Untitled-1

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبينا وحبيب قلوبنا محمد وآله الطيبين الطاهرين الميامين، لا شك ان حركة الأنبياء والرسل #مليئة بالدروس والعبر لأنهم مربوا ومعلموا البشرية وكانت حركتهم تُعبر عن الحقيقة وتُعرب عن الواقع في مفاصل الزمن ومقاطع التاريخ، والحقيقة تمتد بامتداد الزمان.

ولذا كان هناك الكثير من البحوث والدراسات في مسيرة الأنبياء #وكل دراسة أخذت جانباً معيناً من تلك المسيرة الشريفة والحركة المباركة وزاوية محددة منها.

وها نحن في دراستنا هذه نتناول من الحركة النبوية جانب المواجهة والتحدي لها لسلط الضوء على أهم العوامل والأسباب لهذه المواجهة واستكشاف المؤثرات والبواعث التي ساهمت في حشد الجهود لمناهضة ومقاومة الأنبياء #.

ثم درسنا كل عامل بصورة مستقلة طبعاً بعد تقسيم العوامل إلى نفسية وخارجية باعتبار منشأها.

ولا يخفى بأن عدة عوامل وبواعث قد تجتمع عند قوم يواجه نبيه لكنا أبرزنا العامل المهم في هذا المجتمع وهذه الأمة المواجهة لنبيها، وقد نرى عاملاً حاضراً عند جميع الأقوام التي واجهت انبياءها ، فمن الممكن ان تكون بعض العوامل مشتركة في تنشيط المقاومة ضد الأنبياء # في جميع تاريخ الحركة النبوية.

فكانت منهجية البحث هي تقسيم الدراسة إلى ثلاث فصول وخاتمة .

الفصل الأول : عبارة عن بحوث تمهيدية مرتبطة ببيان مفردات عنوان الدراسة وتعريف بأهداف بعثة الأنبياء #وتناولنا كذلك السنن الاجتماعية لأن العوامل المبحوث عنها تشكل موضوعاً للسنن الاجتماعية، لأنها أعمال اجتماعية وليست فردية لها امتداد جماهيري وموج اجتماعي كما سنوضح هذا في البحث عن موضوع السنن الاجتماعية.

الفصل الثاني:

تناول دراسة العوامل النفسية لمواجهة الأنبياء #فكانت أربعة هي الاستكبار واتباع الهوى والجهل والحسد ثم دراسة مفاهيم هذه العوامل ومدلولاتها ومؤثراتها وكيفية تأثيرها على المجتمع المقاوم لنبيه.

الفصل الثالث:

تناول دراسة العوامل الخارجية لمواجهة الأنبياء#ولقد كانت ثلاثة هي تزيين الشيطان واتباع الآباء والأجداد والأموال.

الخاتمة:

ذكر فيها خلاصة البحث والدراسة.

ثم كان من المقرر ان نعقد فصلاً مستقلاً في النقاط التالية عموم مواجهة الأنبياء وأساليب مواجهة الخصوم وكيف قوبلت هذه المواجهات من قبل السماء.

إلا أنه قد بحثت هذه المواضيع والنقاط بشكل مفصل في كتاب خط الأنبياء والمواجهة لمؤلفه الشيخ محمد علي جواد الذي وفىّ وكفى جزاه الله خيراً.

وأرجو من الأخوة ان لا يبخلوا عليَّ بملاحظاتهم ونكاتهم لأتداركها هذا وأتمنى من الله تعالى ان يثيبني على عملي هذا ويغفر لي ولوالدي ولأخواني المؤمنين والمؤمنات إن الله رؤوف بالعباد


 

 

 

 

 

الفصل الأول

بحوث تمهيدية

(1) بيان مفردات عنوان البحث

(2) أهمية البحث

(3) الذين كتبوا في الموضوع

(4) الهداية قانون عام

(5) السنن الاجتماعية


 

بحوث تمهيدية:

بيان مفردات عنوان البحث وعوامل مواجهة الأنبياء في القرآن.

العوامل: المراد بها في هذه الدراسة مجموعة المؤثرات والأسباب التي كانت المحرك والدافع الرئيسي لمناجذة ومقاومة الأنبياء# سواء كانت هذه الأسباب نفسية المنشأ أم خارجية.

المواجهة : >هي المقابلة<([1]) بين الطرفين لغة اذ تقول واجهه أي قابله وهي من باب المفاعلة التي تستدعي وجود طرفين متقابلين ولا نخرج عن المعنى اللغوي لها فالمراد بها في البحث هي مقابلة فئة الخير المتمثلة بالأنبياء 240 لفئة لاشر المتمثلة برجالات الكفر والعصيان.

النبي:  مأخوذ من النبأ لغة وهو بمعنى الخبر

(فالنبأ:  مهموز الخبر، والنبوة لولا ما جاء في الحديث لهُمز، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينبئ الأنباء عن الله عز وجل([2]).

وقال الجوهري في الصحاح :

والنبأ: الخبر تقول: نبأ ونبَّأ ونبَّأ أي أخبر ومنه أخذ النبي لأنه أنبأ عن الله تعالى([3]).

أما النبي في اصطلاح أهل العقائد هو >إنسان كامل مخبر عن الله تعالى بالوحي<([4])

القرآن:

معجزة الإسلام الخالدة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والنور الهادي والصراط المستقيم الذي من تمسك بهداه ونهجه فاز ونجى.


 

أهمية البحث:

الوقوف على تلك العوامل والأسباب ورصدها لأنها تمثل السقوط والتخلف للمجتمعات بشكل عام لأنها لا تخص مجتمعاً دون آخر.

والسقوط الذي يأتي من جراء تلك المؤثرات هو سقوط الحضارة وسقوط العقل وسقوط الأخلاق وسقوط كل ما من شأنه ان يأخذ بيد الإنسان إلى الرقي والكمال لأن دعوات الأنبياء #ترسم المشروع الإنساني المتكامل وكل مقومات البناء فالتصدي لرجالات الحق، والوقوف ضدهم معناه الوقوف بوجه التقدم والازدهار.

وإذا كانت هذه العوامل لا تقتصر على مجتمع دون آخر أو أمة دون أخرى وتمثل السقوط بجميع أشكاله.

فحري بنا نحن اتباع الإسلام والمجتمع الذي يعتبر عصارة المجتمعات السالفة وعصارتها لابد لنا من تجنب نقاط الضعف والخطوات المنحرفة التي وقعت بها الأمم السابقة والتركيز على نقاط القوة والمنهج الصحيح لنكون بحق خير أمة أخرجت للناس وخير أمة أريد لها أن تحتل موقع الصدارة بين الأمم فمن هنا تأتي أهمية البحث في هذه العوامل ويمكن أن ندون تلك الأهمية ضمن نقاط:

الاطلاع على عوامل المواجهة للأنبياء#وهي تعتبر عوامل انحراف يفتح لنا نافذة التعرف على طبيعة تلك المجتمعات وكيفية تفكيرهم تجاه قوى الخير.

التعرف على  مواطن الضعف لئلا تنزلف في تلك المهاوي ووحول الإنحراف.

فالظروف الاجتماعية في كل اعصر تتمخض عن مختلف من الحوادث العذبة والمدبرة وبذلك يجتاز الإنسان مختبراً شاقاً يعرف به جوهر ذاتهم فهو يسعى دائماً للتغلب على الظروف الصعبة ويحاول اخضاعها لسيطرته وارادته وتجاوز مراحل الضعف والوهن:

الاستعداد لمواجهة المشاكل التي منيت بها الأمم السابقة والتخطيط للمستقبل.

لأن الأمراض والآفات الاجتماعية في التاريخ قابلة للتكرار ومن خلال دراسة تلك الآفات وتحليلها يتسنى للإنسان ان يواجه الحوادث بتعقل وتدبر أكثر وأن يصون نفسه ومجتمعه تجاه عوامل الإنحراف وأسبابه بالتمسك بالطريق القديم والصراط المستقيم.

معرفة سنن الله عز وجل في هذا الكون لأن السنة لا يمكن أن تتبدل او تتغير وإنما يتغير المصداق والشكل فعلل الإنحراف مثلاً لا تختلف وإنما الذي يختلف أشكال وألوان الإنحراف التي تتبدل وتتغير تبعاً لتغير الظروف.

الذين كتبوا في الموضوع

يمكنني  القول بأنني لم اعثر فيما طالعته وقرأته من مصادر ذات صلة بموضوع البحث عن كتابة واضحة وممنهجة ضمن تأليف معين أو كتاب يضم بين دفتيه أسباب أو عوامل مقاومة الأنبياء # والتركيز بشكل دقيق وتسليط الضوء عليها ودراستها بصورة موسعة.

لكن كانت هناك اشارات في كتاب هنا وكتاب هناك لبعض تلك العوامل مثلاً ذكر صاحب تفسير الأمثل العلامة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في الجزء الأول تحت عنوان (منهج البقاء وعوامل السقوط) شيئاً من تلك العوامل.

حيث يقول:

>عوامل السقوط فهي عبارة عن تفكك البنية الاجتماعية ونشوب النزاعات والحروب الداخلية بين الأفراد والمجتمع واستصعاب بعضهم البعض<([5])والذي يعني الاستكبار والطغيان..

ثم يتابع القول..

ان الازدواجية في الالتزام بأحكام الله تعالى عامل هام من عوامل السقوط يدفع بالأفراد لأن يتحركوا حول محور مصالحهم الآنية الذاتية الضيقة فيلتزموا بالقوانين التي تحفظ لهم منافعهم الشخصية ويتركوا القوانين النافعة للمجتمع([6])

}أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض{

فالازدواجية التي أشار اليها الشيخ تمثل مصداق من مصاديق اتباع الهوى.

وكذلك وردت اشارات في تفسير من هدى القرآن للعلامة محمد تقي المدرسيي في الجزء الثالث تحت عنوان (صفات المستكبرين)([7]) وتحت عنوان (أسباب الحضارة ومراحل حياة


 

الأمم)([8]) وكذلك تحت عنوان (طريق الانحدار)([9]).

وجاء في كتاب خط الأنبياء والمواجهة لمحمد علي جواد ذكر وبيان لبعض تلك العوامل والأسباب فمثلاً قال تحت عنوان (أسباب الأعراض).

>وأما خصوم الرسل فلإعراضهم أسباب كثيرة<([10]).

أولاً: حب الدنيا والانشغال بما فيها من أموال وبنين.

ثانياً: عدم التمييز بين الحق والباطل (الجهل).

ثالثاً: الاستكبار.

وذكر صاحب الكتاب نفسه تحت عنوان (لماذا يتهم الطواغيت وأتباعهم الأنبياء ورسالاتهم وأنصارهم بالجنون).

حيث قال:

(من المعلوم أن الطاغية غالباً يرى نفسه أنه على صواب وان الدنيا كلها تقوم وتقعد له فاذا ما سمع كلمة حادة تخدش كبرياءه وتنال من عزته وجبروته ([11]) فحينذٍ يتتهم صاحبها بالجنون حتى يوهم الآخرين من حوله بأن صاحب هذه الكلمة خارج دائرة العقل الجمعي.

والذي يدفع الطواغيت لتلفيق وتهمة الجنون التي تعتبر شكلاً من اشكال المواجهة هو الاستكبار والاستعلاء، وايضاً ذكرت بعض من هذه العوامل في تفسير المنار لمؤلفه سيد محمد رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده تحت عنوان موت الأمم أو أسباب سقوط الأمم.

فجاءت محاولة دراسة(عوامل مواجهة الأنبياء في القرآن) التلم ذلك الشتات وتلك الكلمات المتفرقة من هنا ومن هناك على الله سبحانه ان يوفقنا لمرضاته.


 

الهداية قانون عام:

ان قانون الهداية الإلهي للمخلوقات التي أشارت اليه الآية الكريمة }ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى{([12]) شامل للإنسان الذي يدخل في دائرة مخلوقات الله ومن ضمنها، وقد تمثلت آلية هداية الإنسان بارسال الرسل وبعثة الأنبياء #ليمثلوا السفارة الإلهية لخلفه وأمناءه في أرضه من أجل هداية الناس وارشادهم وحل الاختلافات وتوطيد دعائم العدل ليتحقق العدل الاجتماعي ومحاربة جميع اشكال وألوان الفساد في الأرض وينبهوا المجتمع على عدم الانزلاق في مستنقعات الرذيلة والانحطاط وليأخذوا بأيدي الناس إلى حيث رضوان الله عز وجل لأن السعادة الحقة هي الاقتراب من رضا الله ورضوانه والشقاوة هي الابتعاد عن الله والسير مع ركاب الشيطان الركون إلى خندقه.

فارشاد الإنسان إلى ما فيه منافعه ومصالحه في الدنيا والآخرة لا يتم بشكل كامل الا بالشرع وعلى يد أنبياء الله عز وجل فالعقل البشري، محدود والتجارب الحاصلة للبشر عبر التاريخ لا تفي ولا تسد حاجات الإنسان لأن حاجات الإنسان غير محصورة بالعالم المادي وما وراء المادة لا يمكن للعقل أن يغور في تفاصيله ودقائقه والحس والتجربة فنطاقها المادة وما هو محسوس فأني لها الوصول إلى عالم الغيب والولوج اليه.

وكذلك التزكية والتنزيه من أولويات وظائف الأنبياء # ولذا اختار الله تعالى للنبوة الرسالة من بين الناس عباداً صالحين وأولياءاً كاملين ليكونوا قدوة وأسوة للآخرين وليسوقوا الناس إلى السعادة والكمال.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى غايات وأهداف بعثه الأنبياء في عدة مواضع منها:

}كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه{ ([13])  }رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله


 

حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً{([14]).

}وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون{ ([15]).

}لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين{([16]).

}هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين{([17]).

بيد أن المشروع الإصلاحي التغييري النبوي لم يتحقق ويشق طريقه إلى الواقع الاجتماعي من دون مواجهات وتحديات تذكر بل بدأت المحاولات من الجماعات التي تمثل قوى الشر المقابلة لقوى الخير المتجسدة بقافلة الأنبياء وركب الرسل #بدأت بوضع العراقيل والمعوقات في طريق الحركة الإصلاحية وهذه القوى لم تكن مستعدة للتنازل أو الإنصياع لإرادة الحق والخير فهي لم تدّخر وسعاً يمكنه ان يمنع الأنبياء وكل ذلك من أجل ان تحقق مصالحها القصيرة الأمد وبالطبع  أن هذه المناجزة للحق وأتباعه لم تكن وليدة الفراغ ومن دون عوامل ومؤثرات نفسية وخارجية  ساهمت بشكل وبآخر في ولادة أنواع من المقاومة والمجابهة لجبهة الحق.

ونحن أردنا وبتوفيق من الله تعالى الموقوف على تلك البواعث والمؤثرات.


 

السنن الاجتماعية:

ان البحث في السنن الاجتماعية له علاقة وثيقة مع بحث عوامل مواجهة الأنبياء#لأن الأخيرة تدخل ضمن الأعمال الاجتماعية التي قامت بها الأمم السابقة تجاه انبياءها # والعمل الاجتماعي يُشكل موضوعاً للسنن الاجتماعية كما سيأتي بحثه انشاء الله تعالى:

وحيث أن السنن الاجتماعية تجري على اللاحقين كما جرت على السابقين كما وردت هذه الحقيقة عن النبي الأكرم@حيث قال:

>لتركبُنَّ سننَ الذين من قبلكم خدو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو أن رجلاً منهم دخل حجر ضب لدخلتموه..< ([18]).

وفي رواية أخرى عن الشيخ الطوسي في كتاب الآمالي عن النبي@قال: }تؤخذون كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع حتى لو أن أحدأً من أولئك دخل حجرضب لدخلتموه{([19]).

فحري بالأمة الإسلامية وبنا نحن المسلمين أن نعرف سنن وقوانين الانحطاط الضعف وسنن الرقي والتقدم.

فاكتشاف قوانين المجتمع الذي تسيره وتتحكم في حركته نعرف من خلاله موضع أقدامنا من هذه السنن والقوانين{.


 

ألسنة اللغة

السنة مفرد السُنن

(سنَّ : هو جريان الشيء وإطراءه في سهولة والأصل قولهم سنتُ الماء على وجهي أسنَّه سناً إذا أرسلنه إرسالاً ومما اشُتق منه السُنة وهي السيرة وإنما سميت بذلك لأنها تجري جرياً([20]).

وقد قال صاحب لسان العرب:

قد تكرر في الحديث ذكر السُنة وما تصرف منها والأصل فيه الطريقة والسيرة)([21]).

فأذن السنة معناها في اللغة الطريقة والسيرة التي تجري جرياً فلا يسمى العمل الذي قام به الشخص مرة واحدة سُنة الا ان يتكرر ويسري ويتعداه إلى غيره.

ومنه قوله تعالى:

}فهل ينظرون الأسنة الأولين فلن تجد لسُنة الله تبديلاً ولن تجد لسُنة الله تحويلا{([22])

أي لأن تجد لسيرة الله تعالى وطريقته التي جرت على الأولين تغيير أو تبديل بل تجري في اللاحقين كذلك إذا تحققت شروطها وتوفرت ظروفها.

أما المراد بالسنن في مورد البحث

(هي عبارة عن قوانين تتحكم في مسيرة التاريخ وفي حركته وتطوره )([23]).

أو هي (القوانين المتحكمة بالتحولات والتطورات التي تنقل المجتمع من مدحلة إلى أخرى)([24]).

اذن المراد بالسنن الاجتماعية القوانين أو الطرق التي تؤدي إلى رقي المجتمع وتقدمه أو إلى سقوطه وتخلفه فالانعطافات التي تمر بها الأمم والشعوب سواء كانت انعطافات تقدمية أم تأخرية فهي ناتجة ومتولدة عن تلك القوانين والسير التي تهيمن على الحركة الاجتماعية.


 

القرآن والسنن الاجتماعية

ان القرآن الكريم يؤكد وجود سنن وقوانين اجتماعية تخص الأمم والشعوب ككيانات اجتماعية بغض النظر عن كونهم أفراداً وأن هذه القوانين تجري في جميع المجتمعات السابقة واللاحقة من دون فرق.

وفي مجموعة من آيات الذكر الحكيم ( حصل الحث الأكيد على الاستفادة من الحوادث الماضية وشحذ الهمم لايجاد عملية استقراء للتاريخ، وعملية الاستقراء للحوادث تريد أن تفتش عن سنة عن قانون وإلافلا بمعنى للاستقراء من دون افتراض سنة او قانون)([25]).

يقول تعالى:

}قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فأنظروا كيف كان عاقبة المكذبين{([26]).

}وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً فنقَّبُوا في البلاد هل من محيص ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو أَلقى السمع وهو شهيد...{ ([27]).

}فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمةٌ فهي خاويةٌ على عروشها وبئر معطَّلة وقصر مَشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور{([28]).


 

موضوع السنن الاجتماعية

قبل أن نعين موضوع السنن الاجتماعية ونحدده نقدم مقدمة تتضمن معرفة نوعين من الاعمال وهما الأعمال الفردية والأعمال الجماعية.

وما هو الفرق الجوهري بين العمل الفردي والعمل الاجتماعي.

العمل الفردي: هو العمل الذي لا يتجاوز صابحه ولا يتخطاه إلى إلى غيره مثل أكل الشخص أو نومه او شربه فهذه مجموعة من التي حدودها صاحبها فقط.

العمل الجماعي:-

هو العمل الذي يتعدى الشخص العامل إلى غيره مثل الاعمال التجارية أو الأعمال السياسية فهذه الأعمال لها امتداد اجتماعي ويشترك غير العامل معه في هذه الاعمال.

ويقول السيد الصدر رحمه الله للتفريق بين الجملتين:-

ان العمل الفردي

هو الذي يحمل بعدين هما السبب والهدف فالشرب مثلاً عمل فردي يحتاج إلى الشارب وهو السبب إلى الهدف وهو الارواء([29]).

أما العمل الجماعي:

هو العمل الذي يحمل أبعاداً ثلاثة هم السبب والهدف وان تكون أرضية العمل هي المجتمع أي العمل الذي يخلق موجاً يقوى العامل فان عمل السياسي عمل اجتماعي لأن ارضيته هي المجتمع والأمة فهو غير محصور ومقصور على السياسي نفسه بل له امتداد وسعة إلى الآخرين.

بعد ان عرفنا الفرق بين العملين يتبين ان مصب السنن الاجتماعية وموضوعها هو العمل الجماعي الذي له سبب الذي يمثل الفاعل وله هدف التي تمثل الغاية المنشودة من العمل والذي تكون دائرته أوسع وأكبر من العامل بل له موج يتعدى فاعله كما يقول المفكر الشهيد السيد الصدر &.


 

خصائص السنن الاجتماعية

الاستمراد والاصراد أي انها لا تقف عند مجتمع ما او أمة دون أخرى فهي ممتدة بامتداد التاريخ ولا تتخلف بل هي قانون عام وشامل لكل المجتمعات، وهذه الحقيقة تؤكدها آيات القرآن الكريم.

فقوله تعالى:

}ولن تجد لسنة الله تبديلاً{ ([30])

فسنة الله لا تتبدل تبدل الشعوب الأمم ولا تتغير فهي مستمرة ودائمة.

ولا تجد لسنتنا تحويلاً {([31]).

