Untitled-1

واقعية هذا الدين

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وآله الطيبين الطاهرين.. وبعد:

فن نافل القول أن نمهد لحديثنا حول واقعية الرسالة الإسلامية بذكر حقيقة كون الإسلام رسالة تستوعب دنيا الإنسان، وتلبي كل حاجاته، وتنفتح على كل ما يمس واقعه من بعيد أو قريبن وتحقق كل تطلعاته، وتسجيب لكل ميوله، وأشواقه الفطرية يجسد يجسد هذه الحقيقة، أمران:

استيعاب أحكام الإسلام للمجالات المتعددة لحياة الإنسان كما يتجلى من خلال الموسوعات الفقهية الإسلامية التي استنبطها على الشريعة قديماً وحديثاً، والتي تتناول مختلف شؤون الناس دقيقها وجليلها.

تأكيد نصوص الشريعة الصحيحة ذاتها على استيعاب الإسلام لكل مشاكل الانسان وامتداده لكل الحقول التي يعيشها ، والطموحات التي يهدف الانسان إلى تحقيقها.. فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب $عليه السلام يقول:

وما المخرج منها؟ قال:

كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل           ليس بالهزل .. هو الذي من رتكه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الاهواء ، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلف عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن اذ سمعته أن قالوا: انا سمعنا قرآنا عجباً.. ، وهو الذيب من قال به صدق، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر، ومن دعا اليه هدي إلى صراط مستقيم)([1])

ومن حديث للإمام علي $ يصف فيه رسول الله @ وآله والقرآن الكريم جاء فيه:

}.. ذلك القرآن، فاستنطقوه، ولى ينطق، ولكن أخبركم عنه، ألا إن فيه ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم{([2]).

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق $ قال متحدثاً حول طابع المشمول في الشريعة الإسلامية:

}.. فيها كل حلال، وحرام، وكل شيء يحتاج الناس إلية حتى الارش في الخدش{([3]).

على ان صفة الشمول التي تتميز بها شريعة الله عز وجل لا تعني ان من مهام هذه الشريعة أن تحدد المصطلحات اللغوية، والعلمية، والفنية التي تتطلبها دنيا الناس غالباً، فأن المصطلحات مهما كان نوعها ليس مما ينبغي على الشريعة أن تحددها شأنها في ذلك شأن أي مذهب أو رسالة اجتماعية.

ضمن غير المشكوك فيه أبداً أن المهام الأساسية التي تناط بالرسالة إنما هي وضع الأطروحة ـ أية أطروحة ـ اجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية أو سواها، تاركة الباب مفتوحاً ـ بعد ذلك ـ للغة ، والعلم، وفنّ التعريف ليحدد المصطلحات.

وبسبب ما شهدته التجربة الإنسانية المعاصرة من تحولات سريعة ومتشعبة ، في المجالات الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية، والعلمية، والفنية وغيرها.

فأن تلك التحولات العديدة، والمستجدات قد طرحت في دنيا الثقافة المعاصرة قاموساً واسعاً في المصطلحات في شتى جوانب الحياة، وبحجم التحولات والتجارب والآراء التي أفرزتها تجربة الإنسان المعاصر وجهوده والمصطلحات المطروحة في قاموس الثقافة المعاصرة تنشطر إلى نوعين:

أولاً: مصطلحات ذات صبغة حضارية خاصة، كالاشتراكية، والديمقراطية والحادية الجدلية مثلاًن وهي أسماء لمسميات محددة، فالاشتراكية نظام خاص لتوزيع الثروة! والمادية الجدلية مصطلح فلسفي خاص! على ان من الجدير ذكره هنا أن بعض المصطلحات حتى إذا أطلقت على تجارب متعددة فأنها تشترك في الخط العام للمنحى والاتجاه ، ويجمعها قاسم مشترك! فالاشتراكية ـ مثلاً ـ وان تعددت أسماؤها : كالاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، والاشتراكية العربية وغيرها، فأنها تقوم جميعها على اعتبار الملكية العامة أساساً للنشاط الاقتصادي في دنيا الناس، وعلى أساس ذلك المحور تقوم التشريعات، وتحدد القوانين.

هذا إذا كان المتبنّون لها أصحاب مبادئ يعملون على تطبيقها، أما إذا كانت المسألة من أجل الاستهلاك المحلي، ومن أجل مسايرة الموظة أو العمل على ترقيع واقعهم الرأسمالي، فان حديثنا لا يضيهم بحال!!

والمهم في الأمر أن الإسلام يرفض هذا النوع من المصطلحات كما يرفض مفاهيمها لتناقضها الأساسي مع رسالة الله تعالى ، ومفاهيمها.

ثانياً: مصطلحات ذات طابع حيادي يمنحها إمكانية الاستعمال من قبل مدارس فكرية متعددة، وهذا اللون من المصطلحات وان نشأ أساساً بفعل حضاري معين لكنها احتفظت بروح مرنة قابلة للتداول من قبل تجارب أو مذاهب أو رسالات مختلفة كمصطلح : العدالة الاجتماعية، والواقعية وغيرها.

وموقفنا من هذا اللون من المصطلحات إنما يقتضي الدقة، والتحديد الموضوعي لكي لا تنزلق باتجاه المفاهيم، والأفكار التي أدرجت تحتها من قبل مذاهب فكرية أخرى!

فالشريعة الإسلامية لا تمنع ابتداء من استعمال مصطلحات من هذا القبيل لكنها تشترط أن يراعى في تداولها من قبل المسلم المعاصر روح الشريعة وأبعادها، ومفاهيمها.

فالعدالة الاجتماعية لفظ حيادي يستخدمه المذهب الرأسمالي، والمذاهب الاشتراكية ، والشريعة الإسلامية، ميدان اشتراك الجميع في استعمال المصطلح لا يعني بحال أنها متماثلة في المدلول ، فأنَّ لشريعة الله تعالى، وجهتها في العدالة الاجتماعية، وللرأسمالية مفاهيمها، واتجاهها ، كما للاشتراكية أفكارها وقناعاتها الخاصة في الأمر.

ومصطلح الواقعية يندرج تحت هذا المفهوم هو الآخر، فهو قطعاً لم يرد في الأدوات التعبيرية التي استخدمتها الرسالة الإسلامية لا في القرآن الكريم، ولا في سنة المعصومين # ، إذْ أن الرسالة الإسلامية لم تُعنَ ت وهي بصدد طرح مفاهيمها ، وتصوراتها للكون، والحياة، والإنسان والمجتمع ـ بوضع هذا المصطلح أو ذاك، غير ان روح الرسالة لا تحول دون استعمال هذا اللفظ أو غيره من الألفاظ المرنة غير المتقولبة بقالب حضاري معين، فأنت ترى أن مصطلح الواقعية تستخدمه المذاهب الفلسفية المعاصرة ، وكثير من المذاهب الأدبية، والفنية الحديثة على ما بينها من اختلا فحاد في المنطلقات الأساسية، والتفاصيل، الأمر الذي يدل على مرونة اللفظ، وحياده.

ومن هنا ، فلا مانع من استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى حقيقة جوهرية في الرسالة الإسلامية فكراً وشريعة ، سنتحدث عنها ـ كما استخدمنا مصطلح العدالة الاجتماعية ([4])، شريطة أن نحرص على استخدامه بحذر شديد خشية الوقوع في خطأ أو التباس ، أي نأخذ المصطلح مجرداً عن أفكاره وخلفياته..).

بقي علينا أن نهدد ماذا تعني واقعية الرسالة الإسلامية على وجه الدقة فنقول:

أنها تعني : (اخذ الإنسان على طبيعته، واعتراف الإسلام، وتعامله مع كل طاقاته، وميوله الفطرية، وأشواقه المادية، والروحية التي جبل عليها دون العمل بأي شكل من الأشكال على تنمية جانبت على حساب جانب آخر، فالإسلام يتناول الإنسان من جميع أقطاره:جسداً، وروحاً، عقلاً، وعاطفة ، فرداً، وعضواً في مجتمع مع الأخذ بنظر الاعتبار وحالات الضعف الإنساني،والفروق الفردية بين الناس)

على أن التعريف عادة لا يفي ـ وحده ـ بالغرض المطلوب ما لم يدعم بالحقائق، والوقائع، والشواهد التي تبرر المفاهيم التي حملها التعريف، الأمر الذي يفرض بالضرورة طرح العديد من الأفكار، والمفاهيم والمواقف التي تتبناها الرسالة الإسلامية المباركة، وهي تحدد للإنسان، وجهته ، ومساره ومساحة تحركه في هذا الوجود، وتعين له شوطه، وأهدافه، وماله، وما عليه.. ومن اليسير أن تطالعك واقعية الإسلام جلية صريحة عبر الحقائق التالية:


 

1-    الإنسان في المفهوم الإسلامي

تقوم النظرة الإسلامية للإنسان على أساس أن هذا الكائن يتألف من قبضة من تراب، ونفخة من روح قال تعالى:

} إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي{ وهي نظرة دقيقة تجسد بشكل جلي حقيقة هذا الكائن الذي يتألف من مزيج مادي ـ روحي ، يتجلى العنصر الأول في جوعات هذا الإنسان، وحاجاته للطعام والشراب، والجنس ، والتملك وغيرها من ضرورات، ويتجلى الجانب الروحي في الإنسان في أشواقه العليا، وحاجته للتدين والتقديس لقوة أو شيء يعتقد أنه مصدر وجوده أو خيره، وشره، الأمر الذي تعبر عنه أدق تعبير حالة التوجه، والعبادة بأشكالها المتنوعة التي مارسها الإنسان عبر تاريخه الطويل، حيث تراوحت العبادة خلال التاريخ البشري بين عبادة النجوم، والشمس، والقمر، والماء ، والنار، والحجارة، وتقديس الأبطال، وعبادة الله الواحد الأحد سبحانه عز وجل، ولا نريد هنا تقييم أنواع العبادة، ومذاهبها الكثيرة، فنحن بصدد الإشارة إلى الأشواق الروحية التي جبل عليها الإنسان.

والإسلام الحنيف حين يقدم تصوره هذا للإنسان ، فإنما يقدمه لا من زاوية التصور النظري، وإنما يأتي طرحه في إطار يقيني مطلق بالنظر لصدوره من خالق الإنسان ومبدعه جلَّ ، وعلا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إضافة إلى أن التصور الإسلامي هذا يحظى اليوم بالتأييد من أحدث البحوث، والدراسات للإنسان، ومقوماته، والقوى والطاقات التي يتمتع بها!

وعلى ضوء هذه النظرة الإسلامية الكاشفة لحقيقة هذا الكائن طرحت الشريعة الإسلامية المباركة الكيفية التي ينبغي تبنيها لإشباع المزيج من الضرورات المادية القاهرة، واشراقة الروح الخالصة التي جبل عليها الإنسان من خلال الاعتراف بكليهما معاً دون تفريط بجانب لصالح الآخر، ولا اغراق في تنمية هذا على حساب ذلك..

