وقفة عند المصطلحات الحديثة 13/9/1378 حرصت الرسالات والمذاهب الاجتماعية والأحزاب والمدارس الفكرية والأدبية والفنية ـ قديماً وحديثاً ـ أن ترمز إلى وقد صار للمصطلح قاموس واسع، بل لكل حقل في الحقول قاموس يحمل مصطلحات: فللمذاهب الاجتماعية مصطلحاتها وللفلسفة مصطلحاتها، وللمدارس الأدبية مصطلحاتها و. و... بشكل يشعرك ذلك بحتمية وضرورة وجود المصطلحات من كل حقل معرفي في دنيا الإنسان. وفي كل آن تتلقى اللغة سبلاً من هذا اللون من المفردات لم تكن لتعرفه غالباً، ويساهم في إشاعة المصطلح بين الناس أمران: أ ـ فاعلية مروّجية بما يملكون من وسائل إعلامية مختلفة. ب ـ الحاجة إلى استعماله وإذا شاء امرؤ أن يستقصي المصطلحات المطروحة في الساحة في بلاد المسلمين اليوم لرأى عجباً، فهناك تشكيلة ضخمة منها دون أن يجمعها جامع، ولا تربط بينها وشيمة، فمصطلحات إسلامية إلى جانب مصطلحات مذهبية ذات هوية خاصة، وغالباً ما يختفي المصطلح الإسلامي على لسان وسائل الإعلام الرسمية في المنطقة ويستبدل غيره به، حتى لقد استعمل بعض الإسلاميين مصطلحات طارئة على ساحة الفكر الإسلامي، فتبنوها وكأنها من مفردات القاموس الإسلامي، كما نشاهد في كتابات وتأليف كثير من الكتاب الإسلاميين المعاصرين، كما في استعمال: اشتراكية الإسلام، والديمقراطية الإسلامية والقومية الإسلامية ونحو ذلك. وحيث أن كل رسالة أو مذهب اجتماعي أو حزب سياسي حريص على تبني مصطلحات محددة ليعبر من خلالها عن نمط من الأصالة فضلاً عن تحديد مفاهيمه في وعاء خاص به، تعرف من خلالها هوية المفاهيم والآراء والأفكار بمجرد اطلاقها ـ إطلاق المصطلحات فقد أصبح لكل مذهب أو حزب أو رسالة مصطلحات خاصة به ـ نرى ذلك جلياً في الحضارات والمذاهب القديمة والحديثة على حد سواء، وإذا أغضضنا الطرف عن القديم ومفاهيمه ومصطلحاته، فأن الفكر المعاصر، بجميع مدارسه وحقوله حافل بقواميس من المصطلحات خذ مثلاً المذهبين الاجتماعيين اللذين يحتلان مركز الثقل في الأرض اليوم ترى لكل منهما مصطلحاته المحددة الخاصة به، فالصراع الطبقي، والمادية الديالكتيكية، حكومة والبروليتاريا، والانحدار الطبقي وسواها مصطلحات تتبناها الاشتراكية الماركسية في الفكر والتربية والأعلام وحقوق الإنسان، والحرية الاقتصادية والستار الحديدي والدول النامية وسواها مصطلحات اخترعتها المدرسة الرأسمالية الديمقراطية وقد راجت مصطلحات المذهبين: الفكرية والاجتماعية والسياسية وغيرها في الساحة الفكرية في المنطقة، وتبناها ذوو الأقلام في التأليف والصحافة واستعملت في التربية المناهج الحزبية والأدب والفن وسواها من حقول، الأمر الذي ساهمت في فرضه عوامل عديدة: 1 ـ النشاط الإعلامي المكثف الذي يمارسه أصحابها. 2 ـ لتبني تلك المصطلحات من قبل العملاء الفكريين في المنطقة وإبرازها في أبحاثهم ومؤلفاتهم. 3 ـ تفشي الأمية الفكرية وعدم الوضوح لدى الكثير من أبناء هذه الأمة مما يساهم في تبنيهم لمصطلحات الغير ومفاهيمهم. 4 ـ فقدان الأصالة في التفكير وعدم الثقة بالنفس من لدن إنسان المنقطة. 