فلا يمكن أي يأتي زمان تتحول فيه السنة الإلهية بل هي ثابتة وقائمة ما دامت هنالك أمم وما دام هناك مجتمع.

ان السنن الاجتماعية مرتبطة بالله ومنتهية اليه حيث ان كل الانظمة الكونية والقوانين المودعة في هذا الكون تنتهي إلى الله عز وجل فالسنة قد اضيفت إلى الله عز وجل في الآية الشريفة (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) فالله سبحانه واضع هذه القوانين والأنظمة فهي ترجع اليه تعالى..

لكن لا يتوهم بان ذلك معناه الغاء نظام السببية والمسببية بين الأشياء بل معناه ان الله عز وجل هو الذي أراد لهذه الأنظمة والقوانين ان تجري ضمن نطاق العلاقات القائمة على التأثير والتأثرين الأشياء.

مدخلية اختيار الإنسان في جريان السنن الاجتماعية فليست السنة تقيد حرية الإنسان وتحد من اختياره بل للإنسان مطلق الحرية والاختيار ضمن دائرة السنن الاجتماعية.

ولنوضح الفكرة بمثال الانسان الذي يقف عند مفترق طرق فهو مختار في سلك أي طريق يريد وكذلك عندما يختار طريقاً ويلج فيه يستطيع ان يغير مساره إلى آخر فهذه الطرق عبارة عن السنن الاجتماعية فالإنسان الاختيار نوع الطريق منذ البدء وله الاختيار في اثناء الطريق لكن عندما يصل إلى نهاية الطريق فحينئذٍ تجري عليه سنة هذا الطريق فهو باختياره سلك الطريق وكان بامكانه تغييره.

ولنرى هذه الحقيقة في القرآن الكريم.

يقول تعالى:

}ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{ ([32]).

فالله سبحانه لا يغير الوضع الاجتماعي للناس الا من بعد ان يجروا هم تغييراً في أنفسهم ودواخلهم.

وكذلك الآية }وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءاً غدقاً { ([33]) ،فالناس بيدهم الاستقامة وعدمها فهم الذين يختارون أحد الأمرين([34]).

ومن أراد الاطلاع أكثر فليراجع المدرسة القرآنية صفحة 75.


 

(نماذج من السنن ذكرها القرآن الكريم)

}وان كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك الا قليلاً منة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا{ ([35]).

هذه الآية تؤكد سنة تاريخية اجتماعية وهي تخاطب النبي@وتقول له ان أهل مكة يحاولون استفزازك لتخرجمن مكة لكن إذا خرجت من مكة لا يلبثون بعدك الا قليلاً وبالفعل لما خرج النبي@متوجهاً إلى المدينة لم تلبث جماعة مكة الا قليلاً أي انها لم تلبث، ولم تبقى ككيان معادي صاحب أفكار وارادات ضد الحق بل اندحرت بعد عدة سنوات حيث ان أهل مكة لما اخرجوا النبي @ لم ينزل عليهم العذاب بل بقوا كأفراد لكن لم يبقوا كجماعة لها ثقافة المعادات والسطوة على الإسلام والمسلمين.

وهذه سنة قد جرت مع الرسل الذين قبلك وان المواجهة إذا وصلت إلى حد اخراج الرسول والنبي@فانهم سوف يتفتت كيانهم الاجتماعي.

}ولقد كُذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا وأُذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله { ([36]).

هذه الآية الكريمة تثبت سنة نصر الرسل وتقول للرسول@ان النصر يأتي من بعد مخاضات تمر بها الدعوة لله من ايذاء وتكذيب من قبل الاعداء وصبر وثبات من قبل الرسل وهذه السنة هي كلمة من قبل الله لا تتبدل وقانون لا يتغير على مر التاريخ.

}لما جاءهم نذيرٌ ما زادهم الا نفوراً استكباراً في الأرض ومكرَ السيء ولا يحيق المكر السيء الا بأهله فهل ينظرون الا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا{ ([37]).

هذه الآية تبين ان المستكبرين في الأرض يرفضون نداءات السماء لأن الاستكبار قد عشش وهيمن على فكرهم وسلوكهم والمكر السيء الذي يتعاطونه ويمارسونه سوف يحيط بهم أي ان ما يفعلونه من أعمال سيئة تعود نتائجها وعواقبها عليهم وهذه سنة الهية لن تتحول ولا تتخلف.

}م حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتيكم مثلُ الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله الا ان نصر الله قريب{([38]).

وهذه كذلك سنة تبين العلامة بين دخول الجنة وبين ظروف الشدة، العنت المواقف الضاغطة المؤلمة التي تمد بالمؤمنين الذين تحدق اعينهم إلى الجنة فالآية الشريفة تقول للذين يطمعون ان يحصلوا على النصر والجنة من دون ان يمروا بهذه الصعاب والهزاهز انكم لستم استثناء بل هنالك سنة ثابتة عند الله عز وجل جاءت في الذين خلوا ومضوا وتجري عليكم ايضاً.


 

الفصل الثاني:

العوامل النفسية

لمواجهة الأنبياء عليهم السلام

الاستكبار

معنى الاستكبار

تاريخ الاستكبار

مناشىء الاستكبار

الاستكبار وأقسامه


 

الاستكبار

يعتبر الاستكبار من الرذائل الأخلاقية، الأمراض النفسية التي تطال الأفراد والمجتمعات نتيجة قيم التفاضل المصطنعة والغربية عن الفطرة الانسانية للتمييز والتفضيل بين الناس، هذه القيم المستقاة من الذهن البشري والتفكير الانساني المحدود الذي يجافي (باصطناعه هذه القيم) الرواية القرآنية التي تجعل التقوى، والقرب من الله عز وجل هي القيمة الحقيقية للتفاضل بين الناس والمعيار الذي على اساسه يحصل التمايز بينهم حيث يقول تعالى وان اكرمكم عند الله اتقاكم).

بينما نشاهد أن الأسس البشرية تتخذ وتعتمد العرق أو اللون أو القوة أو الغنى اساساً لتفضيل بعض الناس على بعض هذا التفضيل الذي يولد بطبيعته فئتين فئة يعطيها لباس الاستكبار والتسلط والهيمنة لأنها تملك الهيمنة والاخرى يعطيها لباس الاستضعاف والقهر والظلم لأنها مجردة عن تلك القيم فالاستكبار يمثل أفضع واشنع سنن الانحراف في تاريخ المجتمع البشري ويمثل أزمة واهتزاز في القيم الأخلاقية لان المستكبر ينتفخ ويتورم حتى يصل إلى حالة القميّة والمطلقية بحيث يرى نفسه أن في القمة وما تحته يتلاشون في نظره وانه مطلق وغيره نسبي.

ويمثل المستنقع الكبير الذي سقطت في وحلوه مجتمعات وغرقت فيه أمم حتى ماتت أفكارها واختلت وتحصلت دعائمها.

وسنقف انشاء الله تعالى على ماهية هذا الداء وتاريخه ومناشأه ونرى نماذج من المصابين بهذا الداء من المجتمعات انه كان السبب وراء وقوف أعداء الحق والأنبياء#لنداءات السماء ودعوات أولياء الله تعالى للسير على الصراط المستقيم.


 

معنى الاستكبار

الاستكبار مأخوذ من (الكِيد بالكسر الذي بمعنى العظمة والتجبر([39]) فالاستكبار لغة: التعَّظم([40]).

وجاء في كتاب المعجم الوسيط الكبير: العظمة والتجبر([41]).

استكبر: امتنع عن قبول الحق معاندة([42]).

وتكبّر: تعّظم وامتنع عن قبول الحق([43]).

وقال صاحب المختار في صحاح اللغة:

(لكِبر: (معنى العظمة)([44])ويأتي (معنى التجبر كذلك)[45]).

والتكبر والاستكبار: التعظّم ([46]).

أما الكِبر والاستكبار اصطلاحاً.

فالكِبر: هو عزة وتعظم يوجب رؤية النفس فوق الغير واعتقاد المزية والرجحان عليه([47]).

والتكبّر والاستبكار: هما الأعمال الظاهرة من جراء الكبير الذي هو خلق في الباطن{([48]).

بعبارة أخرى ان رؤية النفس فوق الغير من دون صدور فعل على الجوارح يسمى (كِبر) ومع صدور الأعمال الظاهرة يسمى تكبَّراً واستكباراً اذن الاستكبار هو الأثر المترتب والنتيجة الحاصلة للحالة الفوقية التي يعيشها المستكبر في نفسه والتي تستوعب ذاته وتستوطنه ويستغرق فيها.


 

تاريخ الاستبكار

عندما نغور في أعماق التاريخ وقبل التاريخ وحتى ما قبل الخليقة نجد بأن أول المتكبرين والمتعالين الذين أراد ان يلبس لباس الكبرياء والعظمة ابليس الذي انتفخت أوداجه لما أُمر بالسجود لآدم اشباعاً لغريزة الاستكبار التي كان يعيشها وامعاناً في حب الذات والانانية.

وإنطلاقاً من عقدة الأفضلية لم يسجد لمخلوق مصدر خلقه بالطين الوضع بزعمه اعتمد على تصوراته التي اساسها الجهل في تفصيل عنصره وأصله الناري على الطيني.

إبليس هو الذي أسس لهذه الرذيلة وأرسى قواعدها فبداية هذا الداء كان على يد ألد أعداء الإنسانية ألا وهو الشيطان الذي طَرد وأبعد من ساحة النعيم إلى الجحيم.

والقرآن الكريم يبين هذه الحقيقة

يقول تعالى:

}وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين{([49]).

}ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجوا إلا ابليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك ألا تسجد إذا امرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين{([50]).

}واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس قال ءأسجد لمن خلقت طيناً{([51]).

} قال با ابليس مالك ألا تكون مع الساجدين:

قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون{([52]) والامام علي $له خطبة في نهج البلاغة بهذا الشأن التي يصف فيها ابليس ويذكر عبادته الطويلة وكيف جرد من امتيازاته نتيجة الكبر، وهو الذي كان بعد من الملائكة وفي زمرتهم حيث يقول $.

}فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ احبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدري أمِن سني الدنيا أم سنيّ الآخرة عن كبر ساعة واحدة فمن بعد إبليس يسلمُ على الله بمثل معصيته كلا ما كان الله سبحانه ليُدخلَ الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحدٌ، وما بين الله وبين أحدٍ من خلقه هوادةٌ في إباحة حمئ حمامه على العالمين{([53]).

ثم يذكر الإمام سلام الله عليه بأن داء الكبر والاستكبار معدي وينتشر ولذلك يحذر العباد من عدوة الشيطان لئلا يصابوا به حيث يقول $.

}احذروا عباد الله ان يُعدِيكم بدائهِ وان يستفزكم بندائه وان يُجلبً عليكم بخيله ورجَله{([54])

بعد ذلك يبين الامام $ في خطبته ان الاستكبار سنة انحراف للأمم اسقط ابليس فيها أمم ماضية ومجتمعات سالفة وهذا أمر مستمر وقضية ممتدة بامتداد التاريخ .

(فالله الله في كبد الحمية وفخر الجاهلية فإنه ملاقحُ الشنان ومنافخ الشيطان التي خدع بها الأمم الماضية والقرون الخالية حتى أعنقوا في عنادس جهالته ومهاوي ضلالتِهِ ذُلُلاً على سياقه سُلُساً في قيادةِ أمراً تشابهت القلوب فيه وتتابعت القرون عليه)([55]).

مناشىء الاستكبار

ان ظاهرة الاستكبار كأي ظاهرة اخرى لها مناخاتها وظروفها ومناشأها التي أتاحت لها الظهور كمرض اجتماعي وفردي ينخر في أعماق الخلية الاجتماعية ويفتك بالقيم الانسانية، ويمكننا ان نجدد المناخات التي تساعد على نمو بذرة الاستكبار لتصبح شجرة تلقي بضلالها على جميع مناحي الحياة بثلاث حسب الرواية القرآنية.

أولاً: القوة

ثانياً: السلطة

ثالثاً: الغنى

القوة:

ان الانسان يحب القوة  والسيطرة ويكره الضعف والعجز وهذا الشعور يشمل جميع أفراد البشر لأنه غريزي.

الا أن غريزة حب السيطرة والقوة كغيرها من الغرائز هي غريزة عمياء لا تدرك العدل والانصاف ولا تعرف معنى للفضلية والأخلاق وتطالب باشباعها دون ان تهتم لقيود أو حدود، فان اطلق العنان لهذه الغريزة واطاعها بنو الانسان بلا ضوابط فيستخبط المجتمع ويسود فيه الهرج والمرج ([56]) القوي فيه يأكل الضعيف والكبير يدمر الصغير([57]).

وستكون هنالك أرضية خصبة لظهور استكبار واستغلال الطبقة القوية الطبقة الضعيفة الهينمنة على مقدرات الشعوب المسحوقة.

لكن الشارع المقدس كبح جماح هذه الغريزة وغيرها لتشير في الاتجاه الصحيح فنجد ان القوة قد وظفت في سبيل الجهاد من أجل اعلاء كلمة لا اله الا الله ليكون الانسان كادحاً نحو الله عز وجل بجميع غرائزه وادركاته  وبكل جوانبه.

القوة منشأ للاستكبار في القرآن الكريم

(النموذج الأول)

في سورة النمل عند سرد قصة النبي سليمان $مع قوم سبأ الذين كانوا يعبدون الشمس من دون الله عز وجل واتبعوا خطوات الشيطان بتزينه اعمالهم:

بعث النبي سليمان $إلى ملكة سبأ كتاباً يدعوهم فيه إلى عبادة الله عز وجل باتيانه مسلمين حيث يقول القرآن الكريم }إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي ّ وأتوني مسلمين{([58]).

إن النبي سليمان $كان يدرك جيداً بأن من كان صاحب قوة وسلطان لا يستجيب إلى من يدعوه لسلوك طريق الحق بسرعة لأن قوته وسلطته يساهمان في تبلور حالة التعالي عنده ولذا نرى تعبير النبي $يقول (ألا تعلو عليَّ)

تم بعد ذلك تتابع السورة بيان ردة فعل الملكة من كتاب النبي سليمان $وقومها واستشارتهم في الامر.

}قالت يأيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون{([59]).

بيد أن قومها كان جوابهم لها بانهم أصحاب وقوة أي ركنوا إلى قوتهم وتباهوا بها بانهم بقوتهم وسلطانهم يمكنهم ان يترفعوا ويتعالوا عن قبول دعوة النبي سليمان لهم فانطلاقهم بدأت من قوتهم لبلورة موقف رافض ومتعالي ضد كتاب سليمان النبي@.

}قالوا نحن اولوا قوة وأولوا بأسٍ شديد والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين {([60]).

(النموذج الثاني)

في سورة فصلت تتحدث الآية الخامسة عشر منها عن قوم عاد التي }كانت بلادهم في البادية وكانت لهم زرع ونخل كثير ولهم اعمار طويلة وأجسام طويلة{([61]).

(نهم كانوا من العمالقة الذين يملكون أجساداً قوية تمكنهم من اقتلاع الصخور الثقيلة من الجبال العالية إلى الوديان السحيقة ومن حمل الاثقال بشكل فوق العادة وربما كان لهذه القوة غير العادية تأثيراً على الشعور الذاتي بالشخصية المستكبرة المتعالية)([62]).

إذن عاد كانوا يتميزون بقوة أجسادهم وشدة ابدانهم قوة استثنائية تحلوا بها، وروي عن أبي جعفر الباقر $>كانوا كأنهم النخل الطوال فكان الدجل منهم يضرب الجبل بيده فيهدم منه


 

قطعة وكانوا يعبدون اصناماً سموها آلهة<([63]).

هذه القوة أصبحت مدعاة لهم للتكبر على نبيهم هود $الذي بعث لهدايتهم فكذبوه وجحدوا بآيات الله تعالى.

يقول تعالى:

}فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هواشة منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون{([64]).

تكبروا ولم يتبعوا خطوات نبيهم  هود $بل اتبعوا أوامر جبابرتهم وأسيادهم حدقوا أجسامهم القوية وقاماتهم الطويلة وعضلاتهم المفتولة ومادروا بأن الله هو صاحب القوة المطلقة ومادونه ضعيف وحقير وإن تعملق وطغى في نفسه.

فقوتهم كانت جداراً شاهقاً يصدهم عن عبودية الواحد الأحد فظلوا يرسفون في عبودية الاوثان والأصنام.

يقول تعالى:

وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رُسُله واتبعوا أمر كل جبار عنيد{([65]).

ثم أنه في سورة هود يبين القرآن الكريم ويؤكد بأن القوة التي يتمتع بها قوم عاد هي نعمة من الله عز وجل إذا ما روعيت ووظفت في الاتجاه الصحيح فإنها سوف تزداد وتنمو.

يقول تعالى

} يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تقولوا مجرمين{([66]).

السلطة:

السلطة والحكومة ضرورة تفرضها طبيعة العلاقات الاجتماعية لان علاقة الانسان بأخيه الانسان إذا لم تكن ضمن ضوابط معينة ولم تفنن بالشكل الصحيح فإنه سوف تكون هناك فوضى عارمة تسود المجتمع.

لأن كل واحد يريد أن يلبي احتياجاته من دون مراعاة لحقوق الآخرين لأن هناك تعارضاً في المصالح وتزاحماً في المصالح وهناك آمالاً ورغبات تطلعات الأمر الذي يؤدي إلى التنافس الاختلاف والتناحر الصراع بين الانسان وأخيه فمن هنا جاءت أهمية الدولة والسلطة لتحل هذه الاشكالية.

بيد أن السلطة عندما تكون تكريساً للذات، وأداة للاستيلاء والسيطرة على مقدرات الشعوب، وسوط لاذع، يحد من حرياتهم وسيف يقطع رقابهم فانها حينئذٍ تتيح لذويها فرصاً كبيرة للاستغلال والانتفاع والاستكبار }لأنها بطبيعتها مصدر قوة وانها سيادة {([67]).

فالاستئثار بحب السلطة والملك يخلق امواجاً من التحدي والمواجهة ضد طريق الهدى والنور الذي يحمل مقبسه الأنبياء #ولنرى كيف يكون الملك السلطة مدعاة للاستكبار من خلال الآيات القرآنية ولنذكر نموذجين بهذا الشأن.

ملك نمرود:

يعتبر نمرود القمة في الاستكبار، التعالي على الله وعلى نبيه آنذاك إبرهيم الخليل $ادعى الالوهية لنفسه واحتال على قومه وسوق منهم حرية الفكر والتأمل ليحولهم إلى بهائم يسوقها كيف يريد لا تعي ولا تبصر الهدى، وهو أول جبار ومتكبر([68]) يدعي هذا الادعاء.

أخذه بريق الملك واسكرته السلطة بنشوتها حتى بُعث النبي إبراهيم $ليحرر الانسان الذي عاشر تحت نير سطوته وطغيانه ليحرر فكره وعقله وارادته من قيود عبادة الانسان إلى عبادة الله تعالى.

يقول تعالى:

}ألم تر إلى الذي حاج إبرراهيم في ربه أن آثاه الله الملك اذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبُهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين{([69]).

يلاحظ في قوله تعالى (أن آتاه الله الملك، الواردة في موارد التعليل لما قاله هذا الطاغية لإبراهيم $أن السبب في هذه الدعوى وفي هذا الطغيان هو رؤيته لنفسه في موقع الملك الذي أعطاه الله إياه فيما يعطيه الله لعباده من الفرص التي يختبرهم ويبتليهم بها ف يالحياة وذلك من خلال الأسباب الطبيعية المودعة في الكون لحدوث الاشياء وفناءها.

وقد تعاظم هذا الشعور في نفسه من خلال مظاهر القوة التي يُحدثها الملك وينميها فتملأ نفس الانسان بالزهو والاحساس بالغطة لا سيما فيما إذا رأى الآخرين يتصاغرون أمامه من موقع احساسهم بالضعف والانسحاق بالمستوى الذي يتحول خضوعهم إلى عبادة([70]).


 

ملك فرعون:

وهذا كصاحبه نمرود حذا حذوه في ادعاء الربوبية الالوهية وكان يمثل الطاغوت المتجبر الذي يقتل من يريد ويستعبد من يريد ويسحق من يريد، استخف قومه فاطاعوه حتى خضعت له الرقاب نتيجة القهر والفتك الذي كان يمارسه ويتعاطاه مع قومه من موقع الملك الاستكباري والسلطة العاتية.

ولم يكن هذا الطاغية يتصور في يوم من الأيام أن يأتي أحد يعكر صفوه ويجروه من سلطانه وملكه خصوصاً الربيب موسى $الذي التقط من اليم.

كيف يخلع لباس الملك؟ ليقدمه بين يدي هذا الاسرائيلي الذي قومه عبيد عند فرعون الذين يمثلون ادنى طبقات المجتمع في امبراطورية فرعون.

يقول تعالى:

}إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسرين{([71]).

ويقول تعالى:

}فأراه الآية الكبرى فكذب وعى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى{([72]).

وكذلك قوله تعالى:

}ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون {([73]).

}وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ... الآية) ([74]).