وبناء على ذلك جاء التصور الإسلامي للمنهج الذي ينبغي أن ينتهجه الإنسان إزاء متطلبات جسده ، وروحه معاً:

فلا رهبانية تكبت متطلبات الجسد، وتتنكر لها من أجل تنمية الناحية الروحية فحسب.. قال رسول الله @:

(لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية ، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة: أصوم، وأصلي، وألمس أهلي، فمن أحب فطرتي فليستنَّ بسنتي) ([5]).

ولا تهالك على المتاع الدنيوي على حساب الأشواق الروحية قال تعالى: } أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {

} يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِالله الْغَرُورُ {([6]) وها هو المصطفى @ يذم المتهالكين على حطام الدنيا الذين اتخذوا منها هدفاً يسعون إليه متناسين دار البقاء، والرضوان فيقول @: (مالي أرى حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس حتى كأنَّ الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب، وكأنَّ الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب..) ([7])

ويعرض الإمام علي $ نفس المفهوم، فيقول:

( يا أيها الناس متاع الدنيا حطام موبئ، فتجنبوا مرعاه، قُلعتها أحظى من طمأنينتها، وبُلغَتها أزكى من ثروتها) ([8])

اذن فلا رهبانية متقشفة مدبرة عن الحياة الدنيا، ولا تهالك مجنون  على اللذة، والمتاع، بل هو أسلوب الموازنة العادلة في اشباع حاجات الإنسان، وضروراته،وأشواقه جميعها، قال تعالى مسلطاً الضوء على هذه الوجهة الرشيدة المعطاء:

}وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ {([9]) .. وقال تعالى:

}قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ{([10]).

وقال رسول الله @ شارحاً هذا الاتجاه الإسلامي وأسلوب الرسالة الواقعي في تحقيق الموازنة الكاملة بين ضرورات الحياة الإنسانية:

(ان لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا، وافطروا، وقوموا، وناموا، فأنّي أقو، وانام، واصوم، وأفطر، وآكل اللحم، والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي، فليس مني([11])).

والى نفس المفهوم يشير أمير المؤمنين علي بن ابي طالب $ بقوله: (للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يَرِمُّ بها معاشة، وساعة يخلي بين نفسه، وبين لذتها، فيما يحل، ويجمل([12])).

وبناء على ذلك فمن المناسب أن نذكر هنا بوضوح ان الخطب والمواعظ التي طفحت بالهجوم على الدنياوز خرفها في نهج البلاغة، كأن الإمام علي $ يهدف من خلالها إلى أمرين:

أ – أن محور الهجوم في خطب الإمام $ ومفاهيمه كان اتخاذ الدين هدفاً من قبل قطاع من الناس رغم كونها وسيلة وهدفاً للآخرة .

ب- يهدف الإمام القائد $ إلى تبيان قيمة الدنيا وحقيقتها ازاء الآخرة ونعيمها واعادة بناء الأمة بناء يتسم بالتوجه للنعيم الباقي في الآخرة الذين كان سر نجاح المسلمين وتألقهم في عهد النبي الكريم @ حيث التزموا هذا الخط الأصيل .

وفي كتاب الله العزيز، والسنة المطهرة الكثير من النصوص التي تحمل هذا المفهوم، ولعل رسالة الحقوق التي أملاها الإمام السجاد علي بن الحسين $ من أكثر النصوص الشريفة شمولاً لمبدأ الموازنة بين مطالب الحياة الإنسانية جمعاء حيث تطرق الإمام $ للكثير من التفاصيل طارحاً أبعاد:

علاقة الإنسان بربه الأعلى عز وجل، وما ينبغي أن تكون عليه.

وعلاقة الإنسان مع نفسه بأبعادها المختلفة، وأسرته، ومجتمعه، لمؤسساته المتعددة ([13]).

بيد أن مبدا التوازن الذي يتبناه الإسلام في مواجهة متطلبات الإنسان لا يحول دون حض الإسلام لأتباعه على الأنطلاق، والترفع على قيود الضرورة المادية.

فالإسلام بحكم واقعيته قد أولى الحياة الدنيا نصيباً وافراً من الأهتمام ، فلأجل ان يتمتع الإنسان المسلم بحياة دنيوية يسودها الرفاه، والسعادة والفضيلة والسلام عمل الإسلام على معالجة كل قضايا الإنسان الحياتية:

فوضع نظاماً مالياً شاملاً لكل المسائل المالية ككيفية كسب المال ، ووجوه صرف’، وحدد موقف المسلم من ثروات هذا الوجود الرحيب، وغير ذلك.

وعالج مسألة الحكم، فحدد شروط الحاكم العادل، وعلاقته بالأمة، وواجباته الرسالية في القيادة، والتوجه.

ووضع تصوره عن علاقة الإنسان، بأخيه الإنسان في اطار العقيدة الإسلامية.

أو في حالة الإختلاف في الدين، وغير ذلك.

ورسم تخطيطه لعلاقة المجتمع المسلم مع المجتمعات الأخرى التي يتعايش معها.

وحدد أنواع الطعام، والشراب التي يجوز للإنسان المسلم تعاطيها وهكذا كان تخطيط الإسلام لشؤون الإنسان الدنيوية شاملاً، وحكيماً، على أن الإسلام من جانب آخر لا يألوا جهداً في رفع المستوى الروحي للإنسان، ودفعه باستمرار نحو السمو، وعلى التطلع نحو عالم أرحب: عالم الآخرة.

على أن هذا الدفع بأهمية الشوط الثاني من حياته (الآخرة) حيث النعيم الأبدي، ورضوان الله الأكبر الذي أعد للمتقين.

وكتاب الله العزيز مليء بهذا اللون من التوجيه المعبر الموقظ، فهلمَّ نتلو هذه الآيات الكريمة لتتجلى لنا طريقة الإسلام الحنيف في اعداد المسلم، وتوجيهه نحو الرفعة، والسمو:

}زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالله عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ{([14]).

} قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى {([15]).

} وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{([16]).

واذا كان تبني الإسلام لمبدأ تحقيق التاوازن بين أطراف الحاجات الإنسانية جميعاً: الروحية منها والمادية يجسد النظرة الواقعية التي يختطها الإسلام الحنيف من أجل اسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة، فان اشعار المسلم بأهمية الشوط الثاني من حياته، وضرورة الترفع على لذات النفس، والإرتفاع رويداً، رويداً في سلم التقوى، والتوجه نحو الله عز وجل ذلك الذيس يعني: الاهتمام بالناحية الروحية بشكل أرحب، وأعمق... أقول إن اشعار المسلم بأهمية الأمر الأخير، وحثه باستمرار على انتهاجه، لا يعني بحال أن ينزع المسلم نفسه من الأرض، ويولي دبره للدنيا، وما فيها، وإنما يعطي الآخرة نصيبها الذي تستحق بالنظر كما تحتله من مساحة من حياة الإنسان المديدة!

ومن هنا فأن الحث على التوجه نحو الحياة الأخرى، وشد المسلم اليها لا يخرج النظرة الإسلامية عن المنهج الواقعي المتبنى،بل هو منها في الصميم، لأن الإسلام، بهذا التوجه يتعامل مع واقع سيصير اليه الإنسان، ثم هو بعد ذلك لا يشاء عزل الإنسان عن معترك الحياة الدنيا، وضروراتها، بقدر ما يحبب اليه الزهد في لذاتها الرخيصة، والتوجه كما هو أرفع منها.

على ان من الجدير ذكره أن الترفع على الضرورات >الزهد< ليس خطاً الزامياً في شريعة الإسلام بقدر ما هو محبب لمن يشاء انتهاجه من المؤمنين طلباً للزلفى ـ وتسامياً على الشهوات.

بقي علينا أن نتعرف على الكيفية التي عامل بها الإسلام الحنيف خصائص الكائن الإنساني كلاً على حده، وان كنا مضطرين اضطراراً إلى هذا اللون من التقسيم، اذ أن الكيان الإنساني، بجميع أطرافه وحدة متكاملة مترابطة العناصر، متفاعلة الأجزاء لا ينفصل فيها جسم عن عقل، ولا أي منهما عن الروح:


 

الجانب الروحي من الإنسان كيف يتعامل معه الإسلام؟

تمشياً مع النهج الواقعي الذي يتعامل الإسلام من خلاله مع الإنسان من حيث قواه، وميوله، واشواقه، سلك الشرع الإسلامي طريقة اشباع الأشواق الروحية التي جبل عليها الكائن الإنساني بسبل قويمة تقوم على:

انتهاج أفضل السبل، وأضمنها لتلبية مطالب الروح.

التزام أسلوب الموازنة بينها، وبين المطالب المادية.

وعلى ضوء هذه المنطلقات أشاد الإسلام صرح منهاجه في تربية الجانب الروحي من الإنسان، والإستجابة لندائه.

ولقد جاء المنهج الإسلامي المتبنى في تغذية المطالب الروحية شاملاً شمول المطالب الإنسانية، واسعاً اتساع حاجات الإنسان!

فلئن كانت الصلوات والصيام، والذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن الكريم، وسواها من أعمال عبادية مضخات كبيرة ثرة تمد الإنسان بالطاقة الروحية الهائلة، وتشده إلى الله سبحانه وتعالى، فأنها ليست نهاية المطاف في عبادات الإسلام ـ التي تمثل الغذاء الروحي للإنسان ـ فالإسلام يعطي العبادة مفهوماً يشمل الحياة كلها، فكل عمل يعمله الإنسان استجابة لأمر الله، فهو عبادة، وكل عمل يتركه الإنسان تقرباً إلى الله عز وجل، فهو عبادة، وكل سبيل يسلكه المسلم، وقد حبب الله ارتياده فهو عبادة.

هكذا تكون العبادة في منطق الإسلام شاملة بحيث تجعل من المسلم عابداً أينما كان: في محرابه، أو في متجره ، أو في عيادته، أو قاعة الدرس أو ساحة القتال، أو غير ذلك.. انها الصلة الدائمة بين العبد، وربه ، واستشعار وجوده في كل حال.

ورغم ان الصلاة، والصيام، والذكر، والدعاء، وتلاوة الكتاب العزيز محطات كبرى لضخ الطاقة الروحية في كيان الإنسان المؤمن، فأن هناك محطات أخرى لا تقل أهمية عنها من قبيل:

التطلع الدائم إلى الله تعالى، في السماء، والأرض، في الإنسان، والحيوان في النبات والجماد وفي كل دقيق، وجليل.

المراقبة الدائمة لله تعالى، واستشعار مخافته، والشعور بوجوده في كل عمل، وكل فكرة، وكل نشاط.

التوكل على الله تعالى في كل أمر، وشأن في شؤون الحياة

اللجوء إلى الله، والتسليم اليه تعالى.

الخشوع، والتقوى، والعمل الصالح من أجل الله تعالى...

