البصرة والنفط ... طموحات مشروعة

نجاح محمد علي

خلال الحديث عن إعداد التشكيلة الوزارية الأخيرة برز اسم حزب الفضيلة ليقدم مرشحا يتولى حقيبة وزارة النفط وقيل في هذا الصدد إن بصريا رُشح لها هو الأخ والصديق العزيز عبد الأمير الهاشمي، فرفض ومن حقي أن أُطالب بكشف الأسباب وأقول بألم لماذا؟!!!

ليس دفاعا عن شخص بعينه رغم أنني أثق بحزب الفضيلة واختياراته وأعرف الهاشمي عن قرب واعرف تأريخه المشرف، ولا أريد أبدأ التقليل من الدور الاستثنائي الذي قام به الأخ الفاضل استاذنا الدكتور ابراهيم الجعفري لكي تخرج تشكيلته الحكومية قريبة مما هو منشود، الا أنني أتساءل في ظل العمل بمبدأ المحاصصة والقسمة العدل، لماذا لا يُعتني بالبصرة بالشكل الذي تستحقه وتمنح حقيبة النفط لوزير بصري؟

كان البصريون وتحديداً أسر الشهداء، والمعارضون السابقون، يأملون خيرا في الشهيدين الراحلين عز الدين سليم رئيس مجلس الحكم المنحل، ونائبه طالب قاسم (العامري)، ليعيدا للبصرة مجدها وعزها، ويرفعا عنها الحيف والقهر المتراكم طويلا، وقبل كل شيء ليرفعا عنها >القسمة الضيزى< التي لحقت بها منذ تفجر أول بئر للنفط فيها.

وأنا شخصياً كنتُ أرجو فيهما، أكثر مما يرجوه غيري، خصوصا لجهة تعزيز الوحدة الوطنية والقضاء على الفتن الطائفية، لما أعرفه عن الشهيدين، من اعتدال، وجهد فكري مصحوب بالعمل، للتقريب، ليس بين المذاهب الإسلامية، وإنما للوفاق بين كافة مكونات الشعب العراقي.

وأذكر هنا عندما التقيتُ الراحل عز الدين سليم، في منزله في البصرة، وجلنا معا في جامعتها وذهبنا إلى مثلث الهوير الهارثة المدينة، والاستقبال الكبير الذي حصل عليه (أبو ياسين) أني اقترحتُ عليه & أن يبادر إلى زيارة فضيلة الشيخ يوسف يعقوب الحسان إمام وخطيب جامع البصرة الكبير فماذا قال الشهيد؟..

لقد أخبرني أنه يخطط لهذا الأمر لايجاد تنسيق وتعاون يُحبط ما يفكر به الأعداء، وطلب مني أن أهيئ له الأسباب ففعلت.

وبشكل عام فان أهل البصرة يشكون من أنهم لا يعاملون كمواطنين من الدرجة الأولى، في ظل اغتيالات واعمال استفزازية تستهدف شخصيات منهم، لا يقاع الفتنة الطائفية.

ومنذ اكتشاف النفط العراقي عام 1925 وحتى الآن، يشعر البصريون أنهم في واد وواردات النفط تصب في جيوب أخرى لا يستفيدون منها شيئا، الأمر الذي جعل عددا من المتصدين، يعملون على استغلال هذه الأوضاع لاحداث الفتنة بدعوات تُشم منها رائحة الانفصال..

وتعاني البصرة النفطية من قلة الخدمات البلدية وتلوث البيئة، وتواصل انقطاع التيار الكهربائي وضعف الخدمات الصحية والطبية وشحة الادوية، وشحة الوقود والغاز والنفط وارتفاع الاسعار!!

وإذا كان اختيار رئيس كوردي للعراق، يعني أن الكورد المتهمين بطموحات نحو الاستقلال (ربما يستحقونه) عادوا إلى الوطن الأم، فان تسليم حقيبة النفط إلى بصري متخصص ملتزم، سيضمن بالتأكيد فرملة تطلعات سكان هذا >الاقليم< نحو الفدرالية، التي تعني لدى الكثيرين، الخطوة الأولى على طريق الانفصال.


 

منذ تصاعد الحالة القومية والوطنية، في البلدان المستضعفة في آسيا وافريقيا، وامريكا اللاتينية، بدأت موجة من تجارب الخطأ والصواب في هذه البلدان، من أجل اكتشاف الهوية.