 

الغنى:

الغنى نعمة من نعم الله عز وجل يهبها لبعض عباده ليقوموا بوظائفهم وواجباتهم الاجتماعية والدينية والاخلاقية، والغنى وسيلة لنيل مرضاة الله عز وجل ووصلة لبلوغ رضوانه تعالى أما عندما يتجرد الغنى عن إطاره الحقيقي وينظر اليه نظرة مستقلة ليتحول إلى هدف وغاية ينشرها الانسان يطلبها لوحدها فحينئذٍ تنعطف المسيرة الانسانية انعاطفة خطيرة تؤدي إلى نشوء العوز والفقر من جانب والترف والبذخ من جانب آخر وظهور الطبقية الاجتماعية طبقة الفقراء المسحوقين وطبقة الأغنياء المترفين فئة المستكبرين الظالمين الذين يمسكون بالمال والثروة وفئة الضعفاء المقهورين الذين يعانون الجوع والحرمان، في أجواء كهذه لا ترى الا }فقيراً يُكابد فقراً أو غنياً بدّل نعمة الله كفراً{([75]).

ولنرى من خلال الآيات القرآنية كيف يكون المال الثروة من وراء حالة الطغيان والاستكبار عند الذين يكنزون الأموال.

(المورد الأول)

في سورة القصص عند التعرض لقصة قارون الذي كان من قوم النبي موسى $المؤمنين وقد كان يقرأ التوراة ولم يكن فيهم أحسن منه صوتاً وكان يسمى المنون لحسن قراءته{([76]).

هذا الرجل الذي كان يعد في طليعة قوم موسى $انقلب على عقبيه وغرق في كنوزه وأمواله الطائلة أصبح لا يبصر الا الدنيا والمال والجاه والثروة فلم يستجب لنداءات موسى$بالرجوع إلى حضيرة الايمان والتقوى ولا إلى صيحات عقلاء القوم بأن يبني بما آتاه الدار الآخرة ويستفيد منه في الدار الدنيا بما يرضي الله عز وجل.

يقول تعالى:

}إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أُوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرن من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يُسئل من ذنوبهم المجرمون{([77]).

(المورد الثاني)

في سورة البقرة عند ذكر بني اسرائيل وقصتهم مع نبي لهم اذ طلبوا منه ان يطلب من الله عز وجل أن يأتي بملك يقاتلون معه عدوهم الذي سامهم الجور، والطغيان وذاقوا مرارة العيش والحياة تحت يديه وهو جالوت القبطي الذي رأ ذلهم وقتل رجالهم، أخرجهم من ديارهم وأموالهم واستعبد نساءهم{([78]).

استجاب الله لهم واختار طالوت حاكماً وملكاً عليهم لكنهم اعترضوا على هذا الاختيار وتكبروا لأن الشخص المنتخب لم يكن من السلالة المالكة التي كانت محصورة في بيت وسبط النبي يوسف $التي كان بيدها المال والثروة ولم يكن كذلك من سلالة النبوة التي كانت في بيت وسبط لأوي بن يعقوب$وطالوت كان من ولد بنيامين أخي يوسف لأمه وأبيه فهو فقير ومعدم وهم اغنياء واقوياء فهم أحق بالملك منه حسب زعمهم الا أن نبيهم رد اعتراضهم بأن طالوت مصطفى من قبل الله تعالى.

قال تعالى:

}وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم{([79]).

(فقد عين الني القائد وأوضح لهم ان التعيين من الله لا من النبي ولم يخفوا اعتراضهم على ذلك لما يحسبونه أساساً للملك أو القيادة وهو القدرة المالية الواسعة التي لا يملكها هذا القائد المعين في الوقت الذي كانوا يؤملون ان يكون القائد أحدهم لأنهم يرون أنفسهم حائزين على هذا الامتياز مما يجعلهم أحق منه بالملك)([80])


 

الاستكبار وأقسامه:

ينقسم الاستكبار باعتبار المستكبر عليه إلى ثلاث لأنه قد يكون استكباراً وتكبيراً على الله عز وجل الذي يمثل مصدر الشريعة والرسالة وتارة على الرسل والأنبياء #وأدبيات تلك الشريعة بصورة عامة وأخرى يكون على الناس الذي يعتبر تكبراً وتعالياً كأدب من آداب الشريعة وهو عدم التكبر والتواضع أمام الناس التي تحث عليه رسالات السماء أجمع.

(1)           الاستكبار على الله تعالى:

اشنع وأفضع أنواع الاستكبار ويدخل ضمن الدائرة الكبيرة الكفر والالحاد ومصداقه التاريخي فرعون ونمرود المتجبر وقد تكررت في ذمه الآيات كقوله تعالى:

}إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{([81])  .

}ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيحشرهم اليه جميعاً{([82]).

وعندما نسلط الضوء على الآيات التي تحدثت عن فرعون مصر مع النبي موسى $نلمس فيها طبيعة شخصية فرعون الظالمة الجاهلة المتمردة التي هيأت الأرضية لأن ينسب فرعون لنفسه ويضفي عليها صفة وسمة الإله المطلق في كل شيء متعامياً عن حقيقته الفقيرة المحتاجة.

بنى فرعون مشروعه السلطوي الطاغوتي على سياسة الاستخفاف والتسطيع لقومه ليملي عليهم ما يريد بكل سهولة ويقول لهم بعد أن فرغهم من الوعي والمعرفة بأنه الاله الوحيد من دون منازع ويوهم عليهم الأمر بأن إله موسى لا يُرى فكيف نذعن ونعبد إله لا يمكن أن تقع الابصار عليه؟ عندما طلب من وزيره هامان ان يبني له صرحاُ ليطلع على إله موسى مستغلاً النزعة المادية عند قومه للأشياء وكأن الاله يقبع في زاوية من زوايا السماء !!

قال تعالى حكاية عن قول فرعوك:

}وقال فرعون يا أيها الملأُ ما علمت لكم من إله غيري فأوقدِ لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين{([83]).

ثم يخرج فرعون إلى قومه مستنتجاً عدم وجود الإله الذي يدعيه موسى$.

تقول الآية الكريمة.

}ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملكُ مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين) ([84]).

أَما ملأ فرعون فإنهم أصبحوا إمعات لم يعطوا لعقولهم الحرية في الانفتاح على البراهين، الدلال البينة التي كانت تجري على يد النبي موسى $ولم يسمحوا لفطرتهم بالرجوع إلى الله تعالى فقعدوا الرؤية الواضحة والتفكير السليم والتعقل المنطقي.

ليتحولوا إلى مجرمين كما يؤكد القرآن ذلك، مجرمون في أفكارهم وعقولهم وسلوكهم فهم جماعة لا تتوانى في الايغال في الاثم والعدوان والتقاط كل عمل يزيد من طغيانهم واستهتارهم يقول تعالى:

}ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين{([85]).

}ثم ارسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا سلطان مبين إلى فرعون وملاءه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين{([86]).

(2) الاستكبار على الرسل والأنبياء:

يمكن ان تندرج أغلب الآيات التي تحدثت عن الاقدام المتعجبة من ارسال البشر ضمن الاستكبار على الرسل $وعدم الانقياد لهم تعزز نفوسهم وترفعها عن ذلك ويبرزون استكبارهم هنا على شكل تعجب أو استفهام استنكاري من النبوة البشرية والرسل الآدمية.

يقول تعالى:

قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون{ 15 يس.

تكذيب القوم للرسل $وعدم التصديق بهم كان بحجة بشرية الرسل مع اعتقادهم بالخالق والرحمن فهم ينأون بأنفسهم عن اقتفاء آثار الرسل.

قال تعالى:

إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا يعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما ارسلتم به كافرون {([87]).

فهم يؤمنون بالرب إلا أنهم يطالبون بقيادة ونبوة ملائكية حتى يصدقوا ويؤمنوا بالرسل بهذا اللون من الكلام يبررون سلوكهم السلبي تجاه الرسالات.

بيد أن الله عز وجل يؤكد في كتابه العزيز حتمية كون القدوة والقيادة والنبوة من نفس جنس المبعوث لهم.

يقول تعالى:

} وما منع الناس ان يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قاوال أبعث الله بشراُ رسولاً قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً {([88]).

} ان هذا المنطق الواهي الذي تحكيه الآية على لسان المشركين لا يخص مجموعة أو مجموعتين من الناس بل ان أكثر الناس وفي امتداد تاريخ النبوات قد تذرعوا به في مقابل الأنبياء والرسل قوم نوح $ مثلاً كانوا يعارضون نبيهم على اساس مثل هذا المنطق ويصرحون أما هنا الا بشر متكلم { ([89]).

أما قوم هود فقد كانوا يواجهون نبيهم بالقول }ما هذا الا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون{ ([90]).

القرآن الكريم أجاب هؤلاء جميعاً في جملة قصيرة واحدة مليئة بالمعاني، والدلالات فقد قال تعالى:

}قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً{.

يعني إن القائد يجب ان يكون من سنح من بعث اليه ومن جنس أتباعه فالانسان لجماعة البشر والملك لجماعة الملائكة.

ودليل هذا التجانس والتطابق بين القائد وأتباعه واضح فمن جانب يعتبر التبليغ العملي أهم جزء في عمل القائد من خلال أنموذج القدوة والأسوة، وهذا لا يمكن ان يتم إلا أن يكون القائد من جنسهم يمتلك نفس الغرائز والاحاسيس ونفس مكونات البناء الجسمي والروحي الذي يملكه كل فرد من افراد جماعته فلو كان المبعوث إلى البشر من جنس الملائكة الذين لا يملكون الشهوة ولا يحتاجون إلى الطعام والسكن والملبس فلا يمكن للمبعوث أن يتمثل معنى الاسوة والقدوة لمن بعث اليهم)([91]).

يقول تعالى حكاية من قوم نوح $

}فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشرٌ مثلكم يريد أن يتفضّل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آباءنا الأولين{([92]).

إن المخالفين وجهوا إلى نوح $ثلاث اتهامات واهية متناقضة واعتبروا كل واحد منها دليلاً ينفي رسالته.

الاولى:  إن ادعاء البشر بأنهم رسل الله ادعاء كاذب حيث لم يحدث مثل هذا في السابق ولو شاء الله ذلك لبعث ملائكته رسلاً على الناس.

الثانية: انه رجل سلطوي وكلامه ادعاء لتحقيق هدفه، (أي التسلط والسيطرة التي عبر عنها القرآن بالتفضل عن الآية).

الثالثة: انه لا يملك عقلاًُ سليماً وكل ما يقوله هو كلام عابر{([93]).

(2)           الاستكبار على الناس:

حثت الأديان والشرائع السماوية على التواضع بين الناس وعدم التكبر والتعالي على الآخرين في نظام العلاقات الاجتماعية وكانت الحكمة من وراء ذلك ان تسود روح التقدير والاحترام للآخر الذي يؤدي إلى التحابب والود.

فتأدية الحقوق الاجتماعية للناس وعدم التجاوز عليهم وامتهانهم واحتقارهم يستوجب التعاون وحسن التفاهم ويقرب ويوثق العلاقات الاجتماعية ويقوي أواصرها.

أما استجهال وتهميش الآخر المبني على أساس القوة الاقتصادية التي تمثل المال والثروة أو القوة البشرية التي تمثل الاتباع والمؤيدين أو القوة السياسية التي تمثل الملك والسلطة يتيح للشخصية المستكبرة بالظهور هذه الشخصية التي تعتمد على سياسة الغاء الآخر واستغلاله بل وحتى استعباده بدل تكريمه وتعظيمه وخنقه واحتقاره بدل الاستفادة من طاقاته وقابلياته ليكون المناخ السائد في المجتمع مناخ الحقد والكراهية وسحق القيم الانسانية.

فالشعور بالعظمة والاحساس الهدمي مرفوض في الموازين الإلهية فالعظة المطلقة والكبرياي المطلق والهيئة المطلقة لله عز وجل وهي داءه فلا ينازعه فيه غيره أيا كان.

يقول تعالى:

}ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور{

(فالمشي في الأرض مرحاً هو المشي في تخايل ونفخة وقلة مبالاة بالناس وهي حركة كريهة يمقتها الله ويمقتها الخلق وهي تعبير عن شعور مريض بالذات يتنفس في مشية الخيلاء) ([94]).

المتكبر يعيش عقد نقص في ذاته وخلل في نفسه وشعور بالأنانية المفرطة التي تعتري كيانه فهو مريض سلوكياً.

يقول الإمام الصادق $:

ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه{([95]).

أنه يجد خفة في وزنه فيريد ان يسدها بالكبر يرى نفسه في القمة والذي يكون في القمة يشاهد الآخرين تحته صغار في نظره وكذلك يرونه صغيراً لأن الإنسان كلما ابتعدا يتلاشى عن الأنظار.

اتباع الهوى:

فقف على عامل آخر وسبب يدخل في خط مواجهة الأنبياء #ومرض وعاهة نفسية تشكل خطراً لا يمكن التغاضي عنه وتجاهله عند دراسة عوامل انحراف الأمم وسقوطها:

فالانجرار وراء الهوى والشهوات التي تمثل الحالة الغرائزية غير المنضبطة والانقياد لها جر مشاكل كانت عواقبها وخيمة وتداعياتها مؤثرة في تغير حركة التاريخ البشري.

ففي ساحة الصراع الطويل بين الحق، والباطل يتجلى الهوى كقوى محركة وطاقة باعثة في نفوس أصحاب الباطل ليحوكوا المؤامرات والدسائس لعرقة جنود الحق ورجالاته من مواصلة النضال والكفاح ضد الفساد بيجمع اشكاله وألوانه.

فنجد أن الهوى يحيق  بفكر أصحابه وعقولهم ليسيطر على تحركاتهم وسكناتهم ومواقفهم من موقع السلطان الأقوى على الإنسان بما يتمتع به من خصائص وعناصر الهيمنة والاستخواذ على فكر وعقل وسلوك إرادة الإنسان، ثم يمارس الغاء المنطق السليم واقصاءه بعيداً ليتسنى له السيطرة على مركز القرار في الدائرة النفسية وتكون جميع القوى الإنسانية تحت مظلته وهيمنته.

معنى الهوى:

الهوى مقصور: هوى النفس: وهوى النفس: إرادتها والجمع الأهواء..

التهذيب: قال اللغويون الهوى محبة الانسان الشيء وغلبته على قلبه قال الله عز وجل: }ونهى النفس عن الهوى { معناه نهاها عن شهواتها وما تدعو اليه من معاصي الله.

الليث: الهوى مقصور هوى الضمير تقول: هوى بالكسر يهوى هوى أي أحب) ([96]).

وقال صاحب المنجد (هَويَ: يهوى هوىً أحبه واشتهاه)([97]).

وجاء في كتاب المختار من صحاح اللغة ان الهوى – مقصور هوى النفس– والجميع الاهواء.

وهَويَ: أحبّ ؟

فأذن تدل لفظة الهوى لغةً على الحب والمحبة وحتى الذي قال بانها تدل على الارادة لأن الارادة مسبوقة بحب للمراد وميل إليه فلا ارادة من دون حب للشيء المراد فهذا من قبيل ذكر السبب وارادة السبب.

والمراد به في الآيات القرآنية الشريفة والأحاديث المباركة للمعصومين #هو حب الشهوات والركون إلى الدنيا والملذات والانقياد للرغبات الرخيصة إلى وهذا ما عبّر عنه الحديث المأثور الذي يدوى عن النبي @ وعن علي$: (إن أخوف ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فيصدُ عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة ([98]).

(فإذا انفتحت على أهوانك وشهواك فإنما تنفتح على خط الضياع لأن الهوى لا ميزان له ولا قاعدة ولا خط، بل هو التيه الذي يتيه فيه الإنسان في صحارى الغرائز والشهوات والتي قد تتحول من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين لأنها تتحرك بحركة غرائزية لا يعرف من أين يبدأ والى أين يسير)([99])


 

.

مواقف بني اسرائيل تجاه الأنبياءء $منطلقة من الهوى:

تحدث القرآن الكريم عن مواقف بني اسرائيل تجاه انبياءهم $واختزلها في آية واحدة  حيث يقول عز وجل في سورة البقرة:-

ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون{([100]).

هذه الآية الشريفة تلخص الحركة الإسرائيلية السلبية ضد الأنبياء الذين بعثوا اليهم وتعتبرها نتاج وافرازات منبثقة عن الهوى والحالة النفسية الشهوانية التي كان يعيشها بنو اسرائيل بعيداً عن منطق العقل والفكر السليم.

وقد وقعت في سياق كان يتحدث عن بني اسرائيل مع النبي موسى وغيره وكيف أن الله تعالى قد منَّ عليهم بنعم جزيلة وعطايا لا تعد ولا تحصى من أنقاذهم من آل فرعون والغرق والجوع والعطش وبعث اليهم انبياء منهم الا انهم قابلوا تلك النعم الجسيمة بحركات تمددية خصوصاً مع النبي موسى $التي طالت اعتراضاتهم جميع مفاصل الحركة الموسوية.

ويقول صاحب تفسير من وحي القرآن بخصوص هذه الآية الآنفة الذكر ( إن القرآن يُجمل القضية في هذه الآية التي يستعرض فيها النبوات من لدن موسى الذي جاء وبيده كتاب الله مروراً بالرسل الذين جاءوا من بعده وانتهاءاً بعيسى الذي أرسله الله ومعه البينات التي تثبت رسالته ونبوته وايده بروح القدس).

إن الموقف الذي يحكم سلوكهم من كل نبي هو موافقته لشهواتهم وأطماعهم وأهوائهم أو عدم موافقته لذلك ([101]).

ويقول صاحب تفسير الأمثل:

}ولقد آتينا موسى الكتاب{ تذكر الآية بعثة الأنبياء بعد موسى مثل داود وسليمان ويوشع وزكريا ويحيى }وقفينا بعده بالرسل{ وتشير إلى بعثة عيسى }وآتينا عيسى ابن مريم البينات{.

لكن تعامل بني اسرائيل كان مع كل هؤلاء الأنبياء قائماً على أساس نزعات هوى النفس([102]).

ويقول سيد قطب في ظلال القرآن:

(ان رسل بني اسرائيل توالت تترى يقفوا بعضهم بعضاً وكان ىخرهم عيسى بن مريم وقد آتاه الله المعجزات البينات وايده بروح القدس جبرئيل $فيكف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل، ولآخرهم عيسى $كان هذا الذي يستنكره عليهم والذي لا يملكون هم إنكاره وكتبهم ذاتها تقرره وتشهد به }أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون{.

هو محاولة إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارئ والنزوة المتقلبة ظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة وانطمست فيها عدالة المنطق الإنساني ذاته المنطق الذي يقضي ان ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت – غير المصدر الإنساني المتقلب – مصدر لا يميل إلى الهوى ولا تغلبه النزوة)([103]).

اذن تعتبر مواقف بني اسرائيل تجاه انبياءهم سلسلة انحرافات وحركات مبنية على أسس الهوى والرغبة الرخيصة والانشداد للميول المادية.

وسوف نسلط الضوء على قصة بني اسرائيل مع النبي موسى $لاكتشاف نماذج اتباع الهوى وهي القصة التي استوعبت واشتملت على أكثر المواقف حساسية في تقييم ومعرفة هذه الامة. فكانت قصة بني إسرائيل مع النبي موسى $من أهم أحداث التاريخ في القرآن ويبلغ اهتمام القرآن باحداث حياة هذه الجماعة مع النبي موسى $حداً عجيباً ومسهباً ويستعرض القرآن فصول ومقاطع هذه القصة غالباً مقطعاً مقطعاً وفصلاً فصلاً ولعل السر في تركيز القرآن على هذا الشعب وهذه الجماعة مع النبي موسى $في سور متعددة ومواضع مختلفة من القرآن هو.

1- بيان موقع بني اسرائيل ومواقفهم التاريخية من أنبياء الله ليتخذ السملمون منهم موقفاً حكيماً في ضوء مساراتهم ومواقفهم.

2- تسليط الضوء على مواقف بني إسرائيل المنحرفة، والمتخاذلة من رسل الله لنقض ادعاءتهم بأنهم شعب الله المختار.

3- ان قصة موسى $وبني اسرائيل ضمت الكثير من التجارب السياسية مما يمنحها طابعاً خاصاً لتكون مثلاً يعتبر به ودرساً للمجتمع التوحيدي.

4- قصة بني اسرائيل ضمت جملة من القوانين والسنن الإلهية.


 

نماذج اتباع الهوى عند بني اسرائيل مع النبي موسى  $

(1) بنو اسرائيل يطلبون من موسى الآله المادي:

يقص علينا القرآن الكريم مقطعاً تاريخياً لبني اسرائيل يُعد انتكاسة كبيرة وتقهقر فضيع في العقيدة، وعدم الإيمان يبدأ بعد أن جاوزوا البحر وانتقلوا إلى ساحل الأمن والاستقرار بدل الخوف والاضطهاد الذي كانوا يعيشونه تحت وطئة الفراعنة المستكبرين رأوا بعد العبور إلى الضفة اأخرى قوماً يعبدون اصناماً فطلبوا حينئذٍ من النبي موسى $ان يجعل لهم إلهاً يعبدونه.