وغير ذلك من ألوان العبادة لله تعالى التي يتبناها الإسلام كوسائل لتنمية الناحية الروحية، والإستجابة لندائها الملح، وما أعظم كتاب الله العزيز، وهو يستعرض تلك الصور المعبرة الدالة على الله تعالى، والدافعة لعبادته عن خلال آياته البينات:

}وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالله عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ ([17]).

}وَالله خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {

 

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ {([18]).

هذا نموذج قرآني من نماذج توجيه الإنسان المسلم نحو التطلع إلى الله تعالى من خلال التفكر في آياته المنبثّة في هذا الوجود الرحيب.

ومن صور الحث على مراقبة الله، والشعور بوجوده في كل آن ما ورد في قوله تعالى:

}أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{([19]).

}عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ{([20])

} قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ {.

} إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ {

}مَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ{

وآيات الحث على التوكل على الله تعالى، واللجوء اليه، واستشعار مخافته كثيرة يزخر بها كتاب الله العزيز.

وهكذا قدم الإسلام الحنيف من خلال شريعته من وسائل التعلّق بالله تعالى، وأدوات الأنشداد اليه تعالى، وطرق الإرتباط الروحي الوثيق بين المسلم، وربه الأعلى الشيء الكثير، الأمر الذي وفر من خلاله اشباعاً حقيقياً لحاجات الروح، وأشواقها دون أن يطرح عباداته في اطار روحي محض منقطع عن شؤون الحياة الأخرى، وإنما يلتزم خط الامتداد إلى شؤون الإنسان الأخرى، ومطالبه، وطموحاته.

فالتقوى، واستشعار مخافة الله عز وجل، لاتقف عند حدود الخوف من عذاب الله تعالى مثلاً، ورجاء مثوبته، ورضوانه، وإنما تتحول إلى مواقف عملية كلها تصطبغ بصبغة تقوى الله عز وجل.

فالتقوى ترافق الإنسان في علاقاته مع الناس، وفي نشاطاته الاقتصادية وفي نشاطاته داخل الأسرة، وفي الشارع ، والمعمل، والمدرسة، والحقل، وكل شأن من شؤون الحياة.

والتقوى عند المؤمن تمتلك إرادة القبول والرفض، وتحدد طبيعة المواقف التي يتخذها المؤمن عبر مسيرته في الحياة.. ، والصلاة نفسها باعتبارها عملاً عبادياً أساسياً شكلاً ومضموناً ، لا تسبح في اطار لا يرتبط بشؤون الإنسان الآخرى، فالصلاة في الإسلام عملية يشترك فيها الجسد والروح، والقلب، والعقل معاً:

الجسد بحركاته، قيامه ، وقعوده.

والعقل بتأملاته، وادراك القصد من الصلاة.

والقلب بتفويض عواطف الحب لله سبحانه وتعالى.

والروح بالأنشداد، والتوجه والأستمداد من الله جل أسمه، ومن ثم تنعكس الصلاة الحقيقية في دنيا الناس بعداً عن الفحشاء والمنكر، وارشاداً للسبيل الأقوم الموصل إلى الله تعالى، والى السعادة في الدنيا والآخرة، وفي كل عبادة من عبادات الإسلام الكبرى يتجلى التوازن، والربط بين اشراقة الروح، ومطالب الحياة الأخرى.

وهنا تتجلى العلامة الفارقة بين شريعة الله الخاتمة، والنصرانية الحالية التي تعطي للعبادة لوناً باهتاً  محصوراً في اطار طقوس كنيسة خاوية لا تستجيب لطموحات الروح، ولا تروي ظمأها، لا تشبع جوعتها!، اضافة إلى أن النصرانية المعاصرة تعطي للعبادة مفهوماً ضيقاًَ لا تتعدى اطار الطقوس التي يؤديها النصارى في ايام الآحاد.

وبناء على ذلك يكون اتباع الكنسية قد اختطوا اليوم منهجاً غريباً يقضي >بتقسيم الحقوق< بين الإنسان وبين الله تعالى ، فلله يصلون في الكنيسة ويقرؤون الأناجيل مثلاً، بينما يمكنّون الإنسان من رسم طريقه في الحياة وفقاً لمشيئة،فيشرع حسب مقتضيات مصالحه، ويقنن وفقاً لما تملي عليه رغباته، واهواؤه.

وقد كشف القرآن الكريم عن خطأ القصور النصراني، الكنيسي، وأنحى بالائمة على النصارى الذين حصروا عبادة الله في زاوية محدودة، في حين أعطوا منظريهم وقادة الرأي فيهم حق التشريع، والتقنين قال تعالى:

}اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{([21])

ولقد أوضح الإمام جعفر بن محمد الصادق $ المفهوم الذي طرحته الآية الكريمة الآنفة الذكر حيث قال $.

>أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً، وحرموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون<([22]).

غير ان انسان الإسلام ليس له أن يرسم شوطه في الحياة، ولا أن يشرع لنفسه، ويقنن، ولا أن يحدد مسيرة قافلة الحضارة والتاريخ، وإنما يلتمس كل ذلك من الله تعالى، فالله هو الخالق، والله هو المدبر لشؤون البشر وحياتهم .

} أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ{([23])

} إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ {([24]).

والمسلم في المنطق الإسلامي عابد يتلقى ما يأمره ربه تعالى بالتسليم، والطاعة فليس له أن يخالف منهج الله، وليس له أن يشرع قبال شرعه الكريم:

}وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا{([25])

على أن المشرع الأعلى عز وجل قد ضمن للإنسان من جانبه تلبية شريعته الغراء لكل متطلبات الإنسان، وطموحاته، ومستجيبة لكل حاجاته الفطرية، ومشاكله المستجدة لتضمن الشريعة الإلهية للمسلم من خلال ذلك ـ عدم اللجوء لسد الحاجة التشريعية التي يواجهها عبر مسيرته التاريخية إلى تجارب حضارية أخرى، أو من خلال اللجوء إلى >التقنين الذاتي< ، وهذا الموقف من الرسالة ـ موقف التغطية لكل حاجات الإنسان ـ موقف واقعي بالصميم، فقد علم الله سبحانه وتعالى ان حياة الإنسان من شأنها التحول، والتغيير، والتطور.

ومن هنا ضمنت شريعته سبحانه الأستجابة لواقع التحول، والتغيير في حياة الإنسان، دون أي انحراف عن الله تعالى أو العدول إلى سواه.


 

المتطلبات الجسدية وهذا الدين

وبقدر ما تجلت واقعية الرسالة الإسلامية في تبلبية نداء العنصر الروحي لدى الإنسان، فإنها تفرض وجودها كذلك في الاستجابة للنزعات، والميول المادية عند الإنسان، ولكنها استجابة محكومة بقاعدة تحقيق التوازن بين المطالب المادية والروحية التي جبل عليها البشر.

وتمشياً مع خط الإسلام في تبني الواقعية خلال تناوله للإنسان، وتعامله مع حاجاته، وطموحاته ، فقد أولت الشريعة المباركة النزعات المادية لدى الإنسان حظها المناسب من الإهتمام، والعناية، وهذه بعض مظاهرها.

أولاً: اعترف الإسلام بغريزة حب التملك التي جبل عليها الإنسان قال تعالى: } وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ {([26]) } وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا {([27])

ورسم حدود اشباعها، وطبيعته، ومراميه قال تعالى: } لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ

ِّمَّما اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ {([28])

} فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ {([29])

على أن الشريعة الإسلامية لم تدعُ إلى الاستغراق في جمع المال بلا ضوابط أو حدود، وانما قضت بفرض القيود المناسبة للحيلولة دون النمو الاقتصادي السرطاني في المجتمع الإسلامي.

وقد سلكت الشريعة لتحقيق ذلك الهدف طريقاً ذات خطين متوازين:

أ – حظر منابع التحول اللامشروع، وسد منافذ التكسب من خلالها كالأتجار بالخمر، والتعامل بالربا، والقمار، والغش، والشعبذة، وأمثالها من وسائل مما تستفيض الكتب الفقهية بالحديث عنها ([30]).

ب – فرض الضرائب المالية: كضريبة الزكاة والخمس أو الضرائب التصاعدية كضريبة الجهاد مثلاً.

واذ يعترف الإسلام الحنيف بالملكية الخاصة المشروطة للأموال يعترف من جانب آخر بالملكية العامة لتمكين المجتمع بأجهزته المختلفة والدولة واحدة منها ـ من تأدية واجباته تجاه الأفراد، والجماعات، ولأداء المهام الحضارية، وتوفير مبررات النهضة الإسلامية الشاملة.

ولم يقف الإسلام عند هذه الحدود في معالجة المسألة الأقتصادية في حياة الإنسان ، فهو يعلم أن اعترافه بالملكية الخاصة، واباحته التملك للأفراد، وتوجيه التملك ، وتحديد حجمه ، وابعاده، ومنابعه ليس الحل الشامل للمسألة المذكورة، فهناك الحاجة للمال التي تتعرض لها قطاعات من المجتمع بسبب طبيعة العمل الذي يعجز عن سد الحاجة، أو بسبب المرض والشيخوخة أو او اليتم أو عدم توفر العمل لطالبه، أو بسبب الظروف الطبيعية التي تضر بالحاصل أحياناً لا بالنسبة للمزارعين<.

فلهذه الأسباب وغيرها تتعرض قطاعات اجتماعية ـ تتسع أو تضيق لحالة من الحرمان التام أو الحاجة لسد كثير من نفقاتها.

والإسلام مدرك لخطورة هذه الظاهرة على الإنسان من ناحية الاستقرار النفسي والإلتزامي، ومن ناحية موقفه من المجتمع، فالإسلام يعلم ان الإنسان المحروم الجائع المستغل المسحوق يخشى عليه من الانهيار دوماً الروحي والاخلاقي او كان الفقر أن يكون بعض وليس الاّ ما ندر وان اساليب الوعظ، وما فيها من وعد ووعيد عاجزة عن أن تسد حاجته للطعام، أو تمنع ثورته على مسغلبه ، أو تمنع كفره بالواقع الذي يسحقه ويتنكر لإنسانيته.

وبناء على إدراك الإسلام العميق لأهمية علاج المسألة الاقتصادية في حياة الإنسان، وما يتركه الفقر، والحرمان من آثار سيئة عميقة في الواقع الاجتماعي، فقد أعلى رفضه الصريح للفقر، وحذر من مخاطره، فالإمام علي بن أبي طالب $ يخاطب أحد أبنائه موضحاً له مخاطر الفقر، وآثاره السيئة.

يابني : إني أخاف عليك الفقر، فاستعذ بالله منه، فأنَّ الفقر منقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت <([31]).

ويقول $: > ألا وإنَّ من البلاء الفاقة، واشد من الفاقة مرض البدن، واشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وان من النعم سعة المال، وافضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب<([32]). وكان الإمام علي $ يبالغ في دعاء ربه الأعلى عز وجل أن يوسع عليه رزقه حتى لا يضطر إلى سؤال أحد من الناس، وأن يحفظه من ذل السؤال:

>اللهم صن وجهي باليسار، ولا تبذل جاهي بالأفتار، فأسترزق طالبي رزقك، واستعطف شرار خلقك، وابتلي بحمد من أعطاني، وأفتتن بذم من منعني، وأنت من وراء ذلك كله وليٌّ الأعطاء، والمنع، انك على كلي شيء قدير<([33]).