وقد انعكست صراعات النفوذ بين القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية، على البلدان التي تبحث عن هوية، فغرب الناس وشرّقوا، واجتاحت كثيرا من تلك البلدان موجات من عدم الاستقرار والانقلابات، والانقلابات المضادة، وتميّزت انعطافات حادة ومواقف متوترة اشغلت الرأي العام بدرجة ما، كأحداث الكونغو ايام الزعيم اليساري (باتريس لوممبا) في بداية الستينات، الذي اريك الغرب بسبب توجهاته الموالية للشيوعية، والموجة الناصرية التي دوّت في المشرق العربي، منذ اواسط الخمسينات حتى خبت في منتصف الستينات، ومثلها تحركات جيفارا وكاسترو في امريكا الالاتينية، والتحرك القومي الزنجي في افريقيا (كتحركات نكروما)، وغير ذلك من الموجات والتحركات ذات الابعاد الفكرية والسياسية والاجتماعية.

ويلاحظ على جميع هذه التحركات، انها تدعو إلى صياغة نماذج فكرية وسياسية مناسبة لطموحات بلدانها ومواطنيها بغض النظر عن اهداف تلك التحركات الخلفية اساساً.

وماعدا الاحزاب الشيوعية، وبؤر النهوض الإسلامي في آسيا وافريقيا في تلك العقود من الزمان، حيث التوجه الاممي العام، فإن جميع التوجهات الاخرى كانت ذات طابع اقليمي محلي،كموجة القومية في البلدان العربية، والنزعة التركية منذ عهد اتاتورك والايرانية في عهد الشاه، والسلافية في عهد تيتو.

ومن جملة ما يرد في اولويات تلك التوجهات، سواء كانت ذات ابعاد اممية او اقليمية، انها ترمي إلى ما يدعى في مصطلحات اليوم بتشكيل العقل لانسان تلك البلدان، في ضوء الرؤى التي تحملها تلك التوجهات طبعاً، لان تشكيل العقل يشمل منهج التفكير واهدافه المتوخاة في ضوء الرسالة التي يناضل الانسان من اجل تحقيقها في دنيا الواق.. ومهمة التشكيل للعقل، مهمة مركزية في كل نهضة، او نزوع للنهوض، فاذا لم تحدد >ضوابط وأهداف< تبلور نظرة الانسان للاشياء والقضايا من حوله، وكيف ينتج ويفكر ويتخذ القرارات في ضوء اهدافه العليا فان الصفة الهلامية اللاإدارية، هي التي تاخذ بزمام الامور في حركة الانسان الفرد والمجتمع.

وبسبب الشعور بهذه الحاجة، صرنا نقرأ يافطات من قبيل: تشكيل العقل العربي تشكيل العقل.

(*) باحث وكاتب اسلامي من العراق.

الزنجي، تشكيل العقل الهندي، وما إلى ذلك، بينما لا نجد مثل هذه الشعارات في اوروبا، لأن اوروبا تجاوزت هذه المرحلة منذ عشرات السنين ورست سفينتها على الشاطئ الذي اختارته لفنسها، (بغض النظر عن الخطأ والصواب في تلك التجربة).

وإذا كان العقل العربي يتخبط بين اقصى اليمين واقصى الشمال قرن من الزمان تقريباً، بحثا عن >صياغة< او ضوابط يرسو من خلالها على شاطئ، فان العقل القومي الزنجي في افريقيا، يعيش نفس هذه الظاهرة أو اشد منها، حيث تتراوح الحالة في افريقيا السوداء، بين طموحات لو ممبا ونكروما، وتتدنى حتى تصل إلى الحالة العنصرية المقيتة في جنوب افريقيا، او تطلعات القبائل المتصارعة على السلطة في اغلب بلدان افريقيا السوداء.

وتبدو هذه الحالة جلية – مع اختلاف التفصيلات – في مختلف البلدان في القارات الثلاث التي ذكرناها، والتي تنادي بالقومية او الوطنية، على ان النزوع نحو اوروبا في رؤاها وتصوراتها يكاد يكون هو الطابع العام لعموم الطبقات المثقفة في تلك البلدان، الا ان الامم لم تصل بعد إلى مستوى التبعية التامة من الناحية الفكرية! وتتميز بلاد المسلمين

BAck