صعق النبي موسى $من سماع هذا الطلب العجيب واهتز كيانه لهول الصدمة انهم يطلبون أمراً وشيئاً اعتمدا فيه على جهالات أساسها الهوى ونسجتها شهواتهم ورغباتهم الدنية التي هي عبارة عن موروث من المجتمع الفرعوني الذي عقد عليهم التصور العقائدي الصحيح وضبّب الرواية على أبصار قلوبهم وعقولهم :

يقول تعالى:

}وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فأتوا على قومٍ يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال أنكم قوم تجهلون{([104]).

لم يتوغل الإيمان إلى أعماقهم ولم يخالط لحمهم ودمهم واتضح ان ايمان بني اسرائيل بموسى $ ورسالته كان حصيلة مجموعة من العوامل أبرزها الظلم الذي لحق بهم والشعور القومي حيث جعل القبول بالرسالة مسألة عاطفية ينادي بها الشعور القومي رغم ان دعوة موسى$استهدفت هداية جميع فئات المجتمع، وليس إيمانهم إيماناً ناشئاً من الاعتقاد الصادق بالرسالة كما برهنت الاحداث بعد ذلك ولأن إيمان بني إسرائيل كان سطحياً فقد تهاوى أمام الاختبارات الحاسمة)([105]).

بنو إسرائيل وعبادة العجل

اتخذ الانحراف والتمدد الثاني الذي مارسه بنو اسرائيل طابعاً تميز به عن الأول حيث أن الانحراف الأول كان على مستوى الطلب والدعوة من موسى $أن يجعل لهم إلهاً يعبدوه لكن الانحراف الثاني عُذر بتطبيق عملي لفكرة عبادة الصنم الاله وسلوكه فعلي تجلى في اتخاذ عجله ذهبي للعبادة انه انقلاب حقيقي وعودة إلى الارث الفرعوني القابع في نفوسهم والحالة الصنمية التي تستوطن أنفسهم بعد سنوح الفرصة بغياب النبي موسى$وذهابه لميقات ربه، وظهور السامري الرجل الذي يعرف جيداً ما تنطوي عليه دواخل بني اسرائيل ويعرف من اين يمسك الحبل حتى خرج اليهم بفكرة العجل الاله التي ما لبثت ان لاقت قبولاً واستحساناً كبيراً من القوم التائقون والمتلهفون لعبادة الاله الصنم والرب المحسوس، يقول تعالى:

}وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرٍ فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين{([106]).

}واتخذ قوم موسى من بعده من عليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين{([107]).

انهم في إقدامهم على هذه الخطوة قد ذبحوا ونحروا العجل قرباناً لرغباتهم وأهواءهم بحيث أصبحوا عاجزين عن التفكير والتأمل في هذا العجل الاله انه إله لا توجد عنده قدرة على الكلام وليس في جعبته مشروع الهداية لطرق الخير والصلاح انه كتلة من الجماد .


 

(3)           طلب رؤية الله عياناً

}واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون{([108]).

(وهذا موقف آخر يحدثنا الله فيه عن طبيعة التمرد التي كانت طابع افراد هذا الشعب فلم يسكنوا إلى ما أفاضه الله عليهم من النعم وآراهم من الدلائل والبينات وخلصهم من المأزق والأزمات مما يومي بعظمة الله ورحمته المتمثلة في ذلك كله بل اعلنوا الموقف المتمرد الذي يهدف إلى التحدي ولا يهدف إلى الإيمان )([109]).

بعد رجوع النبي موسى $من اتمام المقيات وأخبار الله له بأن بني إسرائيل فتنوا وسقطوا في شباك السامري وتسويلات الشيطان غضب النبي موسى عليهم غضباً شديداً.

}ولما رجع موسى إلى قومه غضبان آسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي...!! ([110])

اراد النبي موسى $ان يعيد الأمور إلى وضع ما قبل الانقلاب وعبادة العجل بتحطيمه العجل ونسفه ورميه في اليم وطرد وابعاد أساس وقائد الفتنة وهو السامري وطلب التوبة من بني اسرائيل والرجوع إلى الله عز وجل بعد الإنحراف الذي مارسوه وكانت توبتهم ليست من النوع المألوف بل كانت بحجم العصيان والتمرد الذي حل فيهم فالتوبة تساوي القتل.

}وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذالكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم{([111]).

بعد كل هذه الأحداث يختار النبي موسى $من خيار قومه سبعين رجلاً ليسمعوا كلام الله للنبي موسى $لكنهم اظهروا تمدداً واعتراضاً كان يعتمل في صدورهم ويجيش في نفوسهم وهو رؤية الله جهرةً وعياناً حتى يؤمنوا بان المتكلم مع نبيهم موسى$هو الله.

}واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شِئتَ أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ...{ ([112]).

فهم يقرون بأنهم لم يصلوا إلى الإيمان بعد بل يتحقق بالاجابة لطلبهم.

}وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون{([113]).

فاسرائيل هي اسرائيل هي هي كثافة حس ومادية فكر فهم يطلبون ان يروا الله جهرة والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم الذين اختارهم لميقات ربه ويرفضون الإيمان لموسى الا أن يروا الله عياناً) ([114]).

فاذا كان الخيار والصفوة والنخبة من بني إسرائيل بهذا المستوى من التفكير والتحصل فكيف بعوامهم؟

فالعجل اذن لا زال يراود أفكارهم وصدورهم فإذا كان النبي موسى $قد حكمه ونسفه ورماه في البحر ألا أنه لم ينسف ويحطم ويدمر من سرائرهم وبواطنهم ولا زالت الحالة الصنمية تعيش فيهم.

رفضهم دخول الأرض المقدسة:

هذا الانحراف الرابع الذي يأتي بعد الثلاثة الأول حسب الترتب والتسلسل الزمني وابتلاء واختيار جديد بني إسرائيل بعد عدة اختبارات مروا بها وسقطوا في جميعها وها هم يعيدون الكرة مرة اخرى في رفضهم الدخول للأرض المقدسة ليزيدوا في صفحتهم نقطة سوداء إلى نقاطهم الأخرى وموقف سلبي يسجل في تاريخهم ضد الأنبياء $وسلوك يفهم عن سيطرة وهيمنة للهوى والشهوات على حركتهم ومسيرتهم، فالنبي }موسى $باخراجه لهم من مصر أراد أن يرفع عنهم قيد العبودية للفراعنة واراد غرهم فأخرجهم منها بأمان وسلامة وقد أهلك الله تعالى عدوهم ونجاهم وحينما أراد الانتقال بهم إلى احدى المدن والى مصر من الامصار من بلاد الشام وهي الارض المقدسة) أمتنعوا عليه وتوقفوا وقالوا له : ان فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها ما داموا فيها ولا قدرة لنا على مقاومتهم وقتالهم فلما رغبهم بوعظه ونصائحه  وببيان آياته التي أجراها الله تعالى على يده وعلموا منه الجد في لزوم دخول تلك البلاد وسكنى تلك الأرض المقدسة قالوا له : }اذهب أنت وربك فقاتلا أنا ههنا قاعدون{([115]).

يقول تعالى:

}وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء – جعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون{([116]).

ان بني إسرائيل تنصلوا عن التكليف الإلهي بدخول الأرض المقدسة ليعلنوا عن موقفهم بكل جُرأة وصلافة بأنهم غير داخلين إلى هذه الأرض حتى يخرج منها الجبارون فهم يريدون الظفر والحصول على مكاسب جوهرية من دون ان يقدموا عملاً في سبيل الله ويؤكدون عدم إيمانهم بموسى وبربه بقولهم }إذهب أنت وربك فقاتلا{ أي وقاحة أكثر من هذا الذي صنعه بنو إسرائيل تجاه النبي موسى$.

}قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فإذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون{([117]).

ثم يأتي عقاب الله وجزاءه لهؤلاء القوم المتمردين نتيجة ما اقترفوه من أعمال ويمنعهم سبحانه من دخول الأرض المقدسة بتيهٍ مقداره أربعون سنة.

يقول تعالى:

 

}قال فإنها محرمة عيهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين{([118]).

فلم يشهد تاريخ أمة ما شهده تاريخ بني اسرائيل من قسوة وجحود وتنكر للهداة فقد قتلوا وذبحوا ونشروا بالمناشير عدداً من انبياءهم وهي اشنع فعلة تصدر من أمة مع دعاة الحق المخلصين وقد كفروا اشنع الكفر واعتدوا اشنع الاعتداء وعصوا ابشع المعصية وكان لهم في كل ميدان من هذه الميادين أفاعليل ليست مثلها افاعيل.

ومع هذا كله فقد كانت لهم دعاوى عريضة عجيبة كانوا دائماً يدعون أنهم هم وحدهم المهتدون هم وحدهم شعب الله المختار وهم وحدهم الذين ينالهم ثواب الله وان فضل الله لهم وحدهم دون شريك.

وهنا يكذب القرآن هذه الدعوة العريضة ويقدر قاعدة من قواعده الكلية وان فضل الله ليس حجراً محجوراًَ على عصبية انما هو للمؤمنين أجمعين في كل زمان في كل مكان كل بحسب دينه الذي كان عيه.

}ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون{([119]).

عواقب أتباع الهوى:

(1) اتباع الهوى يؤدي إلى الغفلة:

يقول تعالى:

}... ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمرهُ فرطاً{([120]).

(أغفلنا قلبه حين اتجه إلى ذاته والى ماله والى ابناءه والى متاعه ولذائده وشهواته فلم يعد في قلبه متسع لله)([121]).

وورد من أمير المؤمنين $.


 

(أُوصيكم بمجانبة الهوى فإن الهوى يدعو إلى العمى وهو الضلال في الآخرة والدنيا)([122]).

فلا يمكن أن تجتمع اليقظة والأبصار مع الهوى لأن الهوى يُشكل حالة ضباببية تملئ الأفق النفسي لتحجب العقل من ممارسة أعماله ويكون الهوى الأمير والسلطان الذي يسيطر على كل حركات الإنسان وفكره والعقل ليس له دور في سلطان الهوى الا الأسر والتكبيل بقيود واصفاد الهوى.

فعن الإمام علي $:

(وكم من عقلٍ أسير تحت هوىً أسير)([123]).

(2) اتباع الهوى يؤدي إلى الضلال:

يقول تعالى:

}فإن لم يستجيبوا لك فأعلم أنما يتبعون اهواءهم ومن أضله ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين{([124]).

يخاطب الله عز وجل نبيه الكريم محمد@بقوله }فإن لم يستجيبوا لك{ (أي فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن) ([125]) اللذان قالوا عنهما سحران (وقالوا سحران تظاهرا) ([126]) واجابهم الله على لسان نبيه محمد@على هذا الادعاء (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين{([127]).

فاذا لم يحققوا طلبك ولم يستجيبوا للإتيان بالكتاب الأهدى من هذين الكتابين (التوراة والقرآن) فأعلم يا رسول الله بأن حركتهم ومواجهتهم لك منية على أساس غير ثابت وليس بمتين ومنضبط وقاعدتهم في الانطلاق كانت الهوى وميل النفس لا العقل والتفكير السليم.

(لأن الذي يتبع العقل لابد من ان يتحرك في منطقة من موازينه الدقيقة أما الذي يتبع الهوى فهو الذي يتحرك في منطقة من انعفالاته الذاتية الشهوانية وهذا الذي يضعهم في مواضع الضلال)

ثم يؤكد القرآن بأن متابعة الهوى هي أسوأ الضلال

}ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من الله { لأنه لا يجد قاعدة يقف عليها ولا ملجأ يلجأ اليه ولا نهاية ينتهي اليها في نهاية الطريق بل يبقى في حالة ارتباك واضطراب لأن هدىة الله وحده هو الذي تبين الاقدام هو الذي يركز الخط الصحيح في الاتجاه السليم وبدونه يقع الإنسان في قبضة الضلال الذي يظلم به نفسه) ([128])؟

(3)اتباع الهوى يخرج الإنسان عن طيق الحق:

قال تعالى:

}يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب{([129])

نداء موجه إلى نبي من أنبياء الله الكرام يتضمن تحذيره ونهي من اتباع الهوى لما يؤدي اليه من الضلال عن سبيل الله والعدول عن الصراط السوي.

وهو نداء يتجاوز مورده إلى كافة الناس ليؤصل يوحذر مفهوماً عاماً وقضية شاملة فحواها هو ( ان اتباع الهوى يدفع الإنسان بكل قوة عن مواقع الحق ومواقف الحق الذي يمثلها سبيل الله).

(فالهوى يغوي الإنسان ويسوقه إلى ارتكاب أنواع المعاصي والانزلاق في هاوية الانحراف)

ويزّين القبائح والسيئات في نظر الانسان حتى يصل إلى درجة يفخر عندها بتلك الأعمال الطالحة)([130]).

فهو شبكة إبليس المنصوبة لاصطياد ضعاف النفوس ممن ينقادون وراء أهواءهم وشهواتهم ليسقطوا في فخ إبليس فعن الرسول الأكرم محمد@.

(ان إبليس قال: أهلكتهم بالذنوب فأهلكوني بالاستغفار فلما رأيتُ ذلك أهلكتهم بالأهواء فهو يحسبون أنهم مهتدون فلا يستغفرون)([131]).

اذن فهم كما قال تعالى في كتابه العزيز:

}الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً{([132]).

(4) اتباع الهوى فساد لنظام السموات والأرض:

قال تعالى في كتابه العزيز:

}ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن...{ ([133]).

فإذا كانت السموات والأرض قائمة ومرتكزة على الأهواء المختلفة والميول المتقلبة فسوف ينهار النظام السماوي والأرضي معاً.

(فالخضوع للأهواء يستتبع عدم وجود ضوابط لأي شيء على صعيد التكوين والتشريع لأنه لن يكون منطلقاً من دراسة العناصر الضرورية اتي تضمن للوجود والانسان صلاحه وثباته واستمراره) ([134]).

(أما الحق ثابت وبالحق الواحد يدبر الكون كله فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة ولو خضع الكون للأهواء العارضة والرغبات الطارئة لفسر كله ولفسد الناس معه وأفسدت القيم والأوضاع واختلت الموازين والمقاييس وتأرجحت كلها بين الغضب والرضا والكره والبغض والرغبة والرهبة وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته بحاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد على قاعدة ثابتة ونهج مرسوم لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد)([135]).

(5) اتباع الهوى يؤدي إلى تأليهه:

قال تعالى:

} أفرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا ت     تذكرون{([136]).

(يقول صاحب تفسير الميزان بصدد تفسير هذه الآية وبيانها).

(معنى اتخاذ الاله العبادة والمراد بها الاطاعة فان الله سبحانه عد الطاعة عبادة كما في قوله }ألم أعهد إليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وان اعبدوني{([137]).

وقوله }أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله{([138]).

فالانسان الذي تسوفه أهواءه وميوله قد اتخذ دينه وإلهه ما يهواه فلا يهوى شيئاً الا ركبه وتابع شهواته وغرائزه واطاعها طاعة عمياء وسلّم لها تسليم الدقيق وخضوعهم.

فعن الرسول الأكرم محمد@:

(ما تحت ظله السماء من إلهٍ يُعبد من دون الله أعظم عند الله من هوىً متبعٍ) ([139]).

عن الإمام علي سيد الموحدين $:

(الهوى إلهٌ معبود...) ([140]).

وللإمام أمير المؤمنين $كلمة قيمة يذكر فيها نهج أؤلئك الذين ابتعدوا عن الله واتبعوا شهواتهم وارادهم من دون الرجوع إلى الله عز وجل وشرائع السماء ويتعجب $من سلوكهم وحركتهم الغير مرتكزة على أساس ثابت وصراط قويم.

يقول سلام الله عليه:

لو فيا عجباً ومالي لا أعجبُ من خَطاء هذه الأمة على اختلاف حُججها في دياناتها لا يَقَضونَ أثرَ بنبي ولا يَقتدون بعملِ وحي ولا يؤمنون بغيبٍ ولا يعفون عن عيبٍ يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات المعروف فيهم ما عرفوا والمنكرُ عندهم ما أنكروا مفزعُهُم في المغضلات إلى انفسهم وتعويلهم في المبهمات على آرائِهم كأنّ كلاً منهم أمام نفسه قد أخذ فيما يرى بغير وثيقات بيناتٍِ ولا أسباب ومحكماتٍ([141]).

الجهل:

الجهل حلقة أخرى من حلقات عوامل مواجهة الأنبياء #وبوصلة تشير إلى معاداة الحق وأهله تأسيس على قول أمير المؤمنين $(الناس أعداء ما جهلوا)([142] وضلال يقود إلى الافراط والتفريط (لا ترى الجاهل الا مفرِطاً أو مُفرِّطا)([143]) ومرض يميتُ أصحابه وهم أحياء).

الجهل لغة:

الجهل : (نقيض العلم)([144] ) كما يقول أهل اللغة فقد جاء في كتاب القاموس والمحيط جهله: كسمحة جهلاً وجهالة ضد علحَهُ([145]) ولسان العرب كذلك وغيرها-

لكن العلامة الكبير الشيخ محمد رضا المظفرQيعطي معنى اوسع للجهل حيث يقول رحمه الله.

(الذي يبدو لي من تتبع استعمال كلمة الجهل ومشتقاتها في أصول اللغة العربية أن أعطاء لفظ الجهل معنى يقابل العلم بهذا التحديد الضيق لمعناه جاء مصطلحاً جديداً عند المسلمين في عهدهم لنقل الفلسفة اليونانية إلى العربية الذي استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ وكسبها اطاراً يناسب الأفكار الفلسفية والا فالجهل (والكلام للعلامة) في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة والتعصل والروية فهو يؤدي تقريباً معنى السفه او الفعل السفهي عندما يكون عن غضب مثلاً وحماقة وعدم بصيرة وعلم)([146]).

واستعمال الجهل بالمعنى الواسع الذي يعطي معنى السفه والجري من دون حكمة وتعقل ومن دون الاستثناء إلى أساس علمي متين هو الاستعمال الوارد بكثرة في الكتاب والسنة الشريفة، حيث يقول السيد محمد سعيد الحكيم (ان استعمال الجهل بما يناسب الطيش والحمق والسفه ويقابل الرشد والتعقل والحكمة هو الاستعمال الاشهر في الكتاب والسنة وغيرهما).

ويتابع الحكيم قوله:

(فقد استعمل الجهل ومشتقاته في ما يزيد على عشرين موضعاً من الكتاب الكريم في المعنى المذكور صريحاً أو ظاهراً واشتهر استعماله في ذلك في السنة الشريفة كما يظهر بملاحظة كتاب العقل والجهل من الكافي وغيره وكذا الحال في استعمال اهل اللغة([147])).

فقد جاء في الأصول من الكافي في حديث الامام موسى الكاظم $إلى هشام ابن الحكم في تعداد جنود العقل والجهل (الخيرُ وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل والإيمان وضده الكفر والتصديق وضده الجحود والرجاء وضده القنوط والعدل وضده الجور... (إلى ان يقول $والعلم وضده الجهل والفهم وضده الحمق الخ... ([148])).

اذن للجهل معنايان معنى يقابل العلم وهو ضيق والآخر بمعنى السفه وعدم الحكمة والتعقل وهو أوسع وهو مورد البحث


 

الجهل أدى إلى مواجهة الأنبياء  #:

من خلال تكذيبهم.

يقول تعالى:

}أم يقولون أفتراه قل فأتوا بسورة مثله وأدعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ، بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين{([149]).

الكذب أسلوب من الأساليب التي استخدمت لمواجهة الأنبياء #على امتداد زمن البنوات ولا يكاد يخلو زمن نبوي من أعداء يقاومونه ويواجهونه بسلاح الكذب والتكذَيب.

}فان كذبوك فقد كذبت رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير{([150]).

اذن على طول الخط هذا ديدن الكافرين وأسلوبهم ومنهجهم تجاه أصحاب الرسالات الإلهية والمؤمنين بها.

بيد أن الآية الآنفة الذكر اوضحت بأن تكذيبهم نابع من عدم الاحاطة بعلم المعجزة التي أتى بها النبي محمد@ومستند على الجدهل بالقرآن الكريم فالأساس والركيزة التي علا فوقها الكذب ليسطال ما يدعيه الأنبياء #هو الجهل وعدم العلم.

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعمله) ولم يملكوا حجته فإن من الطبيعي للجاهل ان يتوقف عند حدود جهله فلا يُثبت ولا ينفي الا إذا انطلق في البحث إلى نتيجة ايجابية أو سلبية حاسمة ولكن كثيرين من الجهال الذين لا يطيقون البحث يستعجلون التكذيب ليبرروا بذلك انحرافهم وابتعادهم عن المسؤولية التي يمثلها خط الحق ثم يتحول الأمر عندهم إلى عقدة مرضية مستعصية تدفعهم إلى محاربته والاعتداء على رموزه([151]).


 

الجهل أساس أدعاء بنوة عيسى لله تعالى:

يقول تعالى:

}الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب.... ويُنذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علمٍ ولا لابآئهم كُبرت لحلمة تخرج من افواههم إن يقولون إلا كذبا{([152]).