5 ـ غياب التجربة الإسلامية عن مسرح الحياة العملية والتي يترتب على وجودها تفجير للطاقات الإسلامية في كل اتجاه. وإذا كانت المصطلحات تعبر تعبيراً دقيقاً عن جهات نظر ومبادئها أن تكون لنا مصطلحاتنا الخاصة التي تصلح وعاء لأفكارنا ومنطلقاتنا وتصوراتنا، وإلا فأن اقحام المصطلحات الدخيلة على أدبنا ومفاهيمنا يعتبر ضرباً من التبعية للغزو الفكري وتمييعاً للأصالة وحرفاً لاتجاهات التشريع الإسلامي عن مساره وتجاوزاً لبعض الحدود الشرعية ـ على الأقل ـ ومن هنا فأن الكاتب الإسلامي أنى وجد مسؤول عن إدراك أهمية المصطلح الذي يستعمل أو يتبنى على حاضر الأجيال المسلمة ومستقبلها. وهنا نواجه سؤالين: الأول: هل للإسلام مصطلحات خاصة به وهل تستوعب المتغيرات الحديثة؟ الثاني: ماذا نترك وماذا نتبنى من المصطلحات المستجدة في الساحة الفكرية؟ وللإجابة على السؤالين المذكورين معاً نقول: ان الإسلام الحنيف قد طرح في ساحة الفكر قاموساً خاصاً به من المصطلحات سواء ما جاء منها في القرآن الكريم أو سنة المعصومB أو من خلال الدراسات الفقهية والأصولية والكلامية وسواها وهاك نماذج من المصطلحات الإسلامية الخاصة: المشرك، المنافق، أهل القبلة، دار الإسلام، الأرض الخراجية، الجهاد، اليمين الغموس، أهل الثغور، الجاهلية، ذات الشوكة، التوبة، الإباحة بالمعنى الأعم، أهل الذمة، البغاة، العصمة والإمامة وغيرها مما يشق احصاؤه، وبالطبع فأن لكل من هذه المصطلحات مدلوله الخاص الذي يعبر عنه وبين ثنايا التجربة الثقافية الإسلامية ينبوع ثر يمد الأجيال المعاصرة بالغنى عن تجاب الآخرين.. بيد أن من الضروري أن نشير على أن طبيعة التحولات في دنيا الإنسان تفرض التماس مصطلحات جديدة للتعبير من خلالها عن مواقف أو مبادئ أو تفسيرات إسلامية أو غير إسلامية جديدة فبحكم التغيرات المصاحبة لمسيرة الإنسان عبر حياته، يتحتم طرح مصطلحات جديدة، وهكذا تصبح حركة المصطلحات أمراً ضرورياً تقتضيه طبيعة التحولات في الحياة الإنسانية، وأن من شروط حيوية أية رسالة أو مذهب اجتماعي أن يكون قادراً على ابتكار مصطلحات جديدة ترفد بها مسيرة الإنسان لتعبر بها عن نكساته واخفاقاته وضعفه أو انتصاراته ومواطن قوته وانجازاته في كل حقل. ومن هنا فأن المفكرين الإسلاميين والحركات الإسلامية مسؤولون مسؤولية مباشرة قبل غيرها عن توفير مصطلحات مناسبة للتعبير عن مفاهيم وأوضاع ومواقف وأفكار تستجد في الساحة أما موقفنا من المصلطحات الوافدة فتحدد بصرامة من خلال طبيعة نفس المصطلح. فمن غير المشكوك فيه أبداً أن المصطلحات الوافدة أو المبتكرة محلياً ـ مع افتراض لا إسلاميتها ـ تنشطر إلى نوعين: أولاً: مصطلحات ذات صبغة حضارية خاصة كالاشتراكية والديمقراطية والمادية الجدلية وغيرها، وهي أسماء لمسميات محددة، فالاشتراكية نظام خاص لتوزيع الثروة، والديمقراطية نظام سياسي معني له مدلوله ومنطلقاته وصيغته الخاصة، والمادية الجدلية مصطلح فلسفي ماركسي محدد الأبعاد والدلالة وحتى إذا أطلقت بعض المصطلحات من هذا القبيل على تجارب عديدة أحياناً، فأن اطلاقها ناجم عن اشتراك التجارب المذكورة في خط فكري عام، فللاشتراكية مثلاً ـ وان تعددت اسماؤها ـ كالاشتراكية العلمية والاشتراكية الديمقراطية والاشتراكية العربية ونحوها، فأنها ـ جميعاً ـ تقوم على اعتبار الملكية العامة أساساً للنشاط الاقتصادي في دنيا الناس، وعلى أساس ذلك المحور تقوم التشريعات