ولقد أنحى الإسلام باللائمة على المتخلفين عن أداء حق الأمة في أموالهم ، وحمل مسؤولية ما يتعرض له البعض من حاجة، وحرمان، قال أمير المؤمنين علي $: >ان الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء اقوات الفقراء ، فما جاع فقير الاَّ بما متع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك<([34]).

ولم يكتفِ الإسلام الحنيف بمهاجمة الفقر، وتعداد سيئاته في حياة الفرد ، والجماعة، وتبيان أسبابه، والتحذير منه، وإنما وضع تخطيطاً حكيماً لعلاج أسبابه التي يتيسر علاجها، فضلاً عن علاجه كموضوع:

1- فقد شجع القادرين على ممارسة العمل على كسب قوتهم، وعدّ كسب القوت الحلال، وبذلك الوسع من أجله عبادة اسلامية، وحذر من التهاون في مسألة كسب الرزق:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

>ملعون من القى كلَّه على الناس< ([35]).

> العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال<([36])

>نعم العون على تقوى الله الغنى<([37])

2- الزام الإسلام بجهاز الحكم الذي يلتزم بمبادئه، بضرورة الأهتمام بفتح المشاريع لتفير العمل للقادرين عليه، ولنا فيما جاء بالوثيقة الدستورية التي كتبها الإمام أمير المؤمنين علي $ إلى واليه على مصر للعمل بمقتضاها خير مثال على ذلك، فقد ورد من جملة ما ورد فيها ما يلي:

>وليكن نظرك في عمارة الأرض، ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك الاَّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد<([38]).

3- تشريع مبدأ التكافل العام بين الناس: ويقضي هذا المبدأ بضرورة الأنفاق على المحتاجين، وتغطية نفقاتهم من قبل الأمة، وقد جاءت صياغة هذا المبدأ من خلال النصوص الآتية:

قال رسول الله @:

>ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائعالى جنبه، وهو يعلم به<([39]).

>من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له<([40]).

وقال الإمام محمد بن علي الباقر $:

>من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته، ويواري عورته، ويفرج كربته، ويقضي دينه..< ([41]).

وقد عدد الإمام الصادق $ حقوق المسلم على المسلم، وذكر منها:

>... لا تشبع ، ويجوع، ولا تروى، ويظمأ، ولا تلبس، ويعرى<([42]).
4- الزام الدولة بكفالة المحتاجين كفالة مباشرة: فمن كتاب علي أمير المؤمنين $ إلى حاكم مصر يحدد فيه الإمام $ مسؤولية الحاكم المسلم تجاه أهل الفاقة، والحرمان بقوله: فيقول : > ثم الله الله في الطبقة السفلى، من الذين لا حيلة لهم من المساكين، والمحتاجين وأهل البؤس ، والزمن... واحفظ لله ما استحفظك من حق فيهم، واجعل لهم قسماً مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام .. وتعهد أهل اليتم ، وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة لهم<([43]).

ويتحدث الإمام القائد $ عن هذه المسؤولية بالذات في حديث آخر فيقول:

>هيهات أن يخلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة، ولعل بالحجاز واليمامة من لا طمع له بالقرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً، وحولي  بطون غرتي، واكباد حرّى<([44]).

وهكذا يتناول الإسلام المسألة الإقتصادية من جميع أقطارها، يعالجها علاجاًَ شاملاً، بالنظر لاهميتها، وتأثيرها في مسيرة الإنسان في الحياة، الأمر الذي ينسجم مع الخط الواقعي الذي يتبناه الإسلام في تناول مسائل الحياة الإنسانية كلها.

ثانياً: اعتراف الإسلام الحنيف بالغريزة الجنسية كجانب حيوي في الكينونة الإنسانية قال تعالى:

} زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء..{

والى جانب اعتراف الإسلام بالميل الجنسي لدى الإنسان، طرح مفهومه حول اشباع ذكل الميل، وقضى للمؤمنين الا يخالفوا عن أمره، ولا يتجاوزوا اطروحته لإشباع الجوعة الجنسية قال تعالى:

} فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ { ([45]).

} فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ {([46])

وحيث شرع الإسلام الحنيف الزواج بشقيه الدائم والمنقطع طبيعي لأشباع الجوعة الجنسية فأنه في ذات الوقت قد منع من ممارسة الزنا، واللواط، والمساحقة، ولواها من سبل معوجة وشرع العقوبات لمخالفي نهجه المتنى }وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ{ ([47]) وبالاضافة إلى ما ذكرنا من المناهج الإسلامية المتبناة لرعاية النزعات المادية عند الإنسان، فأن الشريعة الإسلامية قد اهتمت كثيراً بحمل الإنسان على ضرورة التمتع بخيرات هذا الوجود الرحيب ، لانه لم يخلقه الاّ من أجله، ولخيرة وسعادته قال تعالى:

}خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعا{([48])

}قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ{([49]).

}وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ{([50]).

هذا فضلاً عن أن الإسلام قد منع من تعاطي كل ما يوجب ضرراً للإنسان كأكل لحم الخنزير، والدم، وشرب الخمر وأكل الميتة وغيرها قالعز وجل:

}حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع الاَّ ما ذكيتم..{

} انما الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..) ([51]).

وهكذا يطرح الإسلام مبادئه وأحكامه من خلال التزامه بمبدأ الواقعية في تناول المشكلات، وفي أسلوب العلاد{.


 

الإسلام و النشاط العقلي لدى الإنسان

العقل في نظر الإسلام هبة كبرى من الله الخالق العظيم تبارك وتعالى، لهذا الكائن البشري، ونعمة من أكبر نعمة عليه، عليه أن يفيد منها إلى أقصى حدود الفائدة.

ولو قدِّر لنا أن نجري احصاء للآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي تناولت العقل، وهي بصدد تبيان دورة، وأهميته في حياة الإنسان، وبناء الحضارة، وانتهاج السبيل الأقوم، وتحديد معالمه، وغير ذلك، لأحتجنا إلى مساحة واسعة الوقت، والجهد، فكثيراً ما نجد كتاب الله العزيز يبرز أهمية العقل، ودورة من خلال خطابات مختلفة للناس:

} وَالله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{ ([52]).

يستعمل الفؤاد في القرآن الكريم للدلالة على العقل أو الجزء المدرك من الإنسان..

}وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{([53]).

} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {([54]).

} إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ {([55]).

َ}فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ{ ([56])إلى غير ذلك من النصوص الكريمة التي تجسد أهمية العقل في المنطق الإسلامي، ودوره العظيم في حياة الإنسان الرسالي ([57]).

 وبقدر ما سلطت الرسالة الإسلامية الأضواء الكاشفة على أهمية العقل عملت كذلك على تحديد مهامه الأساسية والصلاحيات الممنوحة له والمجالات التي يصح له ارتيادها، وخوضها.

وبهذه العملية الواعية جنَّب الإسلام عقل المسلم من دخول عوالم غير عوالمه، وحال بينه، وبين خوض المسائل التي ليست من شأنه، فساحة المعرفة واسعة اتساع هذا الوجود الرحيب ، وما وراءه ان لم نقل أكثر من ذلك. ووسائل الوصول للمعرفة متعددة:

فجزء من المعرفة يتم حصوله بالملاحظة والحواس، والتجربة كأغلب المسائل العلمية التي توصل لها العلماء.

وجزء لا يتم حصوله الاّ بالوحي كالأمور الغيبية، ومبادئ الرسالات السماوية التي يتلقاها الأنبياء عليهم السلام عن الله تعالى، ويبلغون أممهم بها، الأمر الذي لايتسنى للعقل ، ولا للحواس، ولا التجارب العملية الوصول اليه.

ومن المعرفة ما يعتمد كلياً على العقل كاستخلاص النتائج، والحكم على صحة الوقائع، وخطئها، وتطبيق القواعد على الأمثلة، والربط بين الظواهر، واستنتاج بينها من عوامل مشتركة، ونحو ذلك!
على أنه لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن نؤكد على أن العقل يمتد نفوذه إلى ما يحققه الحس ، والتجارب من انجاز علمي، فعلى الرغم من أن تلك الوسائل تتولى دورها في الوصول إلى جزء كبير من المعرفة، لكنها تقف عند حدود  جمع المعلومات، وتحضير >موادها< الخام لتطرحها امام العقل، ولذلك ، فأن العمليات المختبرية لا تفي وحدها بالغرض ما لم يتدخل العقل للحكم على التجارب واستخلاص النتائج.

ومن هنا فأن كافة التجارب ، والملاحظات لا تجري أبداً دون الاعتماد على العقل وان كانت ابتداء تعتمد على ما اعتمدت عليه.

وعلى هذا الأساس نقول: ان اسحاق نيوتن المكتشف للجاذبية لم يتوصل إلى ما توصل اليه بالملاحظات فحسب، وانما أخضع عملياته لربط، والاستنتاج اللذين يقومان على أساس التفكير، الأمر الذي ينطبق على كافة الجهود التي بذلها العلماء الطبيعيون قديماً، وحديثاً.

ولا ننسى ان نضيف كذلك ان المعلومات ، والمبادئ التي يتلقاها الإنسان من الله الكبير المتعال عز وجل، لا تحتاج إلى إعمال كبير للفكر ، بالنسبة للمتلقي الأول، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها بالنسبة للمبلَّغين بها من البشر تعتمد كلياً على العقل لاستيعابها، وهظمها، وادراك مراميها.

ومن المناسب ان نشير إلى أنه لا ينبغي أن يفهم ان العقل يستطيع أن يقوم مقام التجارب، والملاحظات في طرح المعلومات ، والأفكار أبداً، فأنه في هذا المضمار يحتل موقع الحكم والمرجع لاستخلاص النتائج، وليس له غنىً عما تقدمه التجربة والحواس أبداً.

وهكذا فأن لكل من الحواس، والوحي، والعقل مهماته، وحدوده، وآفاقه، بيد أن العقل يحتل مركز المرجعية في جميع حقول المعرفة دون أن يخوض في أمور ليست من اختصاصه أبداً. ولذا فأن الإسلام الحنيف يؤمن بأهمية الملاحظة ، والتجربة، والعقل معاً، مع احتفاظه بموقع خاص للعقل في الحقل المعرفي في حياة الناس.

وها هو الإسلام يقدم مفهومه عن طرق تحصيل المعرفة بقوله تعالى:

} أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا {([58])

مؤكداً ان المعرفة تحتاج إلى ملاحظة، وتتبع، وتجارب، ومشاهدات ، واستخلاص نتائج ، وربط بين الظواهر، واستنتاج للحقائق من بين ثنايا الوجود بالعقل الذي وهبه الله تعالى للإنسان.