انها الاسطورة التي عشعشت في الذهن المسحيي والفكر النصارني لتجعل عبد أمن عباد الله ونبياً من انبياءه ابناً وولداً له تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

جعلت النصارى عيسى المسيح $ولداً لله تعالى وأدعت بنوته لله سبحانه منطلقاً من فهم خاطئ وجهل مطبق لعقيدة التوحيد فلم يتحلوا بالفكر المنطقي السليم لتصور صفات الآله الخالق الرب فعقولهم كانت معطلة لا تعمل وبصاءرهم تعلوها الغشاوة – والقرآن يقول عنهم }ما لهم به من علمٍ ولا لآباءهم{

(لأنهم لا يملكون أية أدلة أو براهين على هذه العقيدة بل ينطلقون من انطباعات ساذجة متخلفة ناشئة من الاستغراق في الجوانب البارزة للخصائص غير العادية او غير المألوفة)([153]).

للنبي عيسى $من أحياء للموتى وإبراء للمرضى المستعصي علاجهم بل المستحيل في ذلك الزمن المشتهر بالطب والمداواة.

يقول تعالى:

}يا أهل الكتاب لا تعلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الا مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً{([154]).

خطاب موجه لأهل الكتاب يدعوهم إلى عدم التجاوز والأفراط في تقديسهم للنبي عيسى$فعيسى هو ابن مريم وليس ابناً لله وهو رسول من قبل الله وكلمته.

}ولا تقولوا على الله إلا الحق{

اعتمدوا على الحقيقة العلمية الثابتة وهي ان الله عز وجل يستحيل ان يكون له ولد ولا يمكن هذا الأمر في حقه تعالى لا تعتمدوا على الأباطيل الزائلة والظنون والجهالات الداعية إلى الافراط في تقديسكم لعيسى $انه بشر ومخلوق كما أنتم مخلقون لله عز وجل.

ثم ان المسيح نفسه لم يدعي هذا الدعاء الكاذب فكيف تغلغل إلى نفوس النصارى واستوطن أفكارهم؟

ولم يكتفوا بهذا المقدار من التمادي والتطاول على الله عز وجل بل جعلوا المسيح $هو الله.

يقول تعالى:

}لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من انصار{([155]).

المسيح $يعلنها صراحةً بانه عبدٌ لله تعالى والله ربه ورب الذين يؤلهونه ومن يخرج عن ذلك يخل في عداد المشركين والكافرين الذين يبوأون مقاعدهم في نار جهنم ولا من شفيع لهم ولا انصار آنذاك.

والقرآن الكريم يقول بكل وضوح وشفافية!

}أما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون{([156]).

فعيسى $ليس إلا رسول بشري يمارس ما يمارسه الإنسان من أ:ل وشرب ونوم وما إلى ذلك.

الجهل أساس ادعاء بنوة الملائكة لله تعالى وعبادتهم:

يقول تعالى:

}وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم مستكتب شهادتهم ويسئلون ، وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علمٍ إن هم إلا يخرصون، أم آتيناهم كتاباً من قبلهِ فهم به  يستمسكون{([157]) }إن أول مهمة تقع على عاتق كل انسان يطلب الحق ان يختار السكوت والانتظار في مقابل ما يجهل ثم يهب للبحث والتنقيب وتحقيق كل جوانب المطلب الذي يجهله وما دام لم يحصل على الدليل القاطع على قضية فارغة يجب ان لا يتجه للنفي كما أنه يجب ان لا يميل إلى الاثبات والتأكيد إذا لم يحصل لديه دليل قاطع{([158]).

بيد أن المشركين في زمن النبي محمد @جعلوا الملائكة بنات لله تعالى في الوقت الذي يعيشون فيه العقدة والاحساس بالعار لكل من تولد لديه بنت وادعوا بأن عبادتهم للملائكة هو نوع من الصلة والزلفى لله تعالى.

وكل هذه الاعتقادات التي انعقدت عليها قلوبهم واستأنست بها اذهانهم من دون دليل قاطع وحجة وعلم.

}إنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في افراد الخالق بالعبادة وفي اخلاص الدين لله بلا شريك إنما كانوا يبتدعون اسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها ثم يزعمون ان عبادتهم لتماثيل الملائكة إنما هي زلفى وقربى لله وهذا انحراف بساطة الفطرة واستقامتها إلى هذا التعقيد والتحريف فلا الملائكة بنات الله ولا الأصنام تماثيل للملائكة ولا الله سبحانه يرضى بهذا الانحراف{([159]).

يقول تعالى:

}وخرقوا له بنين وبنات بغير علمٍ سبحانه وتعالى عما يصفون{ بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم{([160]).

اذن قال المشركون الملائكة بنات الله وقالت اليهود والنصارى عزير ابن الله والمسيح ابن الله}وضنعوا واختلقوا ذلك كله من أوهامهم منطلقين من حالة التخلف التي كانوا يعيشونها لان الناس الذين لا يملكون المعرفة الأصيلة ويعيشون الاوهام الغامضة{([161]).

يصل بهم الأمر إلى هكذا اعتقادات زائفة وظنون لا رصيد لها من الواقع.

الآيات الدالة على أهمية العقل:

هنالك طائفة من الآيات الشريفة التي اشارت إلى أهمية العقل والعلم في ادراك اسرار الخلقة ومعرفة حقائق التوحيد والوجود ومركزية العقل في المعرفة الإلهية.

}إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأُولي الألباب{([162]).

}يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكرُ إلا أولوا الألباب{([163]).

}ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون{([164]).

}كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب{([165]).

}... قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أُولوا الألباب{([166])

}أفمن يعلم أنما أنزل اليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب{([167]).

}وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون{([168]).

}واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء ومن رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون{([169]).

}اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون{([170]).

}ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزلُ من السماء ماءً فيحي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون{([171]).

الآيات الذامة للجهلاء:

أما الطائفة الآخرى من الآيات التي ذمت الجهلاء الذين يعطلون عقولهم وألبابهم المؤدي ذلك إلى اضاعة الحقيقة واتخاذ مواقف معادية للحق وأصحابه والتنكب عن الصراط المستقيم.

منها:

}واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون{([172]).

}ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عُميٌ فهم لا يعقلون{([173]).

}ومنهم من يستمعون اليك أفأنت تسمع الصُم ولو كانوا لا يعقلون{([174]).


 

}ألاّ إن لله ما في السموات والأرض ألاّ إن وعد الله حق ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون{([175])

}ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون{([176]).

}أَم تحسب أن اكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً{([177]).

}لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرىً محصنةٍ أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون{([178]).


 

الحسد :

عندما نسلط  الضوء على هذا الخُلق ونضعه تحت مجهر الشرع يتبين لنا بأنه عبارة عن عقدة نفسية مرضية تستوطن النفس العدوانية التي تريد أن تحطم الآخرين بأي شكل كان.

ولذا حاربها الإسلام واعتبرها خطيرة على إيمان الإنسان من جهة وخطيرة على المجتمع من جهة ثانية.

وسف نرى كيف نشطت هذه العقدة في نفوس بعض من واجه وقاوم الأنبياء $للقضاء على الحركة الرسالية وتدميرها.

الحسد لغة:

هو تمني زوال نعمة الغير.

قال صاحب كتاب لسان العرب:-

>حسد: الحسد: ان تمنى ان تتحول اليه نعمة الغير وفضيلة< ونقل قول الجوهري في الصحاح فقال:

>الحسد ان تتمنى زوال نعمة الحسود اليك<([179]).

فالحسد: هو تمني زوال نعمة الغير إلى الحاسد أو هو تمني زوال نعمة الغير وان لم يتمنى تحولها إلى الحاسد.

فقد جاء في تفسير مجمع البيان

الحسد: إرادة زوال نعمة المحسود إليه أو كراهة النعمة التي هو فيها وإرادة ان تصير تلك النعمة إليه<.

وقد يكون تمني زوال نعمة الغير حسداً، وإن لم يطمع الحاسد في تحول تلك النعمة اليه<([180])

أما الغبطة: هي أن يراد مثل النعمة التي فيها الغير وإن لم يرد زوالها عنه ولا يكره كونها له<([181]).

وهذا مفهوم يقابل الحسد ولا محذور فيه ولا يشكل عقدة ومرض نفساني بل هو عبارة عن رغبة وطموح فيما وصل اليه الغير من دون ان يشوبه كره وحقد على الآخر.

فالغبطة: (هو ان ينعم الله على أخيك بنعمة وتطلب منه أن يعطيك مثلها مع إبقائها لصاحبها<([182]).

اذن الحسد >يفترق عن الغبطة الممدوحة بأن الحاسد يحب زوال نعمة الغير والغابط يحب بقاءها لكنه يتمنى مثلها أو ما فوقها لنفسه<([183]).

تاريخ الحسد:

احسد ابليس لآدم $:

إن أول حسد يسجله لنا القرآن الكريم هو حسد إبليس لآدم $عندما أبى السجود له نتيجة الكبر والعنصرية التي توقدت في نفسه فاعتملت العدواة والبغضاء في ذاته لآدم وابناءه لأنه بعدم السجود والامتثال لأمر الله سقط من عين الله تعالى وذهب جهده الجهيد وعبادته الطويلة هباءاً منثوراً.

بدأ الحسد مشواره في نفس إبليس عندما رأى آدمَ ع$المخلوق الذي بسببه استحق العذاب المقيم قد حاز على قرب وزلفى من الله سبحانه ونعم وتيره ودخول الجنة كره ابليس آدم $ كرهاً يصل إلى القمة ولا ذنب لآدم $ في ذلك: لا إن إبليس لم يقر له قراره آدم يرفل في جنة الله وهو مطرود عنها تمنى زوال كل الامتيازات التي حاز عليها آدم $من قبل الله تعالى وتبلور كرهه وحقده إلى سلوك وعمل لاقصاء آدم من هذا النعيم حتى كذب على آدم$وزوجه حواء $واخرجهما من الجنة بحيله ومكره يقول تعالى:

}وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه....{ ([184]).

وكذلك يقول تعالى:

}ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليُبدي لهما ما وريَ عنهما من سؤاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين لو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين{([185]).

وفي سورة طه يقول تعالى:

}فقلنا يا آدم إن هذا عدوٌ لك ولزوجك فلا يخرجَّنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى إنك لا تظمؤ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى{([186]).

(1)           حسد قابيل لأخيه هابيل:

ان ثاني حسد يسجله القرآن الكريم في العنصر البشري وفي النوع الإنساني هو حسد قابيل لأخيه هابيل اللذان يكونان ابني النبي آدم $وقصة حسد قابيل لهابيل بدأت عندما >أمر الله تعالى آدم $ان يضع مواريث النبوة واعلم عند هابيل ويعملمه بذلك ويعلَّمه بما أمر الله تعالى به وما نهى عنه، فلما فعل ذلك وعلم قابيل بما جرى من أبيه آدم إلى أخيه هابيل غضب واعترض أباه فقال له: ألستُ ان الأكبر من هابيل وانا الأحق بهذا الأمر ومن الأحرى ان تقدمني على أخي هابيل، فقال: له يا بني أن الأمر لم يكن بيدي وأنه بيد الله وان الله تعالى هو الذي خصه بما فعلت ولم أفعله من امري بل ذلك بأمر الله ربي، فإن لم تصدقني فقرِّبا قرباناً فأيكما تقبّل الله تعالى قربانه فهو أولى بالفضل وإعطاء مواريث النبوة، وكان قبول القربان في ذلك العهد هو أن تنزل عليه النار من السماء فتحرقه وإذا لم يُتقبل من قِبَل الله تعالى فلا تنزل عليه نار ولا يحترق<([187]).

فقرّب قابيل قربانه وكذلك قرب هابيل قربانه فتقبل الله سبحانه قربان هابيل ولم يتقبل من قابيل فاشتد حنق قابيل وتضاعف حقده علىأخيه هابيل بالأضافة إلى وسوسة الشيطان التي زادت في اشتعال نار الحسد في صدر قابيل حتى ترجم ذلك الكرة والعداء والحسد إلى جريمة بشعة نكراء كانت أول جريمة ترتكب في التاريخ البشري عندما أقدم قابيل على قتل هابيل ليشق بهذا العمل مسيرة الاجرام وقناته التي امتدت إلى يومنا هذا ويسرد القرآن الكريم قصة ابني آدم $حيث يقول:

}واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قرباناً فتُقبل من أ؛جهم ولم يُتقبل من الآخر قال لأَقتنلنّك قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إليَّ يدَك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أُريد ان تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاؤا الظالمين، فطوعت له نفسه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين{([188]).

خلفيات الحسد:

ما هي خلفيات الحسد؟ ولماذا يحسدُ الناس بعضهم البعض؟ وما هو الأساس في انطلاق الحسد من الإنسان؟ وما هي بواعثه؟ ويمكن ان نرصد عدة من تلك الأسباب.

1-        العداوة والبغضاء:

>الانسان الذي يعيش العداوة لأي إنسان أو البغض له فإنه يعيش نفسية تدميرية تتجه إلى كل واقع هذا الإنسان ليتمنى زوال آية نعمة وأي خير يمكن أن يعيش في داخله باعتبار أنه يتمنى أن يكون الإنسان الآخر ساقطاً مدمراً في كل شيء فقد تخلق العداوة والبغضاء في داخل نفس الانسان عقدة الحسد ضد الانسان الذي يعاديه<([189]).

والقرآن الكريم يحدثنا عن تقطع تاريخي بين المسلمين المؤمنين وبين اليهود حيث كانت تربطهم علاقات وصداقات ليكشف النقاب عن تلك العلاقات ويزيل الستر عنها وانها علاقات غير مبنية على الود والمحبة من الطرفين بل اليهود يحملون البغض والغيظ لكم أيها المؤمنون وأنتم بالمقابل تحملون في صدوركم حبهم وودهم فهم لا يتمنون الخير لكم ولا يفرحون بنعمة تصيبكم لأن حسدهم لكم قد سرى في نفوسهم فهم يرمون تدميركم وزوال كل نعمة تحوزون عليها.

يقابلونكم بوجه وإذا تفرقوا عنكم يظهر الوجه الحقيقي لهم ليعربوا فيها بينهم عن حقدهم الدفين لكم.

يقول تعالى:

}يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانه من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواهم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون{([190]),

انهم يفرحون ويستبشرون بكل ما يؤدي إلى تعبكم وارهاقكم وتظهر بغضاءهم على فلتات ألسنتهم وما تحويه صدورهم من الحنق والأحن تجاهكم أكبر وأكثر مما بينه القرآن لكم.

}هآ أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور{([191]),

أنتم أيها المؤمنون تنطلقون من صفاء نفوسكم وحسن نواياكم تجاههم لتبُروا الحب لهم لكنهم بالمقابل ينطلقون في معاملتهم لكم من موقع الكره لكم والنفس الحاسدة الحاقدة عليكم-

}إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تُصيبكم سيئة يفرحوا بها....{ ([192]).

عندما تحوزون على نعمة وخير أيها المؤمنون يكون هذا باعث على استياءهم وعندما تصابون بسيئة من هنا أو هناك تمتلئ صدورهم بالفرح والسرور.

(2)           الشعور بالقوة والعظمة والكبر:

الانسان الذي يرى نفسه الأكبر والأعلى لا يروق له ان يرى الآخرين الذين يصلون على مراتب رفيعة ومنازل سامية فهم في نظره في دائرة الدونية.

فإذا ما حاز شخص على مقام يضاهي مقامه أو أكبر منه فإنه يتمنى زواله منه ليبقى هو في ميدان الخير والنعيم من دون منازع ينازعه، فالخير والامتيازات حكر وحصد عليه فقلا!! ثم يتعاظم هذا الشعور عند أصحابه ليصل إلى سلوك وعمل في بعض الأحيان يؤدي إلى تصفية الآخر معنوياً أو جسدياً وندى هذا المنطق بصورة واضحة عند الذين وقفوا ضد الرسول الأكرم محمد@في بداية دعوته@ليقولوا بأن الشخص الذي يأتي بدعوة مثل دعوة محمد@لابد أن يكون ذا مقام عظيم ومنزلة رفيعة، وليس محمد اليتيم المعدم.

يقول تعالى:

}وقالوا لولا نزَّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات...{ ([193]).

أن سبب نزول هذه الآيات الشريفة>ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعداً ذات يوم بفناء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش فقال له عبد الله بن أبي أمية لو أراد الله أن يبعث الينا رسولاً لبعث أجل من في ما بيننا مالاً وأحسنه حالاً فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم ان الله انزله عليك وابتعثك به رسولاً على رجل من القريتين عظيم أما الوليد بن المغيرة بمكة وأما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف<([194]).

أنهم لا يطيقون أن تكون النبوة وهي مقام عظيم عند رجل فقير وبسيط مثل محمد@فهذه المنزلة لابد أن تكون عند كبراءهم صاحبي العزة والعظمة في نظرهم فكيف يكون محمد@ نبيا؟ وكيف يحصل على هذا الشرف العظيم؟-

فنفوسهم كانت تأبى قبول هذا الأمور لأنها منتفخة بالأحساس بالغصلة والكبر.

(3)           الخوف من انتقال المجد والشرف إلى الغير:

انطلق حسد اليهود القاطنين في مدينة يثرب للنبي@والذين اتبعوه من المؤمنين من خوفهم من أن تنتقل الحركة الدينية التي تمثل خط الأنبياء #إلى غيرهم مما تمثله من شرف ومجد لا يخفى فأرادوا قصد حركة النبوة على العنصر الاسرائيلي اليهودي فقط، فلم يؤمنوا بالنبي محمد@ورسالته مع اعتقادهم ويقينهم بأنه النبي الحق نتيجة الحسد المنبثق من الشعور والاحساس بانهم الشعب الأولي من غيره في انطلاقة الحركة النبوية منه دون سواه.

يقول تعالى:

}ود كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق...{ ([195]).

>كأي شخص يجد النعمة لدى غيره فيتمنى ان تكون له فلا يقبلون ان تنتقل النبوة إلى محمد@ليكون كل مجدها وشرفها وحركيتها له ولاتباعه إنها عقدة الحسد الذي ينهش قلوبهم فيتحولون إلى واقع العداوة كما نقل في اسباب النزول عن حبي بن اخطب وأخيه أبي ياسر اللذين دخلا على النبي محمد@حين قدم المدينة فلما خرجا قيل لحيي أهو نبي ؟ فقال هو هو قيل ماله عندك؟ قال العداوة إلى الموت<([196]).

ويقول تعالى في مورد آخر من تابه العزيز مظهراً ومعرباً عما في نفوس اليهود تجاه الرسول الأعظم محمد@والمسلمين.

>أم يحسدون الناس على ماآتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلكاً عظيماً<([197]).

ان اليهود >اذ خسروا مقام النبوة والحكومة بظلمهم وكفرهم لذلك لا يحبون ان يناط هذا المقام الإلهي إلى أي أحد من الناس ولذا يحسدون النبي@وأهل بيته الذين شملتهم هذه الموهبة الإلهية وأعطوا ذلك المقام الكريم وذلك المنصب الجليل<([198]).

فالحاسدون >موقفهم ينبع عقدة ذاتية مرضية في نفوسهم من كل الطيبين الخيرين الذين آتاهم الله من فضله الرسالة والرفعة والدرجة العالية في الحياة فهم لا يطيقون التطلع إلى الناجحين وأصحاب الدرجة الرفيعة.

وهم لذلك >يعيشون عقدة الحسد فيختنقون بها في شعور مرضي بالقهر والمرارة<([199]).

(4)حب الرئاسة والجاه:

كان المشركون الكبار في قريش يمسكون بزمام الأمور في مكة المكرمة ويملكون الوجاهة بين قومهم وبيدهم إدارة الوضع المكوي والقرشي، فكيف تنشرح صدورهم ولا تضيف لدعوة محمد @ ؟ وهم يرونه قد خطف ابصار الناس وملك قلوبهم وانقادوا له فأصبح زعيمهم، فكيف لا يحسدونه؟ ولا يحبون أن تزول هذه المنزلة لمحمد@من قلوب المسلمين.

ان محمداً @بزعمهم قد سحب بساط الرئاسة من تحتهم وأخذ هالة الوجاهة من عندهم فسقطوا من أعين الناس.

ويقول السيد عبد الأعلى السبزواري &في تفسيره مواهب الرحمن >السبب في حسد الكفار المشركين على المؤمنين هو تمني الكفار أن تكون فيهم الحركة الدينية فلا تتعدى إلى غيرهم ويقصد & من الكفار اليهود – وأما المشركين فلإن الإسلام يهدد كيانهم ويجب آمالهم<([200]).

ان النبي@كان له مشروع تغييري على جميع المستويات وأهداف يريد أن يبلغها ويصل اليها من خلال رسالة السماء وهي الدين الإسلامي الحنيف: لا أن الآخرين الذين يملكون مراكز القوة والموقع الاجتماعي دق ناقوس الخطر في آذانهم بأن محمداً يؤثر على مواقعهم الاجتماعية ويجردهم من مراكزهم القوية ويهدد أطماعهم وأمانيهم فلذلك عاشوراء روح الحسد والنفس التدميرية للنبي@واتباعه.


 

عواقب الحسد:

الحسد منشأ لكثير من المآسي والمتاعب الاجتماعية:

ان الحاسد يصرف ويوجه كل طاقاته البدنية وقابلياته الفكرية في طريق الهدم والتحطيم لما هو قائم بينما ينبغي ان تُصرف هذه الطاقات في الوصول إلى الأهداف الاجتماعية وتدعيمها.

