Untitled-1

ظاهرة تزييف النهضة في التاريخ الإنساني

جريدة الشهادة السنة الثالثة العدد(150) صفحة(12)

الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

تزييف النهضات والثورات الحقيقية في العالم عملية ألفها التاريخ الإنساني عبر مراحله العديدة، وقد عانى منها أغلب المصلحين الذين شهدتهم دنيا الناس، فكم من الأنبياء عليهم السلام عانوا من التزييف لجهودهم ومبادئهم، وكم من الأئمة عليهم السلام من عاني من هذه الحالة المؤسفة.. حتى إن بعض الأنبياء عليهم السلام عانى من التزييف وهو لا زال ثاوياً بين ظهراني قومه، كموسى بن عمران عليه السلام الذي حاول المزيفون أن يبعدوا قومه إلى عجل له خوار، موسى عليه السلام لا زال حياً يبني قواعد الدين، وينشيء دعائم دعوة الله تعالى، ونفس المعاناة واجهت خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم في حياته فأجهض بإذن الله تعالى محاولات(الخط السامري) لإجهاض الرسالة والنهضة، والأئمة من آل النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم عانوا من ذلك كثيراً، حتى ابتلي بعضهم بالمغيرة بن سعد الذي زيف وابتلي الإمام الصادق عليه السلام بالخطاب والخطابية الذين زيفوا جملة من مباديء الأئمة ودسوا فيها الكثير، وابتلي الأئمة بالواقفة في عهد الإمام الرضا وولده الجواد عليهما السلام، كما ابتلي المتأخرون من الأئمة بجعفر الكذاب صاحب الأطروحات السامرية المعروفة، ولا يختلف المصلحون الصادقون عمن تولوهم من الهداة في أمثال هذه الابتلاءات في تزييف الخط، وتمييع التوجه وبلبلة الأهداف.

وإذا تلمسنا كيفية نشوء التزييف في التاريخ لوجدنا أنه حالة لا تنشأ دفعة واحدة وإنما تستعين بالتدرج، وتلوذ بالشبهات وتمر خلسة في غالب الأحوال وكما لا يكتفي التزييف بتحقيق درجة من الدرجات المطلوبة، فإنه يحرص على توفير الأرضية المناسبة لكل درجة ومرحلة حتى يتحقق التزييف الشامل،.. وهكذا تستطيع أن تقرأ فصول حركة التزييف في القضية الفلسطينية ما بين الشيخ عز الدين القسام والمجاهد المسلم، وياسر عرفات السياسي المحترف، وبدرجة مشابهة تستطيع أن تتلمس هذه الحالة في الثورة الجزائرية التي بدأت بوجه وقلب إسلامي وانتهت بنهج آخر، وفي تاريخ الأمم والشعوب أمثلة كثيرة حية مجسدة على ما نحن بصدده.

ومن الجدير بالذكر أن حركة التزييف تتخذ مظاهر شتى ولا يعوقها غير الوعي على الحقائق من قبل الأمة التي تواجه عمليات التزييف، ولا يحبطها غير المواقف المبدئية الصارمة، وصرخة الـ(لا) الرافضة المدوية.

فمن هذه الظاهرة المألوفة التي ينتهجها التزييف: حالة التزييف لحقائق التاريخ، وحالة تزييف الأفكار والمباديء وإلباسها ثوباً آخر، أو تحميلها تفسيراً آخر، ومن مظاهر التزييف: تفريغ الشعارات من مضامينها الحقيقية، ومن المظاهر: الاحتراف السياسي والركض خلف الأضواء، والتهالك على(قطاع) السياسية الملتوية المعلقة في فراع البعيدة عن الآمال والآلام التي تعيشها الأمة، ومن مظاهر التزييف إبراز عناوين بديلة للعناوين التاريخية الأصيلة، هكذا تمضي عربة التراجع نحو هاوية التزييف الكامل حتى تغور في أوحال(السامرية).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

Untitled-1