وبتحديد الإسلام لوسائل تحصيل المعرفة، ومهام كل منها أبعد العقل المسلم عن كافة الطرق الملتوية التي سلكتها المناهج ، والمذاهب، والأديان المشوهة بأتباعها فقد أبعد الإسلام عقل المسلم عن مظاهر التقليد الأعمى والتحجر، وحرره من الخرافات، والشعوذة، وأبعده عن الأحكام الخيالية التي لا تستند إلى واقع، وانحى باللائمة على كل الذين يعطلون عقولهم عن التفكير الحر المنتج، وهاجم اسرى التقاليد المنحرفة، وعاب على الجاحدين جحودهم:

قال الله عز وجل: }بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ{([59]).

}إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا{([60]).

} وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاً كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ{([61])

وبهذه العملية تجاوز الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه المسيحية الرسمية حين كبلت العقل البشري، وحالت بينه، وبين التفكير الحر، وفرضت عليه معلومات، ومفاهيم متناقضة اسمتها > الحقائق الكنسية< وعملت كل وسعها لأخراس كل صوت ينادي بخطأ تصوراتها في مسألة كونية، أو غيرها فصبت العذاب، ونكلت بكل العلماء الذين خالفوا آراءها في أمور علمية ليست من اختصاصها ([62]).. الأمر الذي نجم عنه فيما بعد انهزام المسيحية، ونظرياتها، ومفاهيمها، أمام انصار العقل الذين أشاعوا الشك بكل مبادئ المسيحية فصلاً عن متبنياتها > العلمية<.

ولقد جنب الإسلام كذلك اتباعه جموع العقليين، وجنوحهم إلى المغالاة والافراط في تحميل العقل فوق مايحتمل، الأمر الذي أوقعهم في أخطاء فكرية جسيمة على حساب العلم، والإنسان ، مما اعطى الحسين فرصة الأضرار بسلطان العقل، واستهزائهم بكل ما هو عقلي، وتأليههم التجربة، والملاحظة كبديل للعقل، حتى وصل بهم الأمر أن ينكروا وجود العقل أساساً طالما لم يخضع لأدواتهم المختبرية!

وبين تلك التيارات العديدة.. على ما بينها من تناقض بقي العقل الإسلامي على منأى من الهزات العنيفة التي زلزلت الأهمية الأوربية عبر العديد من القرون. فبقي محافظاً على موقعه الطبيعي فيساحة الفكر، فيما أخذت التجربة، والملاحظات دورها في دنيا الفكر الإسلامي كذلك.

وهكذا وكان للنهج الواقعي الذي يلتزمه الإسلام في وعيه للإنسان ، وادراك قواه، ومدى فاعليتها الفضل الأكبر في سلوك المسلم لأقوم السبل في تحصيل المعرفة: فلا تفريط بالحواس لحساب العقل، ولا تفريط بالعقل لأجلها.

ولقد أثر هذا النهج الإسلامي ثماراً طيبة في دنيا الإنسان منها:

1-  انفتاح العقل المسلم على الوجود الرحيب، وانطلاقة في ارجائه بحثاً عن المعرفة دون أن تكون ثمة منطقة محرمة عليه، اللهم الاّ إذا كانت ليست في حدود طاقاته ، وامكاناته كحقائق علم الغيب مثلا.

أما اكتشاف حقائق هذا العالم،والبحث عن القوانين التي تحكم اجزاءه، والقوى الفاعلة فيه، فهي من اختصاص العقل الإسلامي، ووظائفه.

وفي الكتاب العزيز الكثير من الآيات الكريمة التي تحضُ المسلم على اكتشاف حقائق الوجود ، والتفاعل معه، والأفادة منه بكل ما يملك من وعي وادراك:

}أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ{([63])

}أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا{([64])

} أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ {([65])

} أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ {([66])

2-  ولقد أثمرت هذه الدعوة القرآنية المفتوحة ثمارها اليانعة خلال التجربة الإسلامية ـ رغم انتكاستها ـ فتبوأ العقل الإسلامي مركز الريادة في دنيا الناس، حيث حقق المسلمون عبر تجربتهم الحضارية انجازات فكرية، وعلمية مدهشة على شتى الأصعدة يشير إلى ذلك:

أ – ارساء قواعد الكثير من العلوم: كعلم أصول الفقه، وعلم النحو العربي، وعلم البصريات، والأجتماع وغيرها.

ب ـ المساهمة في انضاج العديد من العلوم الأخرى، واثرائها بأساليب ، ومعلومات واسس جديدة : كعلم الطب، والفلك، والرياضيات ، والكيمياء والفلسفة، والنبات وغيرها.

3- ولقد كان للنهضة العلمية الرائدة التي تميزت بها التجربة الإسلامية في كل من بغداد، والقاهرة، وقرطبة وغيرها من مدن الإسلام الكبرى اثرها البالغ في ارساء قواعد التقدم العلمي الرائع الذي تخطى به أوربا اليوم، وما زالت الجامعات العلمية الكبرى في أوربا، ومؤرخو النهضة الحديثة يذكرون بمزيد من الأعتزاز مآثر اجيال من علماء المسلمين الذين أرسوا القواعد التي أقامت عليها أوربا نهضتها العلمية الحاضرة نذكر منهم على سبيل المثال:

- يعقوب الكندي وابن رشد ، وأبو حامد الغزالي، وأبو نصر الفارابي، والصنعاني وغيرهم في الفلسفة.

وأبو علي ابن سينا ، وأبو زكريا الرازي، وابو القاسم الزهراوي، ومحمد التامير وغيرهم في الطب.

والخوارزمي ، وجابر بن حيان، ونصير الدين الطوسي، وابو عمر القلصاوي في الرياضيات.

وجابر بن حيان وأمثاله في الكيمياء.

والحسن بن الهيثم في علم البصريات.

وابراهيم الزرقاني ، وعلي بن يونس وغيرهما في الفلك .. وغيرهم كثير وما زالت آراء بعض علماء الإسلام تحتل مكاناً رفيعاً في الجامعات الأوروبية الحديثة([67]).

ومن الطبيعي أن تؤتي شجرة النهضة الإسلامية ثمارها يانعة على أيدي أجيال من علماء الإسلام، ومفكريه ، كنتيجة للنهج الإسلامي القويم في تحصيل المعرفة > الذي يدعمه العقل، والملاحظة ، والتجربة فضلاً عن العلوم التي اتاحها الوحي المقدس < حيث تمثل تلك الوسائل روافد الفكر الانساني.

ولقد أشاد الكثير من علماء الغرب بالمنهج الإسلامي المتبنى في مضمار تحصيل المعرفة، فيقول الاستاذ Briffault في كتابه :

Making of Humanity:

>ان روجر بيكون درس العلم العربي دراسة عميقة، وانه لا ينسب له، ولا لسميه الآخر أي فضل في اكتشاف المنهج التجريبي في أوربا، ولم يكن روجر بيكون في الحقيقة الا واحداً من رسل العلم، والمنهج الإسلامي إلى أوربا المسيحية، ولم يكف بيكون عن القول بأنَّ معرفة العرب، وعلمهم هما الطريق الوحيد للمعرفة الحقة لمعاصريه<([68])ويقول مسيوليبري : >لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة اوربا عدة قرون<([69]).

الأمر الذي يكشف عن مدى الآثار التي الفعل الإسلامي الحضاري عموماً والعلمي خصوصاً على مسيرة الإنسان المعاصر.

3-  ومن ثمار المنهج الإسلامي المتبنى في تحصيل المعرفة تعرف العقل الإسلامي على الكثير من اسرار التشريع الإلهي، وحكمته، وتمتعه بالقدرة على فهم الصور التطبيقية للشريعة عبر التحولات في حياة البشرية من ناحية وسائل المعيشة، وتطوراتها ومن ناحية التغيرات المطردة في مضمار المدنية بشتى شعبها في الصناعة والزراعة والتنظيمات الاجتماعية، وتطوراتها، وغير ذلك.

على أن الذي ينبغي أدراكه هنا: ان العقل الإسلامي حين يطرح العديد من الصور التطبيقية للشريعة الإسلامية عبر الزمن، أو حين يستنبط الحلول لمشاكل الإنسان المستجدة، فانما يمارس دور المكتشف للأحكام ، والمفاهيم فحسب، لأنه يتعامل مع نصوص شاملة لجميع جوانب الحياة الإنسانية، الأمر الذي يمارسه الفقهاء المجتهدون دون سواهم، حيث ان المجتهد في الوعي الإسلامي انما يمارس دور المكتشف ([70])للحكم المشرعي الموجود بين ثنايا الكتاب العزيز، وسنة المعصوم $ ، وعليه فحسب أن يبذل وسعه، وفقاً للأسس وشروط معينة ـ لاستحصال الحكم أو المفهوم من النصوص الجاهزة، وليس من حقه أبداً أن يطرح حلولاً أو أحكاماً من متبنياته الشخصية، ويفرغ عليها صفة الأحكام الشرعية.

ومهمة المجتهد حين تحتل هذا الموقع، وتأخذ هذه الابعاد، فأن ذلك ناجم عن روح الشمول التي تمتاز بها شريعة الله الخاتمة لكل مشاكل الإنسان الحياتية، وقد المحنا في بداية البحث بطبيعة لشمول التي تتميز بها الشريعة الإسلامية، أما رفض الشريعة لصيغ الاجتهاد قبل نصوصها الصحيحة، فهو مبدأ ثابت في كتاب الله العزيز وسنة المعصوم $ ... يقول عز وجل:

}وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا{([71]).

ونريد أن نثبت هنا عبر هذه الاشارة اى دور الفقيه المجتهد في الشريعة الإسلامية ما يحتله العقل في دنيا الفكر الإسلامي >حتى الأساسي منه< كالأحكام الشرعية والمفاهيم والمبادئ العامة والصور التطبيقية للشريعة عبر العصور، حيث ندرك الأهمية البالغة التي يوليها الإسلام للعقل المسلم، ومدى الثقة التي يمنحها اياه بناء على التزام بمنهج قويم في وسائله، ومتبنياته، ومنطلقاته.

ولابد من التأكيد في نهاية المطاف حول مكانة العقل في الإسلام على أن المنهج الإسلامي المتبنى في تحصيل المعرفة بقدر ما يعبر عن سلامة خطه، وصحة مساره، فأنه يطرح بكل قوة، ووضوح مبدأ الواقعية التي يلتزمها الإسلام الحنيف كروح يسري في جميع متبنياته الرسالية ومفاهيمه، وأحكامه، الأمر الذي يتجلى من خلال رعاية الإسلام للعقل، وازاحة كل العقبات عن طريقه، هذا فضلاً عن فسح المجال لوسائل المعرفة الأخرى لأداء دورها < في دنيا الفكر الإسلامي.

واذا كان العقل المسلم قد توقف اليوم عن تحقق ما تصبو اليه البشرية في عالم المعرفة، فانَّ ذلك جاء كنتيجة طبيعية لوأد التجربة الإسلامية ، وغياب المناخ المناسب الذي يوفر للعقل المسلم الأزدهار ، والنماء، والعطاء.