وقد وردت عدة من الأحاديث عن أئمة أهل البيت #تؤكد بأن الحاسد مريض فيه خلل نفسي لا يهدأ ولا يرتاح ابداً.

عن الإمام علي $:

>الحسد يُضني<([201]).

>الحسد مغموم<([202])

>الحسد يُنكد العيش<([203])

>الحسود لا يبرء<([204])

>الحسود شر الأمراض<([205])

>ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد نفسٌ دائم وقلب هائم وحزن لازم<([206]).

(2) الحسد وراء قسم من الجرائم:

إذ أن الحسد في بعض الأحيان لا يقف عند تمني زوال نعمة الآخر فقط بل يتعداه إلى البغي عليه والتطاول عليه وهذا ما رأينا في قصة قابيل مع أخيه هابيل كما مر ذكرها آنفاً.

ان احسد يعد من الناحية المعنوية من مؤشرات ضعف الشخصية وعقدة الحقارة التي يعيشها الحاسد ومن دلائل قصر النظر في جنب الله تعالى وقلة الإيمان.

وقد ورد في أحاديث أهل البيت #:

هذا المعنى:

عن الرسول@:

>قال الله عز وجل لموسى بن عمران: إن الحاسد ساخطٌ لنعمي صادٌ لقسمي الذي قسمت بين عبادي<([207]).

وعن الإمام علي $:

>الحسد حبس الروح<([208])

وعنه$:>لأسن الرذائل الحسد<([209]).

وعن الإمام الصادق$:

>إياكم أن يحسد بعضكم بعضاً فإن الكفر أصله الحسد<([210]).


 

الفصل الثالث

عوامل مواجهة الأنبياء

الخارجية :

1- تزيين الشيطان

2- اتباع الآباء والأجداد

3- الأموال


 

تزيين الشيطان!

تزيين الشيطان يُعد من اقوى العوامل الخارجية التي تُنشَّط حركة مقاومة ومعاداة الأنبياء # فالشيطان يملك من القدرات والقابليات التي ييستطيع من خلالها أن يصل بها إلى اغواء الإنسان وإيقاعه في شباكه ومتاهاته المظلمة فهو موجود يرانا ويراقبنا ويرصد جميع تحركاتنا في الوقت الذي لا نراه ولا نحس به وله عدة أساليب وطرق وخدع لا ضلالنا وأفسادنا وقد أعرب هذا الموجود عن عداءه للجنس البشري المستمر والدائم ما دامت الدنيا باقية لينتقم لنفسه التي حملت العقدة تجاه الإنسان منذ أن أُبعد عن رضا الله عز وجل إلى سخطه وغضبه حين لم يمتثل أمر الله تعالى بالسجود لآدم $لتكبره وعنصريته فهو مؤسس مشروع اسقاط الإنسان في الحضيض لئلا يرتقي للكمال وصاحب الخط الموازي الذي يقف ضد الأنبياء #والصالحين ومُعلّم الشر الأول ومبتكر طرقه.

التزيين في اللغة:

التزيين مصدر (تزّين) وهو بمعنى التحسين والتجميل زيَّن الشيء حسنّه جمله.

جاء في كتاب مجمع البحرين قوله:

ز ي ن =

>قوله تعالى }وكذلك زين لكثير من المشركين{ أي مشركي العرب (قتل أولادهم شركاؤهم) قال المفسر يعني الشياطين الذين زينوا لهم البنات ووأوهن خيفة العيال والفقر والعار<([211]).

فزينت الشياطين وأد البنات حسّنت هذا العمل في نظر المشركين من خلال المبررات الواهية كالفقر والعار وغيرها.

وجاء ايضاً في نفس الكتاب في باب.

س و ل:

>قوله تعالى ( سولت لكم أنفسكم)

أي زينت لكم.

وتسويل النفس : تزيينها.

والتسويل: تحسين الشيء وتزيينه وتحبيبه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله<([212]).

فالتسويل والتزيين هما بمعنى تحسين الشيء وتحبيبه.

وتجميله في نظر وعين الإنسان ليقدم على فعله أو قوله<

وورد في كتاب العين للخليل ابن أحمد الفراهيدي.

>الذين! نقيض الشين، زانه الحسن يزينه زينا وازدانت الأرض بعشبها وازينت وتزينت – والزينة جاغمع لكل ما يتزين([213])< ازدانت الأرض بعشبها أصبحت حسنة المنظر وجميلة.

هل الشيطان من الملائكة أم لا؟

هنالك اختلاف بين العلماء حول انتماء الشيطان فهل هو من جنس الملائكة أم من الجن؟

ذهب الشيخ الطوسي & إلى ان الشيطان من الملائكة حيث جاء في كتابه الرسائل العشر >مسألة: عن إبليس لعنهة الله ، ما الذي ألزمه السجود لآدم والأمر بذلك إنما توجه إلى الملائكة وليس من قبيلهم في شيء.

الجواب: ظاهر مذهب أصحابنا ان ابليس كان من جملة الملائكة وإنما عصى بترك السجود وليس جميع الملائكة معصومون<([214]).

إلا أن الشيخ المفيد ^ذهب إلى الداي الذي يقول بأن إبليس كان من الجن فقد قال في كتابه أوائل المقالات.

>القول في إبليس أهو من الجن أم من الملائكة؟

وأقول: (إن إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) وجاءت الأخبار متواترة عن أئمة الهدى من آل محمد # بذلك وهو مذهب الإمامية كلها وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث<([215]).

أما العلامة المجلس & في كتابه البحار بعد أن نقل رأي الشيخ الطوسي & وكذلك رأي المفيد & وأدلة كل واحد من الطرفين قال >كلن الظاهر من أكثر الأخبار والآثار عدم كونه – الشيطان – من الملائكة<([216]).

وقد صرح العلامة الطباطبائي & في كتابه الميزان بأن الشيطان من الجن حين قال> إن الشيطان بمعنى الشديد يطلق على إبليس وعلى شرار الجن وشرار الأنس وإبليس من الجن<([217]).

وفي موضع آخر قال ^:

>إن الله سبحانه اخبرنا ان إبليس من الجن وأنهم مخلوقون من النار<([218]).

فالشيطان ينتمي إلى الجن وهم مخلوقات خلقها الله تعالى من النار.

قال تعالى> وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه....< ([219]).

أَما معنى الشيطان اللغوي:

فقد جاء في مجمع البحرين أن:

ش ي ط ن

>قوله تعالى }وإذا خلوا إلى شياطينهم{

أي مردتهم من الشطن وهو البعد فكأنهم تباعدوا عن الخير وطال مكثهم في الشر<([220]).

 

و>قولهم تشيطن واشتقاته من شطن إذا بَعُد، لبعده من الصلاح والخير<([221]).

فالشيطان هو البعيد عن رحمة الله ورضوانه والبعيد عن الخير وسيلة والبعيد عن الأنبياء وشرائعهم #.

عداوة الشيطان للإنسان:

قال تعالى في كتابه الكريم:

}ألم اَعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل مِنكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون<([222]).

في هذه الآيات الشريفة يؤكد الله سبحانه تعالى عداوة الشيطان للإنسان وإنه تعالى قد عهد إلى الإنسان عن طريق انبياءه ورسله بإن الشيطان يحمل الحقد والعِداء للجنس البشري فلا تطيعوه وتتبعوا خطواته فلقد سقط الكثير في شباكه.

>الشيطان هذا الكائن الذي هو أعدى أعداء الإنسان يزين له الضلال ويحبب إليه الإنحراف ويدفعه عن طريق الأغواء والاغراء إلى تشويه شخصيته الانسانية وتلويثها<.

>فالشيطان أخطر عدو للإنسان يزين له المعصية ويحمله على تسويف التوبة ويدفعه إلى مقارفة الأثم حتى إذا حق الحق تبدأ منه وتركه بين يدي عذاب غليظ<([223]),

فهو قد وعد بإن يقعد لبني آدم $ الصراط المستقيم الذي يمثل خط الأنبياء عليهم ونهجهم القويم ليحيدوا عنه.

قال تعالى:

}فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم تم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين{([224]).

>فالشيطان في هذه الآية يبالغ في الانتقام ويأخذ على عاتقه ان لا يدع ثغرة إلا ويأتيهم منها – أبناء آدم $ -قال تعالى: قال: }فيما اغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ومن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين< فهو أولاً أقسم انه سيقعد لهم صراط الله المستقيم ومعنى هذا أنه سيحاول جهده كله ان يحول بينهم وبين الخير ويحول بينهم وبين الصراط المستقيم الذي جعله الله طريق الأنبياء والصالحين وليس هذا فحسب بل أنه سيأتيهم من الجهات كلها حتى لا يدع لهم منفذاً من المنافذ أو ثغرة من الثغرات<([225]).

ويقول عز وجل في سورة الإسراء:

}وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزعُ بينهم إن الشيطان كان للانسان عدواً مبيناً{([226]).

فليقل الإنسان ما يدعو إلى صلاحه وكماله ويتجنب ما يدعو اليه الشيطان من اقوالٍ وكلمات تؤدي إلى نشوب نزاعات وخلافات تبعد الإنسان عن المسير إلى الله سبحانه.

التزيين مسلك الشيطان المفضل:

للشيطان طرق ومسالك عديدة لتحقيق اغراضه وتلبية مآربه إلا ان الطريق الذي يوصل أبليس لعنه الله إلى اغراء وإيقاع الإنسان في شركة بصورة اسرع هو تزيين وتحسين العمل المجافي عن رضا الله تعالى فما دام العمل الشديد الطالح بوجهه السافر قد لا يتقبله الانسان وقد يتراجع عن ارتكابه ولا يجرى على الاقدام عليه لكن عندما يكتسي خلة جمية وشكلاً حسن من خلال ايحاء الشيطان ووسوسته يكتسب جاذبية الاقدام عليه وارتكابه يقول تعالى:

}تا لله لقد أرسلنا إلى أُممٍ من قبلك فزيَّن لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليومَ ولهم عذاب أليم{([227]).

هذه الآية الشريفة وردت في سياق يتحدث عن وأد المشركين لبناتهم وانهم كانوا ليطيقون ولادة البنت في الوقت الذي يزعمون ان لله بنات وهي الملائكة.

ان هؤلاء القوم كانوا يؤمنون بصحة أعمالهم وأفكارهم وبجميل فعلهم وإدراكهم فالشيطان أضفى على أفعالهم صبغة الحسن والجمال وعلى تفكيرهم الصحة والصواب.

>فللشياطن وساوس يتمكن من خلالها ان يصور أقبح الأعمال واشنعها جميلة في نظر البعض بحيث يعتبرها مجالاً للتفاخر كما كانوا يعتبرون وأد البنات شرفاً وفخراً وحفظاً لنا موسى وكرامة القبيلة مما يحدو ببعض المغفلين لأن يتفاخر بالقول لقد دفنت ابنتي اليوم لكي لا تقع أسيرة في يد الأعداء<([228]).

قال تعالى:

}وعاداً وثموداً وقد تبين لكم من مساكنهم وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستنصرين{([229]).

(وزّين لهم الشيطان أعمالهم في ما أثاره في عقولهم من تحسين القبيح وتقبيح الحسن فلم يملكوا توازن النظرة إلى الأشياء وخيل إليهم أن القوة تعني الحق ان الضعف يعني الباطل وان مواقع القوة البدنية والاقتصادية تمنح الأقوياء الحق في السيطرة على الضعفاء والاستكبار على الرسالة وأصحابها وهكذا ابتعد بهم الشيطان في وسوسته وتثبيطه وكيده ومكره وحبائله، عن الله وعن رسله في ما دعوا اليه وفي ما جاهدوا من أجله<([230]).

ثم أن إبليس قد توعد جميع أولاد آدم $بأن يغويهم ويستزلهم ويزَّين القبيح في أعينهم ويُحسّن السيء في أنظارهم إلا أنه يقف ويعجز أمام العباد المخلصين ولا يطالهم كيده ومكره.

يقول تعالى:

}قال ربِ بما أغويتني لأُزينَّنَ لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين{([231]).

فهو قد جمع أمره على وضع العراقيل والحقد ونصب المكائد والحيل للإنسان لئلا يصل إلى ما يريده الله تعالى وسله من الخير والصلاح.

النهي عن إتباع خطوات الشيطان:

وردت آيات في الذكر الحكيم تحذر الإنسان من اقتفاء وإتباع خطوات الشيطان والانجرار وراء خدعة وحبائله.

والمراد (بخطوات الشيطان آثاره) ([232]) ووساوسه وتسويلاته التي خدع بها الكثير من الأمم ولبسَ على كثير من الناس ما يريده ويبتغيه.

وقال اليخ الطوسي & في البيان

>وقوله تعالى: }ولا تتبعوا خطوات الشيطان{

أي لا تتبعوا آثاره ولا تقتدوا به.

وأصل الخطو – نقل القدم قدماء<([233]).

>الخطوة بُعد ما بين قدمي الماشي والخطوة المدة من الخطو يقال خطوات خطوة واحدة، وأصل الخطو نقل القدم<([234]).

والشيطان لعنه الله قد وضع أقدامه وخطواته وآثاره في جوانب متعددة ومواضع مختلفة فعلى الصعيد العقائدي تجد الشيطان يوحي بواسوسه ليبعد محفل الانسان عن المنطق العقائدي السليم وينصب حبائله على المستوى الأخلاقي ليصطاد ضعاف النفوس وعلى المستوى الاقتصادي يزيّن للذين يتعاملون بالربا على أنه بيع لا ضير فيه.

يقول تعالى: محذراً من خطواته:

}يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ...{ ([235]).

}الذين يأكلون الربا لا يقومون : لا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا...{ ([236]).

}يا أيها الناس كلوا مما في الأرض غلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون{.

} يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين{([237]).

}... كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين{([238]).

فهذه الآيات الشريفة وغيرها لا تدع مجالاً للشك بأن الشيطان لعنه الله كان يشكل تهديداً مستمراً ودائماً للإنسان حتى لا يسير بركب الصالحين وفي الطريق المستقيم وتزيينه وتجميله للعمل القبيح كان وراءه وقوف من اتبعه واقتفى آثاره ضد الأنبياء #.

إتباع الآباء والأجداد:

إن ما يتركه الآباء والأجداد من عدات وسلوك ومعتقدات تلقي بظلالها على الأبناء بلا شك ولا ريب إلا إنه يبقى للأبناء حرية التمييز والاختيار من هذه التركة والموروث الكبير ما يتلاءم مع عصرهم وما يملك من العناصر المتحركة المستمرة غير المحدودة بزمن معين أو مكان معين كالأخلاق الحسنة والقيم السامية والمعتقدات الحقة بيد أن المجتمعات والأمم غالياً ما تصاب بداء التبعية والتقليد للآباء في كل صغيرة وكبيرة حتى يصل بهم الأمر إلى مستوى التقديس بحيث لا يجروء أحد على انتقاد أو تغيير الواقع الآباءي والموروث الأجدادي.

وعقدة التقليد التي تصاب بها الشعوب كانت عاملاً خارجياً وسبباً وراء مواجهة الأنبياء # ومقاومتتهم فالأنبياء $يأتون بقيم ومعتقدات تخالف تركة الآباء والأجداد من عقائد فاسدة وسلوك غير انساني.

فهم #يهدفون إلى تغيير الواقع الذي تعيش فيه مجتمعاتهم ليقودوا حركة إصلاحية إنقلابية تطال المبادئ والقيم الهابطة التي ألفوها واعتادوا عليها.

فكانوا #في خط المواجهة مع الذين تمسكوا بقوة بتقليد آباءهم واقتفوا آثارهم ولم يحرروا عقولهم وافكارهم من تلك القيود والإنحلال.


 

معنى التقليد:

التقليد في اللغة مأخوذ من:

>قلد: - القلادة التي في العنق وقلّدت المداءة فتقلدت هي :

ومنه التقليد في الدين وتقليد الولاة الأعمال<([239]).

وقال صاحب كتاب تاج العروس:

>وقلدتها قلادة< بالكسر وقلاد بحذف الهاء (جعلتها في عنقها) فتقلدت (ومنه التقليد في الدين و(تقليد الولاة الأعمال<([240]).

فتقليد الآخرين معناه جعل آراءهم وأفكارهم كالقلادة تطوق الفكر والعقل وكذلك سلوكهم وأخلاقهم.

أما التقليد في الاصطلاح:

>فهو قبول قول الغير من غير حجة<([241]) ولا دليل فهو يصدق ويأخذ بقول الغير من دون أن يستند إلى دليل أو برهان واضح.

وهذا المعنى قرين من المعنى اللغوي:

فقد قال الشيخ الطريحي:

والتقليد : في اصطلاح أهل العلم قبول قول الغير من غير دليل سمي بذلك لأن المقلد يجعل ما يعتقده من قول الغير من حق وباطل قلادة في عنيق من قلدهم<([242]).

وعنقه ايضاًُ لأنه بالنتيجة قد طوق فكره وعقله وسلوكه بأتباعه لهم واقتفاء آثارهم -


 

ما هو سبب التقليد:

إن الذين قدسَوا تراث أجدادهم وتمسكوا به فهم في الحقيقة قد تبنَوا مثل أعلى لهم من واقعهم وماضي آباءهم اعتبروا القديم شيء وأمر لا يجوز تغييره والسبب الذي دعاهم إلى ذلك هو الألفة والعادة والخمول والضياع الذي يعيشونه.

ويقول السيد الصدرQان هذه الحقيقة >هو ما عرضه القرآن الكريم في كثير من الآيات التي تحدثت عن المجتمعات التي واجهت الأنبياء حينما جاء الأنبياء إلى تلك المجتمعات بمثل عليا حقيقة ترتفع عن الواقع وتريد ان ترحك هذا الواقع وتنتزعه من حدوده النسبية إلى وضع آخر.

واجه هؤلاء الأنبياء مجتمعات سادتها حالة الألفة والعادة والتمتع فكان هذا المجتمع يرد على دعوة الأنبياء ويقول بأننا وجدنا آباءنا على هذه السنة، وجدنا آباءنا على هذه الطريقة ونحن متمسكون بمثلهم الأعلى

سيطرة الواقع على اذهانهم وتغلغل الحس في طموحاتهم بلغ إلى درجة تحول هذا الإنسان من خلالها إلى انسان حسي لا إلى انسان مفكر إلى إنسان يكون ابن يومه دائماً<([243]).

أنهم لا يستطيعون أن يتركوا ما كان يعبد آباءهم نتيجة العادة والألفة التي خلقت في عقولهم وأفكارهم يقيناً بصحة تركة الآباء وشك بدعوة الأنبياء #.

يقول تعالى:

>آتنهانا أن نعبُدَ ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب<([244]).


 

الموقف القرآني من التقليد:

وردت في الذكر الحكيم سلسلة وطائفة من الآيات الذامة والناهية عن التقليد وإقتفاء آثار الآباء من دون تعقل وتدبر فالله سبحانه أراد للإنسان أن يفكر بحرية ويمارس حياته على أساس الأحساس والشعور المبني على الاختيار والإرادة.

بيد أن التقليد يعطل جهاز انساني حساس ومهم في الحياة البشرية لولاه لما كان هناك تقدم أو ازدهار، وهو حماية الاختيار.

فالذين اتبعوا خطوات الماضي بحذافيرها قد تجمدوا وتسمروا عندما وصل إليه آباءهم، فهم في الحقيقة يقتاتون من موائد السابقين ولم يكلفوا أنفسهم غربله موروث الماضي لأنه مقدس في نظرهم ولم يجروءا على تغيير عادات وتقاليد الماضي لأنها قد تحولت إلى شرائع لا يجوز التلاعب بها.

أما المنطق القرآني قد رفض هذا التقليد جملة وتفصيلاً وذمه في آيات عديدة.

قال تعالى:

>بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على امةٍ وإنا على آثارهم مهتدون<([245]).

>لم يكن لهؤلاء دليل إلا التقليد الأعمى للآباء الأجداد والعجيب أنهم كانوا يظنون أنهم مهتدون بهذا التقليد في حين لا يستطيع أي انسان عاقل ان يستند إلى التقليد في المسائل العقائدية والاساسية التي يقوم عليها بناءه<([246]) الفكري.

فلسان حالهم يقول إنا وجدنا السلف>على طريقة معينة في الجانب الفكري والعبادي وإنا على آثارهم مهتدون فهذا هو السبيل الذي نتحرك فيه في وصولنا إلى الحقيقة ليكون نهجنا امتداد لنهجهم لإن ذلك هو معنى الامتداد التاريخي للعائلة أو العشيرة فيما يلتزم فيه الأبناء بعقائد، لآباء وعاداتهم وتقاليدهم من موقع الثقة والاخلاص والانتماء<([247]).

قال تعالى يحكي لنا قصة النبي صالح $:

}قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباءنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب<([248]).

>كان قوم صالح غارقين في الماضي يعتزون بأمجادهم الغابرة ويقلدون آباءهم ولذلك عادوا صالحاً بالرغم من ثقتهم بشخصية }قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا ان نعبد ما يعبد آباؤنا{ لقدسية الماضي في أعينهم أرتابوا في الرسالة سلفاً من دون تفكر<([249]).

>إننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب<.

