اثارات..

العراقيون في عيون الآخرين – 12

كتاباته – د. زكي ظاهر الامارة

ليس هنالك من شك ان العراق اصبح قبلة سياسية تجلب انظار العالم بكل ارجاءه لما آلت اليه تداعياته السياسية بفضل حزب العبث وزبانيته الجهلة.

والمتتبع لانعكاسات هذا التفاعل العالمي يرى ويسمع العجب العجاب مما يصدر من ردود افعال واحاسيس من الاخرين حول ما يجري في هذا البلد. وانا هنا اذ احاول تسليط الضوء على بعض النماذج المنتخبة من الشارع العالمي، لا اريد ان ذكر هذه المشاهد بشكل ارشيفي، فمن المعلوم ان الجميع على اطلاع على قرائن كثيرة لها، لكن ما ارجوه هو الانتباه إلى واقعنا العراقي المعاش من خلال هذا التذكير.

ساسرد مشهدين فقط والذين ذكَر اني بمشهد سابق قصَه علينا الاخ الاستاذ عز الدين سليم (عضو مجلس الحكم) ايام كنا في ايران قبل اكثر من خمسة عشر عام.

اما الاول فقد كنت في السيارة قبل يومين استمع إلى برنامج باللغة الانكليزية يتصل اثناء المستمعون بالبرنامج تلفونياً فيبدون آرائهم، وقد تكلمت احدى المستمعات حول الالعاب النارية حيث انها تزاول بكثرة في بريطانيا هذه الايام وهي هنا تسبق عادة فترة اعياد رأس السنة.

اشتكت المستمعة من كثرة استعمال هذه الالعاب التي تشبه في اصواتها المتفرقعات، وكانت تركز على انزعاجها من هذه الاصوات مساءاً بعد الحادية عشرة ليلاً حيث انها تزعج منام الناس.

وهذا كله طبيعي، غير ان ما يهمني هنا ما سمعته منها وهي تحاول ان تشبَه هذه الحالة الغير طبيعية واستنكارها بما يدور في بغداد، لقد قالت وبالحرف الواحد انني اتصور وكأنني اعيش في بغداد، نعم هكذا سمعتها، وهكذا جرى الدمع على خدي لا ارادياً والله وانا اسمع تشبيه بغداد بهذه الحالة، فلم يدر في خلدي ان بغداد ستصبح موضع تشبيه بهذا الشكل.

اما المشهد الثاني فكان ملتقطاً من فضائية ابو ظبي عندما كنت اشاهد مسلسلاً منوّع بعنوان (نقطة ضوء).

عالجت تلك الحلقة موضوعاً غير مألوف في عالم التمثيل بعض الشيء، وهو عملية بيع الدم الانساني للمشافي والمرضى، وبعد تطوّر احداث الحلقة وصل الامر إلى تبني احد رجال الاعمال لفكرة بيع الدم هذه، وباستغلاله لاثنين كانا يتاجران بدمهما، فتح مكتباً لتسويق هذه العملية.

والذي حصل بعد هذا ان تكدست اكياس الدم في البرادات ولم يعد متسع من المكان لحفظ المزيد، عندها جاء الدكتور المسؤول مسرعاً للمكتب ليخبرهم بوجوب ايقاف عملية اخذ الدم من المتقدمين.

غير ان رجل الاعمال حضر في هذه الاثناء ليؤكد لهم ان لا مشكلة هناك وعليهم ان يستمروا في سحب الدم، فقالوا مستغربين وكيف؟! ، فاجابهم انه وقَع عقداً مع العراق لتصدير هذا الدم.

نعم ايها الاخوة ذكر العراق، وما ان ذكر ذلك البلد الحبيب حتى سال دمعي أم دمي لا ادري على خدي مرة اخرى.

هذان المشهدان اعادا ذاكرتي إلى قصة قديمة رواها لنا الاستاذ عز الدين قبل اكثر من خمسة عشر عاماً. ذكر انه كان من بين بعض الاخوة في المعارضة العراقية آنذاك وقد ذهبوا في زيارة إلى  الباكستان، وبينما كان هو يشرح احوال الشعب العراقي والاضطهاد الذي يكابده ابناءه تحت حكم جلاوزة العبث البائد إلى مجموعة من الباكستانيين الذين حضروا تلك الندوة، اخذ اغلبهم يبكي وهو يستمع إلى  مأساتنا، عندها تنبهت انا إلى حقيقة عمق المأساة التي نعانيها وقلت في نفسي هل ان مأساتنا بهذه الشدة التي تجعل الاخرين يجهشون بالبكاء عند سماعها؟ الامر الذي جعل دموعي تنهمر لا ارادياً وبشكل واحساس مختلف هذه المرة.

لا اعتقد ان احداً من العراقيين بقادر على حبس دموعه وهو يطلّع على هذه المشاهد الجماهيرية الثلاث السمعية والبصرية والقصصية الا إذا كان يملك قلباً قاسياً.

وما كانت معاناة العراق هذه الا بسبب اؤلئك القتلة من ازلام صدام اصحاب القلوب القاسية الهمج الذين جعلوها عشائرية يتحكم من خلالها ارذال العوجة وتكريت واشباههم برقاب الاشراف والطيبين من ابناءه. لقد صمموا ان لا يتركوا هذا البلد يهدأ ما ان حرموا من لذاتهم وفسادهم وامتصاصهم لدماء العراقيين المستضعفين، وما بقي على العراقيين الا ان يوقفوا هذا التداعي وينهوا ويلات هذا الشعب ولا يتركوا هؤلاء القتلة يمضون في تحقيق مقولة سيدهم المجرم الزنيم صدام (بان من يريد العراق لابد ان يستلمه ارضاً بدون بشر).

لقد حان وقت اتحاد كل الجهود العراقية الخيرة للقضاء على هؤلاء الشواذ وينهوا ليل العراق، لنبدأ حياة جديدة مليئة بالامل والخير والحب والتعاون في سبيل بناء عراق مشرق، وحياة بلا دموع.

BAck