ولنا وطيد الأمل أن يحتل العقل الإسلامي موقعه المناسب في المستقبل القريب ان شاء الله تعالى<.


 

2- حالات الضعف الإنساني وكيف يواجهها الإسلام!

قضت واقعية هذا الدين العظيم أن يسير غور هذا الكائن الإنساني، ويكشف عن طبيعة تركيبه الروحي ـ المادي المزدوج ليطلع الإنسان على حقيقته، وابعاد تكوينه، ثم لينهض ، بالتزاماته الرسالية، وليستجيب لمطالب الجوعات التي جبل عليها من خلال تنفيذه لمتطلبات الرسالة الإلهية ، فيتحقق التوازن الكامل بين جميع أطراف الكينونة الإنسانية دون مصادرة لجانب على حساب آخر، أو تنمية لحقل دون غيره!

على ان الرسالة الإسلامية لم تقف عند هذا الحد من تجلية أبعاد الحقيقة الإنسانية، وإنما كشفت عن النزعات الطبيعية الفاعلة في تركيبة هذا الإنسان، وفي مسار حياته: من الميل الجنسي، وحب التملك للمال، وغريزة التدين وغيرها.

وقد وفق الإسلام توفيقاً منقطع النظير في تحقيق واقعيته في اطار التوازن بين مطالب النزعات الفطرية لدى الإنسان جميعها.

على انها تمشياً مع خطها الواقعي الملتزم سلكت الرسالة الإسلامية أسلوب مراعاة حالات الضعف الإنساني جميعها ، وتبنت ازاءها الخطوات الآتية:

1- فقد كشفت الرسالة الإسلامية عن جوانب الضعف في الكيان الإنساني بشكل عام سواء في مواجهة التحديات، أو حمل المسؤوليات الرسالية أو غيرها.

وبعد جرد عام لحقيقة هذا الكائن رسمت الرسالة الإسلامية الصورة الواقعية له دون تزييف، وسلطت الأضواء على كافة جوانب الضعف والتردد في كيان الإنسان، وفي منتهى الواقعية.

وهذه ملامح من التصور الإسلامي لجوانب الضعف في الإنسان:

}إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا{([72])

}زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ{([73])

}وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا{([74]).

}وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا{([75])

>ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا< ([76])

}وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً{([77])

} وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ{([78])

}بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{ ([79]) }وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا{([80])

}وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ{([81]).

وهكذا يتجسد الضعف الإنساني ـ كما حكاه خالق الإنسان تعالى ـ في أحوال عديدة، فيغطي مساحة واسعة من هذا الكافي:

ـ فمن طبعه الجزع عند العسر، والمنع من الخير، والأقبال على الشهوات، والحرص على المال وبريقه.

يستعلي عند النعمة وينتفخ، وييأس عند ورود الشر والشدة، ضعيف في مواجهة المغريات، والمسؤوليات، ونوازع النفس، والهوى.

عجول ملحاح في طلب النعم، وما يوفر له الراحة الدنيوية، يؤثر الدنيا على الآخرة، يفرح للنعمة ويجزع لما يظنه نقمة!

وفي كتاب الله العزيز والسنة الشريفة العديد من النصوص التي نستعرض صوراً صادقة متكاملة، وواقعية إلى اقصى حدود الواقعية لهذا الإنسان.

ومن خلال ما تعرضه من صور حقيقية للإنسان لا تدَّعي الرسالة الإسلامية ابداً ان الإنسان خير كله ناء عن الشر، ولا تصفه شريراً يلد ، والخطيئة تلازمه، وانما تصور جوانب القوة فيه، وجوانب الوهن على حد سواء، وتشير إلى ما يتمتع به الإنسان في امكانية الانتصار على ضعفه إذا شاء بوسائل، وطرق حددتها الرسالة في الكثير من نصوصها القويمة ـ سنعرض لها فيما بعد ـ

2- وبعد الجرد الواقعي لحقيقة هذا الإنسان تجيء الخطوة التالية، وهي خطوة مواجهة الرسالة الإسلامية لحالات الضعف، ومظاهر النقص لدى الإنسان بجميع ألوانه، وصوره، ومنابعه سواء أكان ضعفاً أمام المغريات والشهوات أو ضعفاً عن تحمل أعباء الرسالة، والنهوض بالتكاليف الشرعية، وسواء جاء الضعف بسبب الهوى، وحب الدنيا، وايثارها، أو بسبب نقص في بعض القوى كما في حالة المرض أو الشيخوخة مثلاً.

وازاء حالات الضعف بجميع صورها، ومصادرها تبنى الإسلام الحنيف ثلاثة مواقف لكل منها دوره، ومجاله في علاج تلك الظواهر:

أ – الموقف الأول: وقد تمثل بعلاج الإسلام الحنيف لبعض مظاهر النقص والضعف عن اداء بعض المسؤوليات بأسقاط تلك التكاليف نهائياً عمن يعجز عن النهوض بها، أو تكليفه بمسؤولية أيسر يستطيع المسلم اداءها، وهو في حالة النقص التي يعانيها، والأمثلة في هذا المضمار كثيرة:

كأسقاط الجهاد عن الأعمى، والمجنون، والمريض المقعد، والصبي، وامثالهم([82])، واسقاط فريضة الحج عن غير القادر مالياً على النهوض بالتكاليف المالية التي تتطلبها الفريضة من سطر، ونفقة وسواها.

واسقاط الصوم عمن لا يطيقه كالشيخ والشيخة، والمصاب بعاهة لا يستطيع معها اداء هذه الفريضة فأمثال هؤلاء العاجزين تكلفهم الشريعة بالفدية بدلاً عن الصوم.

واسقاط الصلاة عن المرأة أيام حيضها، ونفاسها رفعاً للحرج عنها، وغير ذلك من أحكام، ومواقف!

ب ـ الموقف الثاني: ويتلخص بأقرار الإسلام الحنيف خطوطاً تصاعدية بالنبة لدرجات الشخصية الإسلامية يتمثل اعلاها بخط العصمة الذي يعني بلوغه ان يكون المعصوم دين الله يسير على الأرض!، حيث تتخذه الرسالة قدوة لأتباعها عبر امتداد الأمة التاريخي.

ومن الأمثلة الحية لهذه النماذج في دنيا الإسلام: رسول الله ، ومن بعده الأئمة الهداة وآل محمد صلى الله عليهم أجمعين.

أما الخط الأدنى من درجات الشخصية الإسلامية فيمثل حمل المسلم لمبادئ الإسلام الأساسية من توحيد الله0 تبارك، وتعالى، والإيمان برسله، وكتبه، وملائكته واليوم الآخر وغير ذلك، يصحب ذلك التزام بالفرائض الإسلامية، وبين الخط الأدنى من الإلتزام، وخط العصمة درجات التزامية كثيرة تتفاوت من ناحية قربها او البعد عن الخط الإلزامي الأسمى >خط العصمة<.

ولقد جاء ذلك السماح بالتفاوت في درجات الشخصية الإسلامية نتيجة طبيعية للروح الواقعية التي يتبناها الإسلام الحنيف، والتي تأخذ بنظر الاعتبار الفروق الفردية بين البشر، وحالات الضعف التي يتعرض لها الإنسان بسبب ظاهرة الضعف العامة في كيانه التي يؤدي انسياقه وراءها إلى الوقوع في الخطأ، والتقصير، أو بسبب العامل التربوي الذي يتوفر للإنسان!

وتمشياً مع سياسة الإسلام الواقعية رَفَع شعار >رفع الحرج< كخط ملتَزم دائم، قال تعالى:

} لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا{([83])

} فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ{([84])

} هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ {([85]).

وجنباً إلى جنب مع شعار (رفع الحرج) فتح الإسلام للمؤمنين باب التوبة والأنابة كلما تعرضوا إلى انتكاسة روحية أو سلوكية نتيجة لعامل الضعف الإنساني الذي بالأنقياد وراءه يسوق إلى المعصية، اذ يتجسد ذلك على سلوك المسلم استجابة لهوىً، أو نزوع لرغبة، أو تخلف عن أداء مسؤولية، وغير ذلك.

وفتح باب التوبة، والاستغفار انما هي عملية واقعية تاتي اقراراً لحالات الضعف الإنساني من جهة، كما هي نعمة الهية كبرى يمن الله سبحانه بها على انسان الإسلام من جهة أخرى، والاّ كيف نتصور مصير الغنسان إذا لم تقبل توبته، وانابته إلى الله عز وجل مع ما عليه من حالات ضعف كثيرة، وما يترتب عليها من انحراف ، وتخطٍ للمنهج الإسلامي المرسوم؟

ومن هنا فأن مبدأ التوبة، والتكفير عن الذنب وما يترتب عليها من عودة المسلم إلى موكب الشخصيات الإسلامية كما كان قبل المعصية يمثل أروع صور الروح الواقعية التي يحملها هذا الدين العظيم.

ومن أجل ذلك تبنى الفقه الإسلامي القول بعودة العدالة للمؤمن بعد التوبة >نزول صفة العدالة حكماً بأرتكاب الكبائر أو الأصرار على الصغائر، بل بارتكاب الصغائر على الأحوط، وتعود بالتوبة إذا كانت الملكة المذكورة باقية<([86])والعدالة في المفهوم الإسلامي تمثل الجانب العملي من الشخصية الإسلامية، فقد ورد تعريفها فقهياً >العدالة عبارة عن ملكة راسخة باعثة على ملازمة التقوى من ترك المحرمات وفعل الواجبات<([87])

ومع كون التوبة أمراً يجسد واقعية هذا الدين كذلك فأنها تأتي لفتح باب الأمل أمام المسلم العاصي ليستأنف مسيرته مجدداً باتجاه الاستقامة، والفضيلة والقربى إلى الله عز وجل.


 

جـ ـ الأطر العامة للتربية الإسلامية:

ويقوم على أساس التزام الإسلام الحنيف بنهج اعداد تربوي ينهض بالإنسان من حالات الضعف، والانتكاسات الروحية، والسلوكية التي يتعرض لها في حياته، فصحيح أن الإسلام قد حدد حالات الضعف الإنساني، وصحيح انه سمح بعدد من النماذج الإسلامية بالتواجد في مجتمعه، وتبنى شعار >رفع الحرج< عن المكلفين، لكن هذه المواقف تمثل روح الواقعية التي تأخذ الإنسان على ما هو عليه.

لقد وعى الإسلام ـ وهو شرع الله تعالى ـ هذه الحقيقة ـ وحسب لها حسابها الدقيق، فلم يقف عندها أبداً ، وانما سلك أسلوب الخاص الإنسان ليتغلب على ضعفه.

وقد جاءت تلك العملية على شكل منهج تربوي شامل يعمل ما من شأنه على مد الإنسان بوسائل القوة، والصمود أمام ضعفه: من ميله إلى حب الدنيا، ومغرياتها، أو تكالبه على المتاع الدنيوي أو ضعفه أمام الهوى، ونوازع النفس، والشيطان .