فهم يقولون للنبي صالح $>انك لم تعُد تُخطئنا بمفردنا بل جئت تضلل أسلافنا الذين عاشوا دهوراً على هذه العقيدة وعلى هذا العمل وإننا ليخامدنا شك في واقعك ونجد فيك رمزاً شيء من أجله الظن بك<([250]).

كيف يذعنون لصالح$ >ان هذا لشيء عجاب لقد عبدوها أجيالاً وقروناً وقربوا لها القرابين وما نهاهم أحد عنها يستجيبون لدعوته< ([251]).

قال تعالى:-

}أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين{([252]).

في الواقع أنهم  قدموا صنم سنة الآباء وعظتهم الخيالية والأسطورية حتى يوجهوا الرأي العام ضد موسى وهارون بأنهما يريدان ان يعبثا بمقدسات مجتمعكم وبلادكم<([253]).

>فقد عاشت كل المفاهيم الضمية المتخلفة في داخلهم التي ورثوها من آباءهم من مواقع القداسة الجاهلة التي ترى في الماضي بكل جهله وتخلفه معنى التقديس فلا يمكن ان يناقشه أحد مهما كانت درجة الخطأ فيه لأنهم لا يميزون بين العاطفة التي تحكم علاقتهم بالماضي وبين العقيدة التي تخضع لاعتبارات الحق المرتكز على الحجة والبرهان<([254])

(4) قال تعالى:

}قالوا يا شعيب أصلاتك تأمركَ أن نترك ما يعبدَ آباءنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء...{ ([255]).

.. كل من لا يؤمن بالله اليوم الآخر يتخذ من الصلاة موضوعاً للاستهزاء والسخرية من المصلين وقد كان شعيب$ولا شك من المصلين ولما أمر قومه بنبذ الأصنام وعبادة الله وحده ونهاهم عن الاستغلال في الكسب الحرام تهكحوا به وقالوا: أصلاتك التي تصليها التي تدل على السفه والحماقة أوحت إليك أن تأمرنا بترك التقاليد والعادات التي ألفها الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل وأن تنهانا عن تحصيل المال كيف نشاء<([256]).

فكان قوم النبي شعيب $(يتصورون ان عبادة الأصنام من آثار سلفهم الصالح ودلالة على أصالة ثقافتهم) ([257]) لذلك استهزءوا بشعيب $وبصلاته (وقالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا اننا نراك تصلي دائماً ثم تنطلق من موقفك في الصلاة لتثير معنا الحديث المستمر عن رفض عبادة الأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها مما جعلها تمثل جزءاً من شخصيتنا فيما يمثله الآباء من عنصر فعال من شخصية الأبناء<([258]).


 

الترف والتقليد:

قال تعالى:

}وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون{([259]).

فطاب موجه إلى النبي@يتضمن بيان حقيقة وسنة قد جرت في الأمم السابقة مع أنبياءهم وها هي تجري مع النبي@وهي ان حالة الترف والبطر تؤدي إلى التقليد فالمترفون يدعون إلى التمسك بالماضي وإبقاء الوضع كما هو من دون تغيير أو تبديل لكي يحافظوا على مكانتهم وموقعهم الاجتماعي.

وكان لدعوات هذه الطبقة دور كبير في بلورة رأي عام ضد الأنبياء #لأنهم في نظر العامة الطبقة المرموقة النموذجية فدعوتهم إلى التمسك بتراث الآباء لها آذان صاغية بلا شك.

ويقول العلامة الطباطبائي &عند تفسير هذه الآية:

>إن التشبث بذيل التقليد ليس مما يختص بهؤلاء فقد كان ذلك دأب اسلافهم من الأمم المشركين (وما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير< وهو النبي إلا تشبث متنعموها بذيل التقليد وقالوا إنا وجدنا اسلافنا على دين وإنا على آثارهم مقتدون لن نتركها ولن نخالفها ونسبة القول إلى مترفيهم للإشارة إلى أن الاتراف والتنعم هو الذي يدعوهم إلى التقليد ويصدفهم عن النظر في الحق<([260]).

>فالمتصدون لمحاربة الأنبياء وأولئك الذين كانوا يقولون بمسألة تقليد الآباء ويلتزمونها ويدافعون عنها بكل قوة ويؤكدون عليها أشد تأكيد كانوا هم المترفين والأقرباء السكارى المغرورين<([261]).


 

إتباع الآباء طريق شيطاني:

قال تعالى:-

}وإذا قبل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير{([262]).

>إن القرآن في الحقيقة يزيح هنا غطاء إتباع سنة الآباء والأجداد والذي له ظاهر خدّاع ويوضح وبين الوجه الحقيقي لعمل هؤلاء، الذي هو اتباع الشيطان في مسير جهنم لم أجل ان قيادة الشيطان كافية لوحدها لأن يخالف الإنسان<([263]) طريق الأنبياء #وجادة الحق والصواب.

>فهذا المنطق الذي يقدمونه ليس هو المنطق العاقل المنطلق من أساس متين بل هو منطق الشيطان الذي يختبئ في داخل العواطف والمشاعر والعلاقات ليبعد الإنسان عن خط العقل المنفتح على الله وليدفع به إلى الهلاك والدمار والعذاب<([264]).

ثم (أنم يتبعون آباءهم دون أن يعرفوا بأنهم أيضاً يتأثرون بعوامل الغواية والإنحراف فالشيطان الذي يضل الاولاد هو نفسه الذي يضل الآباء ولا تصبح الضلالة هدى إذا اتبعها الآباء<([265]).

المال والثروة:

كان من الطبيعي ان يقف أصحاب المال والثروة من دعوات الأنبياء#موقفاً سلبياً لأن الأنبياء وشرائعهم #كانت تدعو إلى عدم تكريس الأموال واحتكارها وظلم واستغلال الآخرين اقتصادياً ومادياً.

لأن كل ذلك يخالف ما يريده الله تعالى منهم #وهو تحقيق العدالة الاجتماعية.

فاذا تُرك العنان للمترفين والأغنياء ومن بيده الأموال ليفعلوا ما يحلو لهم فأن العلاقات الاجتماعية سوف تبنى على أساس الاستغلال وهيمنة الأغنياء على الفقراء لا على أساس التعاون والتكافل الاجتماعي الذي يمثل هدف من أهداف الأنبياء والرسل #.

ولذلك نجد في التاريخ نماذج كثيرة كان بيدها عصب الحياة الاقتصادية قد أخذ بريق المال بأبصارهم وجعلوه قبلة لهم وهمهم الأول في هذه الدنيا تحولوا إلى عقبة في طريق رسل السماء#وحاولت تلك النماذج تثني وتركع رجالات السماء إلا أن رسل الحق كان النصر حليفهم دائماً والهزيمة والخذلان لأصحاب الباطل والدنيا –

سبب مواجهة النبي شعيب    $:

النبي شعيب $كبقية الأنبياء رسول من قبل الله عز وجل إلى قومٍ استشرى فيهم حب الدنيا وعبادة غير الله تعالى من أصنام وتماثيل وغيرها، ولكن تميزت جهالة النبي شعيب $في قومه عن بقية الأنبياء # بدعوته $قومه ومجتمعه إلى عدم البخس في المكيال ونبذ المعاملات المبنية على اساس الاحتيال واستغلال الناس في البيع والشراء ولعل السر في ذلك هو انتشار مثل هذه المعاملات بين قومه مما أصبحت تهدد النسيج والكيان الاجتماعي وكانت الضريبة من وراء تصدي النبي شعيب $ لمثل هذا التعامل هو مواجهته ومقاومته.

فكانت الأموال الوقود الذي يغذي، ويحرك مديري الدنيا ومحبيها ضد النبي شعيب$وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المسألة في آيات عدة.

قال تعالى:

}والى مدين أخاهم شُعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين{([266]).

>في طرف الجزيرة العربية كانت مساكن مدين تلك القبيلة التي وسع عليها الله الرزق فبطروا وأخذ بعضهم يظلم بعضاً ويحاول البعض الانقاص من البعض وأن يفسد ما في الأرض فجاء شعيب رسولاً من قبل الله إليهم وأمرهم بعبادة الله وتنفيذ تعاليم السماء ونهاهم عن عبادة ذواتهم أو عبادة الثروة الزائلة كما نهاهم عن الانقاص في المكيال والميزان لأنه نوع من الظلم والعلاقة الفاسدة بين أبناء البشر<([267]).

(فأهل مدين أولئك الذين حادوا عن طريق التوحيد وهاموا على وجوههم في شركهم وعبادة الأصنام ولم يعبدوا الأصنام فحسب بل الدرهم والدينار والثروة والمال ومن أجل ذلك لوتوا تجارتهم وكسبهم ومالهما (من رونق) بالتقلب والبخس والفساد<([268]).

فلم يكن عند قوم شعيب $الاستعداد للتنازل والتخلي عن الدينار والدرهم من أجل الله بل كان عندهم استعداد لمواجهة النبي شعيب $ ومجابهته.

فالنبي شعيب $ أراد أن يخرجهم من ظلمات الشرك والمعاملات الفاسدة إلى نور التوحيد والسلوك السوي لكنهم آثروا البقاء في الظلمة.

وقال تعالى:

}إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إلي لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أوفوا الكيل و لا تكونوا من المخسرين ، وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين{([269]).

فالنبي شعيب $ (يدعو قومه في القسم الآخر من تعليماته بعد الدعوة العامة للتقوى وطاعة الله يدعوهم إلى اصلاح انحرافاتهم الأخلاقية والاجتماعية وينتقدهم على هذه الإنحرافات حين أن أهم انحراف عند قومه كان الاضطراب الاقتصادي والاستثمار والظلم الفاحش في الأثمان والسلع والتطفيف في الكيل لذلك أهتم بهذه المسائل أكثر من غيرها<([270]).

فكان الاستغلال الاقتصادي وخسران الموازين وأكل حقوق الناس بغير حق أمور قد استبشرت في مجتمع النبي شعيب $وقالوا لشعيب $لا نسمع منك فان في خسران الموازين وبخس الناس أشياءهم فوائد مادية لنا ونحن لا نحضر للاقلاع عما يفيدنا ومهما عبته<([271]).

قال تعالى في سورة الأعراف:

}والى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين{([272]).

وكذلك قوله سبحانه في سورة العنكبوت:

}وإلى مدين آخاهم شعيباً فقال يا قومٍ اعبدوا الله وأرجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين{([273]).

>أنهم لا يريدون للرسالة ان تغير واقعهم القائم على الامتيازات الطبقية والاستغلال الاقتصادي والانحراف الروحي عن خط الله ولهذا فان المسألة عندهم لا ترتكز على أساس القناعات الفكرية للرسالة من حيث قبولهم بها أو رفضهم لها بل ترتكز على المصالح الذاتية التي يخضع لها الموقف وتنطلق بها الحركة<([274]).

وقد أراد الله سبحانه من الأرض >ساحة للتوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في كل صعيد مما يجعل من الاخلال به أفساداً للأرض<([275]).

الأموال تلهي عن ذكر الله تعالى:

} يا أيها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون{([276]).

والالهاء: الاشغال والمراد بالهاء الأموال والأولاد عن ذكر الله اشغالها القلب بالقلق بها بحيث يوجب الاغراض عن التوجه إلى الله بما أنها زينة الحياة الدنيا<([277]).

فالأموال >زينة الحياة الدنيا وأجلى صورها والمومن ينبغي ان يجعل ذكر الله محوره الذي يتحركك ضمنه دون ان يخرجه عنه شيء واأموال هنا ليست الدراهم والدنانير والذهبات فقط بل كل ما يملكه المجتمع من أرض وأمكانية ومصلحة اقتصادية<([278]).

>فالقرآن الكريم يعتبر ملكية المال وظيفة انسانية من أجل تحويله إلى طاقة حية منتجة من أجل بناء الحياة والمجتمع<([279]).

وليس هدف وغاية لوحدها بحيث يصب الإنسان إلى الوصول اليه بأي طريق كان وأي وسيلة ويسخر كل جهده ووقته من أجل جمعه.

فالله سبحانه أراد ان لا يستعرف الانسان في تحصيل الأموال وينصرف بكل كيانه لجمعه من دون ان ينظر إلى المسؤولية في حياته فينسى خالقه وربه وينسى كذلك نفسه.


 

المال زينة الحياة الدنيا:

قال تعالى:

}المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك تواباً وخير أملاً{([280]).

عدّ الله سبحانه في هذه الآية الكريمة المال والبنين زينة في هذه الحياة الدنيا وليس أساساً وعماداً وينبغي للإنسان ان يتعامل مع الأموال على هذا الأساس فإذا كانت زينة فالزينة زائلة لا دائمة وجمال لا أساس فمن الممكن أن يستغني الإنسان عنها كأي شيء آخر لا يمثل في حياته الأساس والركن المقوم.

فيجب أن يستفيد منها حسب هذه الرؤية القرآنية >لا أكثر أما إذا أراد أن يعتمد عيها كليا فسوف يسقط والوردة الجميلة الجذابة ذات العبق الطيب إنما زينة ولا يمكن أن تستند عليها لأنها تقع ولو فعلت ذلك فستقع معها<([281]).

صحيح أن المال يمثل عنصراً قوياً في حياة الإنسان يمكن من خلاله (أي يفتح له أكثر الساحات ويجمع حوله الكثير من الأعوان ويحقق له أحلى المشتهيات ويرفعه إلى الدرجة العليا في الموقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي([282])، كل ذلك يحققه المال للإنسان لكن لا يعدو كونه أمراً زائلاً وزينة سريعة الذهاب.

فالاغترار بالمال خطأ كبير والركون اليه من عدم التعقل والتصبر.


 

المال فتنة:

}واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم{([283])، > كلمة فتنة تأتي في مثل هذه الموارد بمعنى وسيلة الامتحان والحقيقة أن أهم وسيلة لامتحان الإيمان والكفر والشخصية وفقدانها وميزان القيم الإنسانية المال والأولاد<([284]).

فالله سبحانه وتعالى يبين حقيقة المال والولد ويقول >اعرفوا يقيناً وتحققوا أن أموالكم وأولادكم بلية عليكم ابتلاكم الله سبحانه بها بمعنى أن المال أو الولد قد يورد الإنسان موارد الهلكة<([285])، فليست الأموال امتيازات ذاتياً للطغيان والتجبر وليس الأولاد منحة شخصية للشعور بالقوة والخيلاء بل هي أمانة في مستوى المسؤولية ونعمة في مستوى الامتحان([286]).

اذن جعل الله تعالى الأموال مادة لامتحان واختبار الإنسان لكي يُعرف من الذي يرجح أمر الله عز وجل على ماله وولده من غيره ومن الذي يسقط في غرور الأموال وسكوتها.

والكثير قد سقطوا ولم يتجاوزوا هذا الامتحان والتاريخ قد حدثنا من أمم سابقة لم تنظر إلى المال نظرة واقعية ولم تعيمه على أساس أنه وسيلة لمرضاة الله عز وجل وزينة زائلة واختبار فأصبح مصيرها الهلاك والزوال.

تحذير السنة الشريفة من الدينار والدرهم:

لقد ورد التحذير من السنة الشريفة عن طريق الرسول الأكرم@وأهل بيته الطاهرين من المال والدينار والدرهم.

فعن أمير المؤمنين $قال: قال: رسول الله@>إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم<([287]).

فهنا الرسول@يشير إلى منطق السنن الاجتماعية التي تجري كذلك في أمته@وهي أن الذي يجري وراء المال لا لهدف نبيل سوف تكون السنة التي تجري عليه هي سنة الهلاك والدمار.

فحب الدينار والدرهم وصرف العمد في تحصيلها وتحصيل ما تتوقف عليها أ÷لكا من كان قبلكم يقول الرسول@من الأمم السالفة ، لأن حبهما يمنع من حبه تعالى وصرف العمر فيهما يمنع من صرف العمر في طاعته  تعلى والتمكن منها يورث التمكن من كثير من المعاصي ويبعثان على الاخلاق الدنية والاعمال السيئة كالظلم والحسد والحقد والعداوة والفخر والكبر والبخل ومنع الحقوق<([288]).

طبعاً ليس كل من يملك الدينار والدرهم يتحول إلى انسان عديم الأخلاق والصفات الحسنة لكن في الغالب من تكون بيده الأموال قد يرتكب كثير من المخالفات التي يسهلها المال.

وفي حديث آخر عن الرسول@يقول فيه:

>ماذئبان ضاريان أُرسلا في زريبة غنم بأكثر فساداً من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم<([289]).

فحب المال ذئب يهجم على قلب المسلم ليجعله خالياً من حب الله تعالى ويغير سلوك المسلم من طاعو الله إلى معصية ويصنع الكثير من المفسدين في المجتمع.

ثم ان المال الذي يتقاتل عليه الإنسان لا يبقى له ولا يدوم وةالذي ينبغي عيه الاهتمام بالعمل فهو الصاحب الذي لا يفارق الانسان.

>فعن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه عن جده #قال: قال: علي $إن للمرء المسلم ثلاثة أخلاء فخليل يقول أنا معك حياً وميتاً وهو عمله وخليل يقول له: أنا معك إلى باب قبرك ثم أ×ليك وهو لده وخليل يقول له أنا معك إلى أن تموت وهو ماله فإذا مات صار للوارث<([290]).

الخاتمة:

خلاصة البحث:

لقد انتهينا بحمد الله تعالى من أحصاء أهم العوامل التي كانت وراء مواجهة ومناجزة الأنبياء#ودراستها – وقد كانت سبعة أربعة نفسية وثلاثة خارجية.

العوامل النفسية:

الاستكبار:

كان هاذ العامل ظاهراً وبارزاً عند المجتمع الفرعوني ضد قوم النبي موسى $وكذلك عند قوم النبي هود$.

اتباع الهوى:

هذا العامل كان يسري في بني اسرائيل كسريان الدم في عروقهم فلذا كانت أغلب مواقفهم مع انبياءهم نابعة من هذا المرض النفسي.

الجهل:

الجهل يشكل عاملاً قد يكون مشتركاً عند جميع الأقوام المقاومة لأنبياءها وقد يكون عند قوم أقوى منه عند قوم آخرين لكن في النتيجة كان الجهل حاضراً في كل صراعات الخير مع الشر.

الحسد: -

عقدة نفسية عاشها اليهود ضد نبينا محمد@لتؤدي بهم إلى جحود وأنكار نبوة النبي محمد@على علمٍ ويقينٍ منهم بانه النبي المرسل من قبل الله عز وجل ، وكذلك عشش هذا المرض في قلوب ونفوس مشركي قلة ضد نبينا@.

العوامل الخارجية:

تزيين الشيطان:

يعتبر من العوامل المشتركة عند جميع الأقوام المواجهة والمناهضة لحركة الأنبياء #لأن الشيطان لعنه الله كان موجوداً في كل مفاصل الزمن الذي وقع فيه صراع الحق والباطل.

إتباع الآباء والأجداد:

وهذا العالم ايضاً مشترك عند جميع الأقوام فهو يبذر عند حركة النبي نوح $ويستمر إلى نبوة الخاتم محمد@ليكون اتباع الآباء عقبة في طريق الخير والإصلاح.

الأموال:

عامل أسقط الكثير من الجماعات المهرولة وراء حب الدنيا والراكضة نحو تحقيق لذاتها المؤقتة وشهواتها العابرة وكان طاقة في نفوس المترفين للوقوف بوجه دعوات الأنبياء#الإصلاحية.


 

المصادر:

1ـ القرآن الكريم.

2ـ مجمع البيان في تفسير القرآن/ الشيخ الطبرسي/ الطبعة الثانية 1408 هـ - 1988م/ دار المعرفة للطباعة والنشر.

3ـ تفسير الصافي/ الفيص الكاشاني/ الطبعة الثالثة/ 1415 هـ ق 1373 هـ ش/ المطبعة آرمان.

4ـ في ظلال القرآن/ سيد قطب/ الطبعة السابعة والعشرون/ 1419 هـ - 1998م / دار الشروق.

5ـ مواهب الرحمن في تفسير القرآن/ السيد عبد الاعلى السبزواري/ الطبعة الثالثة سنة 1414 هـ / المطبعة جاويد.

6ـ الميزان في تفسير القرآن/ العلامة الطباطبائي/ الطبعة الثالثة طهرا: دار الكتب الإسلامية/ 1397هـ.

7ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي الطبعة الأولى 1413 ق/ بيروت مؤسسة البعثة للطباعة والنشر والتوزيع.

8ـ من وحي القرآن ، السيد محمد حسين فضل الله / بيروت: دار الزهراء للطباعة وانشر والتوزيع ، الطبعة الثالثة.

9ـ التبيان في تفسيرالقرآن/ الشيخ الطوسي/ الطبعة الأولى 1409 ق قم مكتب الإعلام الإسلامي.

10ـ من هدى القرآن/ السيد محمد تقي المدرسي/ دار الهدى الطبعة الأولى 1406هـ ق.

11ـ التفسير لكتاب الله المنير/ الشيخ محمد الكرمي/ قم المطبعة العلمية 1402هـ.

12ـ تفسير الكاشف/ محمد جواد مغنية/ بيروت دار العلم للملايين/ الطبعة الثالثة 1981 م.

13ـ الجديد في تفسير القرآن/ الشيخ محمد السبزواري النجفي بيروت : دار التعارف للمطبوعات / الطبعة الأولى/ 1402 ق.