وتحدد القوانين، هذا إذا كان المتبنون لها أصحاب مبادئ يحرصون على تطبيقها، أما إذا كانت المسألة من أجل الاستهلاك المحلي ومن أجل مسايرة الموظة أو العمل على ترفيع النظام الرأسمالي المتبنى ـ فأن حديثنا لا يعني هذه المواقف والمهم في الأمر أن الإسلام يرفض هذا النوع من المصطلحات كما يرفض المفاهيم التي تعنيها لتناقضها الحاد مع رسالة الله تعالى أساساً. ولأن تلك المصطلحات تعبر عن صيغة حضارية وفكرية معنية تحمل روحها ومراميها، ومن هنا فأن إطلاق الاشتراكية أو الديمقراطية وغيرها من مصطلحات من هذا القبيل على الإسلام أو تسمية الإسلام أو جانب من مبادئه بها يعتبر تبعياً للرسالة الإسلامية وتطويعاً لها ومصادرة لروحيتها وبالتالي تقديم أكبر التسهيلات لنجاح المذاهب الوضعية واشعاعتها في صفوف الأمة واعطائها صفة شرعية. ثانياً: مصطلحات ذات طابع حيادي تعطى فرصة لتداولها من قبل مدارس فكرية متعددة، وهذا اللون من المصطلحات وان نشأ أساساً بفعل تأثير فكري معين، إلا انها تبقى محتفظة بروح مرنة قابلة من خلالها للتداول من قبل مدارس أو مذاهب مختلفة كمصطلح العدالة الاجتماعية والحرية والواقعية وغيرها. وموقفنا من هذا اللون من المصطلحات على ما فيها من مرونة وحيادية ـ انما يقتضي الدقة والتحديد الموضوعي لكي لا ننزلق باتجاه المفاهيم والأفكار التي استعملت ـ المصطلحات ـ وعاء لها. فالشريعة لا تمنع ابتداء من استعمال مصطلحات من هذا القبيل لكنها تشترط أن يراعى في تداولها من قبل المسلم المعاصر روح الشريعة وأبعادها ومفاهيمها... فالعدالة الاجتماعية مثلاً لفظ حيادي يستخدمه المذهب الرأسمالي والمذهب الاشتراكي والشريعة الاسلامية، غير ان اشتراك الجميع في استعمال المصطلح لا يعني انها متماثلة في المدلول أبداً فأن لشريعة الله عز وجل وجهتها المحددة في العدالة الاجتماعية، وللرأسمالية مسارها واتجاهها الخاص وللاشتراكية مرماها ومنطلقاتها المذهبية في الأمر وما قيل عن العدالة الاجتماعية يقال عن الواقعية، فهو مصطلح مستجد لم يرد قطعاً في الأدوات التعبيرية التي استعمالها الرسالة الإلهية، لا في كتاب الله العزيز، ولا في سنة المعصومين الأربعة عشرF، إذ أن الرسالة لم تعنى ـ وهي بصدد طرح مفاهيمها وتصوراتها للكون والحياة والانساب والمجتمع بوضع هذا المصطلح غير أن روح الشريعة لا تحول دون استعمال هذا اللفظ أو غيره من الألفاظ المرنة غير المتقولبة بقالب حضاري معين، فأنت ترى أن مصطلح الواقعية تستخدمه المذاهب الفلسفية وكثير من المذاهب الأدبية والفنية الحديثة على ما بينها من تضارب حاد في المنطلقات والتفاصيل، الأمر الذي يعبر عن مرونة اللفظ وانقياده لغير واحد من المفاهيم والمدارس، ومن هنا فلا مانع من استعمال المصطلح المذكور للتعبير مثلاً عن اعتراف الشريعة الإسلامية بجوعات الإنسان الطبيعية وطاقاته وأشواقه ومراعاتها لحالات الضعف الإنساني شريطة أن نتجنب عند استعماله الوقوع في خطأ أو التباس. وهكذا فنحن مدعوون للتمييز بين المصطلح >المحايد< من المصطلح >المنتمي< فيما نتعامل معه من مصطلحات حديثة فنفيد من الأول ونفرغ عليه الصيغة الإسلامية الخاصة، ونرفض الآخر كما نرفض المفاهيم التي يعبر عنها. والحمد لله رب العالمين
|