الظن ولآثم وخطوات المسير! جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(82) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) شخصية المؤمن تحظى في حساب الشارع والمباديء الإسلامية بقيمة معنوية خاصة تترتب عليها مفاهيم ومواقف كثيرة حددتها شريعة الله الخاتمة، وفي الكتب المصنفة في حقل الأخلاق الإسلامية، مفردات ضخمة في عددها ومضمونها تشكل الضوابط العامة والتفصيلية التي تحدد علاقة المؤمنين فيما بينهم، ابتداء من ضرورة ادخال السرور على قلب المؤمن، ومروراً بالتحذير من مغبة تعييره أو إظهار الشماتة به أو اخافته ـ ولو بنظرة ـ وانتهاء بالنهي الصارم عن التعامل معه بسوء الظن أو اغتيابه أو التجسس عليه. وإذا لوحظت المباديء الإسلامية التي تصنف في حقل صيانة شخصية المؤمن لوجدنا أن الشريعة الإسلامية حريصة على إقامة أسوار عالية من الاحترام والتقدير والصيانة حول شخصية الإنسان المؤمن للحيلولة دون الاساءة إليها أو اختراق حرمة حدودها المقدسة بقول ولا عمل ولا موقف الأمر الذي يفهم من عدة نصوص إسلامية أصيلة:(من نظر إلأى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله) من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروئته ليسقطه من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان من أنب مؤمناً أنبه الله في الدنيا والآخرة أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل على الدين، فيحصي عليه عثراته وزلاته ليعنفه بها يوماً ما). وتدخل قضية الظن ضمن الحدود الشرعية ـ بدرجة متقدمة ـ في التعامل بين المؤمنين أفراداً وجامعات وقد أوضحت الشريعة لهذه المسألة حدودها وأبعادها: الحدود المسموح بها من الظن والابتعاد المرفوضة منها ويلاحظ من خلال النصوص المتواترة بين أيدي المسلمين أن للظن ثلاثة أنماط: الظن الحسن بالمؤمن، ومحاولة تفسير مواقفه ونشاطاته حتى المؤذية منها تفسيراً مقبولاً، والتعامل على النفس من أجل قبولها بهذا الحسن وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله في هذا الصدد ما يلي:(ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير محملاً). فالأصل أن يتعامل المؤمن والجماعة المؤمنة مع المؤمنين الآخرين أفراداً أو جماعات بحسن الظن فيما يصدر عنهم على أن يبقى المؤمن عند مواقفه هذا حتى يغلبه على هذا الموقف القطع بخلافه. أما الظن القلبي وتفسيره المواقف الصادرة من الآخرين تفسيراً سلبياً مما لا يترتب عليه أثر في الخارج عملياً ولا عاطفياً، فهو نمط مسموح به شرعاً ولكنه يخرج عن هذا الوصف إذا تحول هذا الهاجس إلى موقف عملي، والاشارة القرانية الموحية حول هذا الموضوع تشير لهذه الخصوصية، لذا قال تبارك وتعالى(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) ولم يقل مجمل الظن، لكي يميز تبارك وتعالى بين البعض المسموح به من البعض الممنوع. أما الظن الآثم المرفوض شرعاً فهو الظن السيء بالمؤمنين وتفسير نشاطاتهم أو أقوالهم أو مواقفهم تفسيراً سلبياً دون اللجوء إلى القطع والحجة وإنما يكون الهاجس والاحتمال هو الخلفية التي تعتمد في تبرير أعمال المؤمنين ومواقفهم تبريراً سلبياً ظالماً. إن هذا اللون من الظنون الآثمة بقدر ما يشكل تخريباً لصفاء الجماعة المؤمنة وتوهيناً لصفهم من الناحية الواقعية، فإنه من جانب آخر يشكل احدى الآفات التي تهدد البناء الروحي للأفراد والجماعات المؤمنة ولذا أوردت الأحاديث الشريفة منددة ومحذرة من هذا النوع من المرض الأخلاقي الخطير:(اذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
|