وخصوصاً إبّان فترة النظام السابق وحال موقفهم من الاحتلال دون مشاركتهم في العملية الانتخابية أو أولئك الذين حالت بعض الظروف وخصوصاً الجوانب الإعلامية دون تسليط الأضواء عليهم أثناء الحملة الانتخابية مما قللّ من فرص فوزهم فيها.

ثانياً: على الفائزين أن لا يعتبروا ذلك الفوز استفتاء على صلاحية أطروحاتهم السياسية ومحاولة فرضها على الآخرين.

ثالثاً: أن يثبتوا للشعب العراقي المضحي بأنهم جديرون بثقته وهم بمستوى الأمانة التي أتُمنوا عليها من خلال طرح نماذج حيّة في النزاهة والإخلاص والمحافظة على ممتلكات البلد وموارده.

رابعاً: تجسيد مفهوم الوطنية الحقة بالابتعاد عن استنساخ تجارب الآخرين.

خامساً: كما يجبُ على المجموعات التي اختارت طريق مقاومة الاحتلال الاصطفاف مع خيار الشعب العراقي والذي سيثبت جدواه أن شاء الله في إخراج المحتلين ولكل حادثٍ حديث.

إن مهمة الجمعية الوطنية التي ستنبثق قريباً على ضوء عملية الانتخابات ليست بالسهلة اليسيرة سواء على صعيد الداخل أو الخارج فأمامها أولاً مهمة إعادة تشكيل الدولة برمتها وفرض هيبتها ومحاسبة المتجاوزين على الممتلكات العامة ومراقبة غسيل الأموال وخصوصاً في فترة غياب الدولة الأهمّ من ذلك جدولة عملية خروج المحتلين والذين يمثل وقع أقدامهم الثقيلة منغصاً لحرية هذا الشعب وأستشاق عبيرها.

 المركز الوطني للدراسات الاجتماعية والتاريخية

BAck