14ـ كتاب العين/ الخليل بن أحمد الفراهيدي/ الطبعة الثانية 1409 المطبعة صدر/ الناشر مؤسسة دار الهجرة.

15ـ مجمع البحرين/ الشيخ فخر الدين الطريحي/ الطبعة الثانية 1408/ الناشر مكتب نشر الثقافة الإسلامية.

16ـ الصحاح/ اسماعيل بن حماد الجوهري/ الطبعة الرابعة 1407 هـ المطبعة دار العلم للملايين/ الناشر دار العلم للملايين بيروت.

17ـ تاج العروس من جواهر القاموس/ محمد مرتضى الزبيدي الناشر المكتبة الحياة بيروت.

18ـ لسان العرب/ ابن منظور/ الطبعة الأولى، المطبعة دار إحياء التراث العربي/ الناشر نشر أدب الحوزة.

19ـ القاموس المحيط/ الشيخ نصر الهوريني/ الفيروز آبادي.

20ـ المنجد في اللغة/ لويس معلوف/ الطبعة الرابعة 1374 هـ ش انتشارات دهاقاني.

21ـ المدرسة القرآنية/ الشهيد السيد محمد باقر الصدر/ الطبعة الثانية 1401 هـ - 1981 م بيروت / لبنان.

22ـ المجتمع والتاريخ/ الشهيد مرتضى مطهري/ المترجم محمد علي آذرشب الطبعة الأولى 1402 هـ / منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى.

23ـ المختار من صحاح اللغة/ محمد محي الدين عبد الحميد ومحمد عبد اللطيف السبكي الطبعة الأولى سنة 1363 هـ ش / انتشارات ناصر خسرو.

24ـ بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية/ السيد محسن الخرازي/ الطبعة الأولى 1402 هـ / منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى.

25ـ خط الأنبياء والمواجهة/ محمد علي جواد/ الطبعة الأولى 1418 ق – 1376 ش المطبعة/ مطبعة مكتب الاعلام الإسلامي/ الناشر مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.

26ـ الأنبياء حياتهم وقصصهم/ عبد الصاحب الحسيني العاملي/ الطبعة الأولى 1391 هـ - 1971م مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت – لبنان .

27ـ النور المبين في قصصص الأنبياء والمرسلين / السيد نعمة الله الجزائري، الطبعة الأولى سنة الطبع 1372 هـ ش – 1414 هـ ق/ منشورات الشريف الرضي.

28ـ المذهب السياسي في الإسلام/ محمد عطا المتوكل/ الطبعة الثانية 1405 هـ - 1985م – مؤسسة الارشاد الإسلامي/ بيروت – لبنان .

29ـ دعوة موسى والانحرافات الإسرائيلية في ضوء القرآن/ الشيخ نوري حاتم الطبعة الأولى 1414 هـ - 1994م ومؤسسة المرتضى العالمية وبيروت لبنان.

30ـ جامع السعادات/ محمد مهدي التراقي/ الطبعة الثالثة/ مطبعة النجف – النجف الأشرف 1383 – 1963م.

31ـ الشباب والشيوخ والكهول / محمد تقي فلسفي/ الطبعة الاولى 1412 هـ - 1992 م – مؤسسة البعثة للطباعة والنشر والتوزيع.

32ـ دروس في الأخلاق/ آية الله المشيكني/ الطبعة الأولى 1416 ق – 1374 هـ الناشر / نشر الهادي.

33ـ الخصال/ الشيخ الصدوق الناشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية.

34ـ الأصول من الكافي/ الشيخ محمد بن يعقوب الكليني/ الطبعة الأولى 1365 هـ الناشر دار الكتب الإسلامية آخوندي.

35ـ رسائل المرتضى/ السيد المرتضى/ الناشر/ دار القرآن 1405 هـ / مطبعة الخيام – قم.

36ـ قصص القرآن الكريم/ الدكتور فضل حسن عباس/ الطبعة الأولى 1420 هـ - 2000م / دار الفرقان للنشر والتوزيع.

37ـ دراسات في نهج البلاغة/ الشيخ محمد مهدي شمس الدين/ الطبعة الثانية/ بيروت لبنان 1392 هـ - 1972م.

38ـ الرسائل العشر/ الشيخ الطوسي/ الناشر جامعة المدرسين قم – 1404 هـ.

39ـ أوائل المقالات / الشيخ المفيد/ الطبعة الثانية 1414 هـ / الناشر دار المفيد بيروت لبنان.

40ـ البحار/ العلامة المجلسي/ الطبعة الثانية 1403 هـ - 1983 م الناشر مؤسسة الوفاء بيروت – لبنان.

41ـ تحف العقول/ ابن شعبة البحراني/ الطبعة الثانية 1363 ش – 1404 ق/ الناشر مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين.

42ـ مستدرك الوسائل / الشيخ النوري/ الطبعة الثانية 1408 هـ الناشر مؤسسة آل البيت $.

43ـ منتخب ميزان الحكمة/ محمد الريشهري/ تلخيص السيد حميد الحسيني الطبعة الثالثة 1423 ق/ 1381 ش المطبعة دار الحديث.

44ـ الندوة 3/ السيد محمد حسين فضل الله / الطبعة الثالثة 1419 هـ - 1998 م / المعد والناشر عادل القاضي.

45ـ عيون الحكم والمواعظ/ علي بن محمد الليثي الواسطي/ الطبعة الأولى 1376 ش/ 1 المطبعة دار الحديث/ الناشر دار الحديث.

46ـ نهج السعادة / الشيخ المحمودي/ الطبعة الأولى 1385 هـ مطبعة النعمان النجف الأشرف.

47ـ المسترشد في امامة أمير المؤمنين$ / محمد بن جرير الطبري/ الطبعة الأولى المطبعة سلمان الفارسي/ الناشر مؤسسة الثقافة الإسلامية لكوشانبور.

48ـ الآمالي/ الشيخ الطوسي/ الطبعة الأولى 1414 هـ / الناشر دار الثقافة – قم.

49ـ الكافي في أصول الفقه السيد محمد سعيد الحكم/ الطبعة الثانية 1422 هـ - 2001م الناشر/ مكتب آية الله العظمى السيد الحكيم.

50ـ أصول الفقه/ الشيخ محمد رضا المظفر/ الطبعة السابعة/ تاريخ النشر 1374 هـ ش – 1416 هـ ق.

51ـ نهج البلاغة/ شرح محمد عبده/ الناشر – المطبعة دار المعرفة بيروت.

52ـ نهج البلاغة/ شرح محمد عبده/ منشورات الأعلمي طهران.

53ـ معجم مقاييس اللغة/ أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي منشورات محمد علي بيضون / دار الكتب العلمية بيروت / لبنان الطبعة الأولى 1420 هـ - 1999م.

54ـ المعجم الوسيط / قام باخراجه إبراهيم مصطفى واحمد حسن الزيات وحامد عبد القادر ومحمد علي النجار/ المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع / استانبول – تركيا.

55ـ من وحي القرآن/ السيد محمد حسين فضل الله / ناشر – بيروت دار الزهراء الطبعة الأولى 1409 – 1989م.

56ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – العلامة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي الطبعة الأولى / المطبعة  أمير المؤمنين قم – إيران / تاريخ النشر 1379 هـ ش – 1421 هـ ق.

57ـ من هدى القرآن/ العلامة السيد محمد تقي المدرسي/ الطبعة الأولى ذي القعدة 1410 هـ.

 

 

 


 

([1]) الصحاح ج6 ص2254.

([2]) العين ج8 ص382.

([3]) الصحاح ج1 ص74.

([4]) بداية المعارف الإلهية ج1 ص211.

([5]) تفسير الأمثل ج1 ص288.

([6]) تفسير الأمثل  ج1 ص288.

([7]) من هدى القرآن ج3 ص360.

([8]) من هدى القرآن ج3 ص387

([9]) من هدى القرآن ص444.

([10]) خط الأنبياء والمواجهة ص200.

([11])خط الأنبياء والمواجهة ص252.

([12]) آية 50 سورة طه.

([13]) البقرة: 213.

([14]) النساء : 165.

([15]) الأنعام: 48.

([16]) آل عمران : 164.

([17]) الجمعة: 121.

([18]) المسترشد في إمامة أمير المؤمنين / محمد بن جرير الطبري ص 229.

([19]) الآمالي/ الشيخ الطوسي/ ص266.

([20]) معجم مقاييس اللغة ابن فارس / ج3 ص60- 61.

([21]) لسان العرب ابن منظور ج6 ص299.

([22]) سورة فاطر 43.

([23]) المدرسة القرآنية 43.

([24]) المجتمع والتاريخ 54.

([25]) المدرسة القرآنية ص54.

([26]) سورة آل عمران آية 137.

([27]) سورة ق (36 – 37)

([28]) سورة الحج 46.

([29]) المدرسة القرآنية : 92.

([30]) الاحزاب: 62

([31] ) الاسراء : 77.

([32]) الرعد: 11.

([33]) الجن : 160.

([34])

([35])الاسراء: 76- 77.

([36]) الأنعام : 34.

([37]) الفتح: 3.

([38]) البقرة: 214.

([39])لسان العرب ابن منظور ج12 ص15.

([40]) نفس المصدر.

([41]) المعجم الوسيط ص 773.

([42]) نفس المصدر.

([43]) نفس المصدر.

([44]) المختار من صحاح اللغة ص444.

([45]) المنجد ص669.

([46]) المختار من صحاح اللغة ص 444.

([47]) جامع العبادات ص 444.

([48]) جامع العبادات ص 445.

([49]) البقرة: 34.

([50]) الأعراف: 11 – 12.

([51]) الاسراء: 61.

([52]) الحجر:32- 33.

([53]) شرح نهج البلاغة محمد عبده ص 397.

([54])  =    =       =     =     = ص 397.

([55])  شرح نهج البلاغة لمجموعة 5 ص 410.

([56])  الشباب الشيوخ والكهول محمد تقي فلنفي ص201 ج1.

([57])  شرح نهج البلاغة لمجموعة 5 ص 410.

([58]) سورة النمل 30 – 31

([59]) سورة النمل 21.

([60])  سورة النمل 33.

([61]) قصص الأنبياء السيد نعمة الله الجزائري ص84.

([62]) من وحي القرآن الحلقة العاشرة ص96.

([63]) قصص الأنبياء السير نعمة الله الجزائري ص 83.

([64]) فصلت 13.

([65]) هود 9.

([66])  هود 52.

([67]) المذاهب السياسي في الإسلام محمد عطا المتوكل ص34.

([68]) قصص الأنبياء السيد تقي الله الجزائري ص100.

([69]) البقرة 251.

([70]) من وحي القرآن الحلقة الخامسة ص 39 – 40.

([71]) القصص: 4.

([72]) النازعات 20 و 21، 23، 24.

([73])  الزخرف: 51.

([74]) القصص: 38.

([75]) نهج البلاغة شرح محمد عبده ص265.

([76]) الأنبياء حياتهم، قصصهم عبد الصاحب الحسني العاملي ص347.

([77]) 78 القصص.

([78]) الأنبياء حياتهم، وقصصهم ص490.

([79]) البقرة: 247.

([80]) من وحي القرآن الحلقة الرابعة : ص215.

([81]) غافر : 60

([82]) النساء: 172.

([83]) القصص : 38.

([84]) الزخرف : 52.

([85]) يونس: 75.

([86]) المؤمنون: 44.

([87]) فصلت: 44.

([88]) الاسراء : 95.

([89]) المؤمنون: 24.

([90]) المؤمنون : 33.

([91])  الأمثل في تفسير القرآن الجزء 9 ص 131 – 132.

([92]) المؤمنون: 24.

([93])  الأمثل الجزء 10 ص 396.

([94])  في ظلال القرآن ج 5 ص 2790.

([95]) ميزان الحكمة : ج3 ص2656.

([96]) لسان العرب ابن منظور ج15 ص168 .

([97]) المنجد في اللغة ص878.

([98]) البحار ج2 ص106.

([99]) الندوة 3 محمد مسين فضل الله ص48.

([100]) البقرة: (87).

([101]) من وحي القرآن ج2 ص124.

([102]) تفسير الأمثل المجلد الأول ص288.

([103]) في ظلال القرآن ج1 ص88 – 89.

([104]) الأعراف: 138.

([105]) دعوة موسى والانحرافات الإسرائيلية ص119.

([106]) الاعراف: 142.

([107])  الاعراف: 148.

([108]) البقرة: 55.

([109]) من وحي القرآن ج2 : ص51.

([110]) الاعراف: 150.

([111]) البقرة : 54.

([112]) الأعراف: 155.

([113]) البقرة: 55.

([114]) تفسير في ظلال القرآن : ج1 ص72.

([115]) الأنبياء حياتهم وقصصهم ص 322.

([116]) المائدة : 22.

([117]) المائدة 24.

([118]) المائدة: 26.

([119]) في ظلال القرآن ج1 ص75.

([120]) الكهف: 28.

([121]) في ظلال القرآن ج4 ص2269.

([122]) نهج السعادة ج8 الشيخ المحمودي ص 312.

([123]) نهج البلاغة: ج4 ص48.

([124]) القصص: 50.

([125]) مجمع البيان ج7 ص402.

([126]) القصص : 48.

([127]) القصص: 49.

([128]) من وحي القرآن: ج16 ص174.

([129]) سورة ص 26.

([130]) الامثل في نفسير كتاب الله المنزل ج16 ص201.

([131]) ميزان الحكمة ج4 ص3476.

([132]) الكهف: 104.

([133]) المؤمنون: 71.

([134]) من وحي القرآن ج16 ص174.

([135]) في ظلال القرآن: ج4 ص2475.

([136]) الجاثية: 23.

([137]) يس: 61.

([138]) التوبة : 31.

([139]) ميزان الحكمة ج4 ص3478.

([140]) ميزان الحكمة ج4 ص 3478.

([141]) عيون الحكم والمواعظ/ ص361.

([142]) شرح نهج البلاغة محمد عبده ص185.

([143]) نهج البلاغة ج4 ص15.

([144]) لسان العرب ابن منظور ج2 ص402.

([145]) القاموس المحيط ج3 ص517.

([146]) أصول الفقه ج3 -4 ص74.

([147]) الكافي في أصول الفقه ج2 ص101.

([148]) المجلد الأول الأصول من الكافي ص16 -122 كتاب العقل والجهل.

([149]) يونس : 38-39.

([150]) آل عمران: 11.

([151]) من وحي القرآن ج11 ص312.

([152]) 1- 5 الكهف.

([153]) من وحي القرآنت ج14 : ص368.

([154]) 171: النساء.

([155]) 72: المائدة.

([156]) 75: المائدة.

([157]) 20- 21 الزخرف.

([158]) الانجيل المجلد السادس ص337.

([159]) في ظلال القرآن ج5 ص3037.

([160]) 100- 101 الأنعام.

([161]) من وحي القرآن ج9 ص247.

([162]) آل عمران 190 .

([163]) البقرة: 269.

([164]) العنكبوت: 30.

([165]) ص: 29.

([166]) الزمر: 9.

([167]) الرعد: 19.

([168]) النحل: 12.

([169]) الجاثية: 5.

([170]) الحديد: 17.

([171]) الروم: 24.

([172]) 170: البقرة.

([173]) 171: البقرة.

([174]) 42: يونس.

([175])  يونس : 55.

([176]) يونس: 66.

([177]) الفرقان: 44.

([178]) الحشر: 14.

([179]) لسان العرب: ج3 ص166.

([180]) مجمع البيان في تفسير القرآن ج1 ص352.

([181]) نفس المصدر والصفحة.

([182]) كتاب الندوة 3 ص303.

([183]) دروس في آية الله المشكيني: ص240.

([184]) 35- 36 : البقرة.

([185]) 19 – 20 : الأعراف.

([186]) 17 – 20 طه.

([187]) الأنبياء حياتهم – قصصهم ص49-50.

([188]) 27 – 30 المائدة.

([189]) كتاب الندوة 3 ص 308.

([190]) 118 : آل عمران.

([191]) 119: آل عمران.

([192]) 120: آل عمران.

([193]) الزخرف: 31- 32.

([194]) تفسير الصافي: ج4 ص389.

([195])  109 : البقرة.

([196]) من وحي القرآن ج2: ص168.

([197]) 54: النساء.

([198]) تفسير الأمثل: ج3 ص243.

([199]) من وحي القرآن : ج7 ص307.

([200]) مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج1: ص431.

([201]) مستدرك الوسائل/ ج12 ص20.

([202]) نفس المصدر ص21.

([203]) نفس المصدر ص21.

([204]) نفس المصدر ص21.

([205]) عيون الحكم والمواعظ: ص39.

([206]) منتخب ميزان الحكمة: ص142.

([207]) الكافي: ج2: ص307.

([208]) ميزان الحكمة ج1: ص628.

([209]) مستدرك الوسائل ج12: ص23.

([210]) تحف العقول ص315.

([211]) مجمع البحرين ج2/ ص311.

([212]) مجمع البحرين ج2/ ص457.

([213]) كتاب العين / للخليل بن أحمد الفراهيدي ج7/ ص387.

([214]) الرسائل العشر/ اليخ الطوسي & 327.

([215]) أولئك المقالات/ الشيخ المفيد & ص133.

([216]) البحار ج60: ص290.

([217]) تفسير الميزان الجزء 2 ص412.

([218]) تفسير الميزان الجزء 8 ص44.

([219]) الكهف: 50.

([220]) مجمع البحرين ج2 ص570.

([221]) مجمع البحرين ج2 ص571.

([222]) يس : 60- 62.

([223]) دراسات في نهج البلاغة/ محمد مهدي شمس الدين/ ص111.

([224]) نفس المصدر: ص112.

([225]) قصص القرآن الكريم/ الاستاذ الدكتور فضل حسن عباس/ ص96 – 97.

([226]) الاسراء:53.

([227]) النحل : 63.

([228]) تفسير الأمثل: ج2 ص208.

([229]) العنكبوت: 38.

([230]) من وحي القرآن: ج18 ص52.

([231]) الحجر : 39- 40.

([232]) مجمع البيان في تفسير القرآن ج 1-2 ص459.

([233]) البيان ج2 الشيخ الطوسي & ص70/ الناشر مكتب الاعلام الإسلامي.

([234]) مجمع البيان في تفسير القرآن ج1-2 ص459.

([235]) النور – 21.

([236]) البقرة: 275 .

([237]) البقرة: 208.

([238]) الأنعام: 142.

([239]) الصحاح ج2 الجوهري ص527.

([240]) تاج العروس ج2 الزبيدي ص475.

([241]) رسائل المرتضى، ج2 ص265.

([242]) مجمع البحرين/ ج3 – ص541.

([243]) المدرسة القرآنية / السيد محمد باقر الصدر (رض) / ص149-150.

([244]) سورة هود: آية 62.

([245]) الزخرف: 22.

([246])  تفسير الأمثل: ج16 ص30.

([247]) من وحي القرآن الجلد 20/ ص276.

([248]) هود: 62.

([249]) من هدى القرآن، السيد محمد تقي المدرسي/ ج5 ص84.

([250]) التفسير المنير والشيخ محمد الكومي/ ج4 ص261.

([251]) التفسير الكائف / محمد جواد مغنية/ المجلد 4 ص244.

([252]) يونس: 78.

([253]) تفسير الأمثل: جلد 6 ص380.

([254]) من وحي القرآن جلد 11 ص337.

([255]) هود : 187.

([256]) التفسير الكاشف، المجلد4 ص259.

([257]) تفسير الأمثل: ج7 ص37.

([258]) من وحي القرآن جلد 12 ص124.

([259]) الزخرف: 23.

([260]) الميزان: ج18 ص96.

([261]) تفسير الأمثل: ج16 ص34.

([262]) لقمان: 21.

([263]) تفسير الأمثل: ج13 ص50.

([264]) من وحي القرآن ج18 ص216.

([265]) من هدى القرآن ج10 ص158.

([266]) هود آية: 84 – 85.

([267]) من هدى القرآن جلد 5 ص105.

([268]) تفسير الأمثل ج7 ص32.

([269]) الشعراء: 177- 183.

([270]) تفسير الأميل: ج11 ص399.

([271]) التفسير المنير ج6 ص58.

([272]) الاعراف: 85.

([273]) العنكبوت: 36.

([274])  من وحي القرآن : ج18 ص54.

([275]) من وحي القرآن: ج10 ص113.

([276]) المنافقون: 9.

([277]) الميزان جلد 19 ص337.

([278])  من هدى القرآن جلد 15 ص426.

([279]) من وحي القرآن : ج10 ص283.

([280]) الكهف: 46.

([281]) من هدى القرآن ج6 ص423.

([282]) من وحي القرآن ج14 ص359.

([283]) الأنفال: 28.

([284]) تفسير الأمثل جلد 5 ص366.

([285])الجديد في تفسير القرآن ج3 ص274..

([286]) من وحي القرآن ج10 ص283.

([287]) البحار: ج70 ص23.

([288]) البحار ج70 ص23.

([289]) الكافي ج2 ص315، الطبعة الأولى ، 1365 هـ ، الناشر دار الكتب الإسلامية آخوندي.

([290]) الخصال الشسخي الصدوق ص111/ الناشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية.

Untitled-1