وهذه بعض مبادئ التربية الإسلامية لتلافي النقص، ومواجهة حالات الضعف الإنساني:

1- فمواجهة من الإسلام للميل البشري للدنيا، وحطامها يربي الإسلام انسانه على أن الدنيا مرحلة تحضيرية لحياة ابدية، والحياة لا تنقطع بانقطاع هذا الشوط ليتكالب على هذه الدنيا الزائلة، ولذا ذاتها، وانما عبد هذا الشوط شوط آخر، ولكنه شوط الخلود حيث النعيم الأبدي، أو الشقاء الأبدي، قال تعالى ملفتاً نظر الإنسان إلى تفاهة هذه المرحلة من حياته إذا قرنت بالمرحلة القادمة، مرحلة البقاء، والخلود:

} بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى {([88])

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ {([89])

}قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى{([90]) ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب $ بهذا الخصوص:

>الحياة خلقت لغيرها، ولم تخلق لنفسها<([91]).

وبترسيخ الإسلام لهذا المفهوم ـ من خلال التربية السليمة لإنسان ـ يتجاوز الإنسان المسلم الكثير الكثير من حالات ضعفه، ونقصه : من التعلق بمتاع الدنيا والتكالب على الشهوات، مضحياً بذلك من أجل النعيم المنتظر في الآخرة، وسالكاً سبيل التضحية بالكثير من الوان النفع المادي في الحياة الدنيا.

2- العمل على تهذيب الدوافع الذاتية لدى الإنسان، وطبعها بطابع خاص: فالدوافع الذاتية عند الإنسان هي القوى الأساسية في مسار حياته من ناحية عمقها، وتأثيرها، وفاعليتها ، والدوافع الذاتية تتطلب من الإنسان تقديم مصالحه الخاصة على مصالح المجموع.

وهي بناء على ذلك تتلاءم تماماً مع حالات الضعف الإنساني المتعددة ان لم تكن أغلب تلك الحالات مظاهر لها، وان مسألة افساح المجال لتلك الدوافع أن تقود ، سفينة الإنسان، وتستأثر، بأمر قيادته وفقاً لمقتضياتها، سيقود حتماً أن يستسلم الإنسان لضعفه، وما يفرضه هواه ، وشهواته، ومصالحه، الأمر الذي يخالف رسالة الله تعالى، ويعرض أهدافها للخطر!

ومن أجل ذلك، فقد عملت الرسالة الإسلامية، وسعها لا من أجل كبت الدوافع الذاتية كما تشاء الشيوعية ـ وانما لتهذيبها، وتوجيهها الوجهة السليمة التي تحقق مصلحة الفرد، في الوقت الذي تحقق فيه مصالح الجماعة، وأهداف الرسالة الإلهية ذاتها التي تهدف أساساً إلى تحقيق مصلحة الإنسان فرداً ، وجماعة.

3- وقد جاءت عملية الإسلام التهذيبية لدوافع الإنسان الذاتية مؤطرة بالتزام رضوان الله تعالى مقياساً للأعمال، والطموحات في مسيرة المسلم الحياتية.

فالإسلام يربي انسانه لا على أساس العمل وفقاً لما تقتضيه مصلحته الذاتية هو ، وانما وفقاً لما يريده الله تعالى، ويرضاه، وعلى المسلم أن يعي هذا المفهوم، ويلتزم به قاعدة اساسية لا تخضع للتبديل، والتحوير.

فرفض المسلم، وقبوله، سكوته ازاء قضية، أو عمل أو اتخاذه موقفاً ازاءها ، انتاجه لهذا السلوك، أو تخليه عنه، كل ذلك انما يجري من خلال ما يفرضه رضوان الله تعالى.

حسناً، ولكن كيف يدرك الإنسان ما يرضي الله تعالى؟!

ان الرسالة الإسلامية ـ وهي صادرة من الخالق المدبر عز وجل ـ وقد تكفلت بتبيان ما ينبغي أن يعمله الإنسان، وما لا ينبغي، المباح منه، والمحظور، الواجب، والمندوب وقد جاءت أحكام الشريعة الغراء ازاء القضايا، والمواقف، والأشياء شاملة بحيث تغطي مساحة حياة الإنسان كلها، فإذا ترسَّم خطاها، فقد حقق رضوان الله تعالى، وان خالق ما الزمته الشريعة، فقد تخطى المقياس الإسلامي، ولعل مفهومي الحلال، والحرام الإسلاميين كفيلان بتحديد المسار العام السليم لإنسان الإسلام وفقاً لما يريده الله تعالى.

واستناداً لهذه العملية تتحول الدوافع الذاتية لدى الإنسان إلى مسار جديد حيث مصلحة الرسالة الإلهية، ومصلحة الأمة في الوقت الذي يشعر فيه الفرد أن مصالحه الخاصة ذاتها مصانة حين يضحي بمصلحته هو لمصلحة المجموع، والرسالة.. أما كيف يحدث هذا؟!

كيف يضحي الإنسان بمصالحه الذاتية من أجل المجموع في نفس الوقت الذي يعتبر تلك التضحية ربحاً له بالذات؟!

4-  ان هذا التحول الكبير في مسيرة الإنسان المسلم يتحقق وفقاً لمبدأ، >التعويض< الذي يوفره الإسلام لكل خسارة، أو تنازل بقدمه المرء المسلم بناء على ما تتطلبه الرسالة الغراء.

فالرسالة الإسلامية تتكفل بتعويض كل خسارة يتعرض لها المسلم في حياته، وهو يشيد حضارة الإسلام، أو يخوض غمار معركة المصير من أجل الإسلام، أو يتنازل عن بعض مصالحه الذاتية أو كلها من أجل الله أو من أجل الجماعة المسلمة.

وهذا التعويض بطبيعة الحال لا يستوفيه المسلم في هذه الحياة المحدودة، وانما ٍيتلقاه اضعافاً مضاعفة في أشد ساعات الحرج في حياته العملية الطويلة، وذلك يوم لقاء الله تعالى حيث تكون عملية ذلك اليوم الكلم الطيب، والعمل الصالح، والتضحية في سبيل الله تعالى.

ومن هنا فأن المسلم حين يتنازل عن حقوقه يشعر أن تلك الحقوق سينالها مضاعفة، وهو انما يدخرها كرصيد لداره الحقيقية!

وهكذا يندفع المؤمن بحرارة لبلوغ أهداف الرسالة الإلهية، وكثيراً ما يخسر ماله، وجاهه، واستقراره، وفي أحايين كثيرة يخسر ذاته، ولكنه موعود وعداً صادقاً من ربه الكبير المتعال عز وجل بالتعويض المضاعف لما فقد حين يفد إلى ربه في دار الخلود، والرضوان، قال تعالى:

} ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{([92])

} إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {([93]).

} مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ {([94]).

ولقد تحولت هذه المبادئ إلى حركة ، وواقع يوم تمكنت في نفوس الرعيل الأول من المؤمنين أيام التجربة الإسلامية الأولى، وأدركوا أبعادها، فقد تغيرت نظرتهم للحياة والمتاع، والعلاقات ، ومارسوا حياتهم بأسلوب جديد مغاير كما ألف الناس:


 

صور تطبيقية للمبادئ

وهذه صور عملية من تلك التحولات الكبرى في دنيا الإنسان كما تحكيها سيرة المؤمنين السابقين:

1- فمجموعة من المؤمنين لا تملك عدة القتال لتشارك في غزوة تبوك، بسبب من فقرها، فتقصد رسول الله @ أملاً بالحصول على مستلزمات المشاركة في حرب المشركين، غير أن ظروف الدولة الفتية الصعبة من الناحية المالية، وتجهيز الرسول القائد @ لبعض المتطوعيسن للقتال بما يملك من عدة ومؤونة، ونفاد مالديه منها جعله @ يعتذر عن تقديم ما طلبت تلك المجموعة من مستلزمات، فيعود أولئك المؤمنون أدراجهم، فيستسلمون لحاة من البكاء حزناً، واسفاً، واشفاقاً منهم على ضياع فرصة الإشتراك في غزوة المشركين، وما يترتب عليها من ثواب عظيم، وهذه نص الحادثة كما ترويها كتب التاريخ:

>ان رجالاً من المسلمين أتوا النبي @ وهم البكاؤون ، وكانوا سبعة نفر من الأنصار، وغيرهم، وكانوا أهل حاجة، فاستحملوه ـ يعني الرسول @ ـ فقال: >لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا يبكون<([95]).

وقد خلَّد الذكر الحكيم هذا الموقف العظيم في آية منه .. قال تعالى:

} لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ   وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ {([96]).

2- وهذا نموذج آخر من نماذج التضحية في سبيل الله ، ورسالته الخاتمة جسده مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين، والأنصار، بعد الهجرة النبوية المباركة إلى دار الإسلام حيث ضرب الأنصار أروع الأمثلة في قهر ذواتهم ، والتنازل عن مصالحهم، وايثار اخوانهم على انفسهم، واهليهم، ففضلاً عن كفالة الأنصار لأخوانهم المهاجرين مادياً، ومساواتهم معهم في المعاملة، والمال، وسائر الشؤون، فأن تلك المؤاخاة قد طرحت في دنيا المسلمين من المآثر ما يعد سابقة من نوعها في حياة البشر، وعبر تاريخهم الطويل:

فحسبك أن المهاجرين صار يرث الأنصاري في ماله بعد موته دون سائر أرحامه([97]).

ولقد ظل معمولاً بهذا المبدأ حتى تنزل القرآن الكريم بنسخ حكمه، قال تعالى:

}وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{([98]).

ولقد بلغ بالبعض من الأنصار أن يطلب إلى أخيه المهاجر أن يختار احدى زوجتيه ليطلقها من أجل أن يتزوجها المهاجر([99]).

وهكذا أفرز مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين، والأنصار من المآثر ما ينقطع عنها النظير في تاريخ الإنسان!

وقد أثنى كتاب الله العزيز على موقف الأنصار من أخوانهم، وامتدح روح الايثار التي تحلوا بها تجاه المهاجرين قال تعالى:

}وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{([100]).

3- ولقد خرجت مبادئ الوحي الإلهي نماذج يعز نظيرها في دنيا الرسالات السماوية فضلاً عن سواها.

فهذه اسرة مؤمنة تتسلق القمة في عطائها الروحي، وفي انقيادها لله عز وجل، والحرص على رضوانه.

فقد حدث أن كان علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، وخادمتها فضة بصدد اداء صيام نذرٍ، وعند افطار اليوم الأول طرق باب الدار مسكين قد استبد به الجوع، فحملت تلك الأسرة المطهرة طعامها جميعه إلى ذلك الطارق ايثاراً له، ولحاجته على حاجتها، وطلباً لما عند الله تعالى من مثوبة، مع ثقتها انها لا تملك لسد جوعها طعاماً غير الذي بذلت!

وتستمر تلك الأسرة المباركة على صيام نذرها لليوم الثاني على التوالي حتى إذا غربت شمس اليوم الثاني طرق باب الدار يتيم فآثر أهل البيت # اطعام اليتيم على اطعام أنفسهم..

ويستمر الصيام لليوم الثالث، وهو آخر أيام النذر، فيطرق أسير باب دار أهل البيت # بحثاً عن اطعامه من جوع، فيؤثر أهل البيت # اطعامه على اطعام جوع استمر ثلاثة أيام.. انه ايثار من أجل الله تعالى لا يتسنى الاّ لذلك النموذج من البشر لينهضوا به ، والاّ فجوع ثلاثة أيام لا ينتظر منه غالباً أن يتعامل بالمشاركة في الطعام فضلاً عن الإيثار به ، ولكنها روح الإيمان، والرغبة لما عند الله تعالى من مثوبة عظمى إذا تحكمت في النفوس قدمت للتاريخ عبراً تشرق بها صفحاته.

ولقد عطر كتاب الله العزيز بشذى مديحه موقف أهل البيت # وأشاد بطريقة اطعامهم للمحتاجين ، وكشف عن عمق اخلاصهم في بنية العمل الصالح الذي أقدموا عليه، ووعدهم بجزيل الثواب يوم لقائه، قال تعالى:

}وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا{([101]).

4- أما الطاعة للقيادة، فقد بلغت القمة في أبعادها، بشكل لا يحدثنا تاريخ الجماعات،والشعوب، والقيادات بنظير له، ولنضرب مثلاً لذلك بما حدث في معركة بدر الفاصلة بين الحق، والضلال:

فقد خرج المسلمون بقيادة رسول الله @ لاعتراض القافلة التجارية التي يقودها أبو سفيان، وكانت اهتماماتهم الأساسية لا تخرج عن اطار تلك العملية، ولكن الموقف سرعان ما تغير بعد ما علم المسلمون أن قريشاً قد هبت للدفاع عن قافلتها بعد أن بلغها نبأ تحرك المسلمين لاعتراضها.

وهنا اقتضت طبيعة الموقف الجديد أن يضع رسول الله @ أصحابه أمام الحقيقة، ويطلعهم على تطورات الموقف، ليضعهم أمام مسؤولياتهم في مواجهة الظرف الجديد.

صحيح أن قلة قليلة من ضعاف النفوس قد استبد بها الفزع، والوهن، وربما لاموا رسول الله صلى الله عليه وآله ـ وهذا ليس من غرضنا ذكره هنا ـ غير ان اغلب المؤمنين مثلوا قمة الطاعة في تلك الساعات العصيبة، وعبروا عن صدق نواياهم ، واخلاصهم.

فقد وقف المقداد بن عمرو، وخاطب الرسول القائد @، بعبادات تقطر طاعة، وتصميماً، واخلاصاً:

>.. والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا، وشوك الهراس، لخضناه معك، والله لا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى: اذهب أنت ، وربك، فقاتلا انا ها هنا قاعدون ، ولكنا نقول : امضي لأمر ربك، فأنا معك مقاتلون}.

وأعقبه لسان الأنصار، والناطق الرسمي بأسمهم سعد بن معاذ بقوله:

Ø  .. فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت ، واترك منها ما شئت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، ولعل الله أن يريك ما تقربه عينك، سرْ بنا على بركة الله <([102]).

وفي دنيا المسلمين السابقين في الإيمان أمثلة حية من هذا القبيل!

ولو أردنا أن نستقصي نماذج أخرى من تلك التحولات النفسية والاجتماعية في حياة المسلمين في التجربة الإسلامية الأولى لطال بنا الحديث، فليست التحولات الكبرى التي شهدتها التجربة الإسلامية مقوصورة على حركة الجهاد فحسب سواء في المواقف، والوضع النفسي للمسلمين : في الطاعة، أو البذل، أو المواجهة، وانما غطى ذلك التحول كل الحقول الإنسانية، فتحول فتحوُّلٌ في العلاقات الاجتماعية، وتحول في النظرة للقضايا، والمصير، وتحول في الولاء، والطاعة و، و.. .

فنسيان الماضي، والتوجه نحو حياة جديدة في قاعدتها الفكرية، وكافة تشعباتها كان الغباء التحول الكبير في دنيا المسلمين، حتى أن الرجل يسرق دون أن يطلع على أمره أحد من الناس، فيأتي رسول الله @ طالباً اجراء العقوبة عليه خوفاً من أن ينقص حظه من الأجر في الآخرة، .. وقد حدثت بعض حوادث الزنا فجاء بعض الفاعلين طواعية يلتمسون أن يطهرهم قضاء الشريعة الإسلامية من تبعات الذنوب!

وماذا أعدد لك من مظاهر التغير في مسيرة الإنسان الذي عاش تجربة الإسلام الأولى:

انسان الوثنية المادية يركل الأصنام ليدعوا إلى الله الواحد الأحد!

انسان التزمت القبلي يتنازل عن قبليته فيحمل بأخلاص رسالة الأسرة العالمية الواحدة!

انسان واد البنات يدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة!

انسان الاثرة، والظلم يتحول إلى داعية صادق لمجتمع التكافل والضمان الاجتماعي في اطار الأخوة الإنسانية!

وانسان العنف، والفظاظة يتحول إلى انسان محبة وسلام!

إلى غير ذلك من مظاهر التبدل الجوهري العميق في ظل الدين الإلهي الجديد.

 

 


 

([1]) بحار الأنوار جـ9 ص7 وصحيح الترمذي جـ11 ص30 .

([2]) نهج البلاغة.

([3]) الكافي / الشيخ الكليني (رض)

([4])

([5]) الفروع من الكافي حره (كتاب النكاح) ص494 .

([6]) التكاثر 1- 3 / 3 ـ فاطر /5 4 .

([7]) تحف العقول / ابن شعبة الحراني ص22 .

([8]) نهج البلاغة ص539 موبئ، ذو وباء مهلك، القلعة ، عدم السكون للاستيطان أحظى: أسعد ، البلغة، ما يكتفى للقوت.

([9]) القصص/ 77.

([10]) الأعراف /32.

([11]) كلمة الرسول / للشيرازي ط1 ص124.

([12]) نهج البلاغة ص545

([13]) تراجع رسالة الحقوق في وسائل الشيعة مجلد11 باب (جملة مما ينبغي القيام به من الحقوق الواجبة والمندوبة ص131 ـ ص138.

([14]) آل عمران/ 14ـ 15

([15]) النساء /77.

([16]) الأنعام/ 32.

([17]) آل عمران/189.

([18]) فاطر/ 11 ـ 13.

([19]) المجادلة /7.

(3) الرعد/ 9ـ10.

([20]) المجادلة /7.

([21]) التوبة/ 31.

([22]) الميزان ص9 البحث الروائي ص254 ط2 بيروت الاعلى.

([23]) الأعراف/ 54.

(3) يوسف /40.

([24]) الأعراف/ 54.

([25]) الأحزاب.

([26]) الملك: .

([27])

 

(3) النساء

([28])

([29])

([30]) شرائع الإسلام/ المحقق الحلي (رض) كتاب التجارة، وتحرير الوسيلة / الإمام الخميني كتاب التجارة ايضاً.

([31]) نهج البلاغة باب المختار من الحكم رقم النص 319.

([32]) نهج البلاغة باب المختار من الحكم 388.

([33]) نهج البلاغة باب الخطب رقم النص 225/اليسار: الغنى/ الاقتار: الفقر.

([34]) نفس المصدر باب المختار من الحكم رقم النص 328.

([35]) (2)(3) الفروع من الكافي/ الشيخ الكليني (رض) كتاب المعيشة.

(4) عهد أمير المؤمنين $ إلى واليه على مصر مالك الأشتر (رض).

([37])

([38])

([39])

([40])

([41])

([42])

([43]) نهج البلاغة / عهد الإمام $ إلى واليه على مصر مالك الأشتر(رض).

([44]) نهج البلاغة.

([45]) الآية 3 من سورة النساء.

([46]) الآية 24 من سورة النساء

([47]) الآية 5ـ 6 سورة المؤمنون.

([48]) الآية 3 من سورة النساء.

([49]) الآية 3 من سورة النساء.

([50]) الآية 3 من سورة النساء.

([51]) الآية 3 من سورة النساء.

([52]) الآية 78 من سورة النحل .

([53]) الآية 78 من سورة النحل .

([54]) الآية 190 من آل عمران.

(3) آية 46 من سورة الحج.

(3) سور 109 من سورة يوسف.

([55]

([56]) الآية 69 من سورة النحل .

([57]) الآية 69 من سورة النحل .

([58]) الحج /46.

([59]) الحج /46.

([60]) الحج /46.

([61]) الحج /46.

([62]) لقد ... 740 م)

([63])

([64])

([65])

([66])

([67]) مناهج البحث عند مفكري الإسلام د. علي علي سامي النشار ط3/ 1966 دار المعارف ص372.

([68]) المصدر السابق ص383.

([69]) الإسلام والعالم المعاصر : انور الجندي دار الكتاب اللبناني ط2 1980 ص310 .

([70]) المعالم الجديدة للأصول / السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قد) ط النعمان النجف الأشرف 1385 هـ ص40 .

([71]) الاحزاب.

([72]) المعارج

([73]) النساء

([74]) المعارج

([75]) المعارج

([76]) الاعلى

([77]) الفجر

([78])

([79]) الاسراء.

([80]) الاسراء.

([81]) الاسراء.

([82]) شرائع الإسلام/ المحقق الحلي كتاب الجهاد >الركن الأول<.

([83]).البقرة

([84]).التغابن

([85]).الحج.

([86])تحرير الوسيلة / جـ1 الإمام الخميني ط3 1397 هـ ص10.

([87])

([88]) الأعلى 16 ـ17.

([89]) التوبة.

(3) النساء.

(4) نهج البلاغة ص557.

(3) النساء .

([90]) التوبة.

([91]) التوبة.

([92]) التوبة 120 ـ 121.

([93]) التوبة/ 111.

(3)البقرة /261.

([94]) التوبة 120 ـ 121.

([95]) الكامل : ابن الأثير المجلد الثاني (ذكر غزوة تبوك < .

([96]) التوبة 92 ـ 93 كما يراجع تفسير الآيتين في كتب التفسير.

([97]) الميزان في تفسير القرآن/ العلامة الطباطبائي جـ9 سورة الأنفال ص142، والبحث الروائي بعدها.

([98]) الأنفال/ 75.

([99]) سيرة دخلان ص170 وما بعدها.

(3) الحشر /9.

([100]) سيرة دخلان ص170 وما بعدها.

([101]) الدهر / 8 ـ 12 .

([102]) بحار الأنوار/ الشيخ المجلسي جـ 19 ص218، والميزان تفسير سورة الأنفال حـ9 ، الغضا: اشجار الأثل، الهراس: شجر له شوك طويل.

Untitled-1