(الظاهرة) الكوفية ليست عراقية!. جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(88) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) في المجرى العام لتاريخ الأمم والشعوب تبرز ظاهرتان اثنتان: أولهما: ظاهرة الصعود والنهضة وما يتعلق بها عادة من حالات النصر ونمو الطاقات وخصوبة العطاء والاستبسال في مواجهة الخصوم وانتزاع الحقوق وما إليها. وثانيهما: ظاهرة التراجع والانحطاط وما يصاحبها عادة من حالات الإخفاق وانكسار المعنويات وإفرازات التردي، وجدب العطاء والانكفاء عند مواجهة الشدائد وسواها. ولأن هاتين الظاهرتين تمثلان قانونا طبيعياً في حياة البشر، تتعاقبان في مسيرة كل أمة وشعب فقد عبر القران الكريم عنها بحالة التداول في دنيا الناس، حيث يتداول البشر ـ في المفهوم القرآني ـ هذه الظواهر والحالات تبعاً لشروط وعوامل ومؤهلات تتوافر لدى الأمم والشعوب فتنتج هذه الظواهر وتلك الحالات، قال تعالى:(وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ). وبناء على ذلك فإنه ما من أمة أو شعب في التاريخ البشري إلا ويتحرك في ظلال قانون التداول هذا الأمر الذي يدركه فلاسفة التاريخ المهتمين بتدوينه ودراسته جيداً حتى أن توينبي المؤرخ الإنكليزي المعاصر قد افترض أن قضية التداول الحضاري تجري في إطار ثلاثين أمة في هذا الكوكب ـ وأن كنت أشك في صحة ما ادعاه بالنسبة للشعوب السوداء التي يفترض توينبي أنها لم تشارك عبر التاريخ في صنع حضارة إنسانية بالمرة إذ ربما تكونت لديه معلومات تاريخية تساعده في تشخيص دور القارة السوداء وشعوبها من الناحية الايجابيةـ. وتجري الأعمال التاريخية الإيجابية في دنيا الناس إذا توفرت عواملها المناسبة لإنتاج مثل هذه الأعمال ـ كما المحنا ـ، كما تنتج العوامل السلبية والنقائض نتائج سلبية تختلف آثارها الضارة في التاريخ مساحة وبعداً. وأسوة بكافة أمم الأرض عبر التاريخ ارتكبت في تاريخ المسلمين أخطاء متفاوتة في حجمها وأبعادها ومضارها، بعضها صدر من أفراد، وبعضها من مجموعات، وأخرى صدرت من عموم الأمة في حالة من حالات الضعف البشري. إن ما نعتبره خطأ أو نسميه صواباً من المواقف والأعمال التاريخية مهما كان مصدرها في تاريخ المسلمين إنما نقيمه على ضوء ما قدم للإسلام كرسالة وللمسلمين كافة، وللقيادة الشرعية الحاملة للإسلام ولهم الإسلام عبر التاريخ. وإذا عدنا إلى المصاديق فإن أكبر خطأ تاريخي اقترفته الكوفة بداية تاريخها كان خذلان إمام الحق الحسين بن علي عليه السلام سبط رسول الله(ص) بعد اعلان بيعته ومكاتبته، وبدرجة ما كان خذلان زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام الخارج على السلطان من أجل الإسلام وقيمه ومستقبله. ومع إدانتنا لموقف ذلك الجيل الكوفي المنحرف فإنه كانت هناك عدة عوامل ساهمت في بلورة ذلك الموقف المخزي وأمثاله من سلبيات لعل في مقدمتها: حالة النفاق الاجتماعي التي أفرزتها سياسة الحكام الظالمين والبلبلة الفكرية التي عصفت بالكوفة، وأسلوب القهر الذي سلكته السلطات الحاكمة تجاه المعارضين، إضافة إلى بذل الأموال لشراء الذمم وشيوع الأراجيف واعتقال الكثيرين من المخلصين، إضافة إلى أن أهل الكوفة لم تكن غالبيتهم شيعة لعلي عليه السلام كما نفهم الآن من مفهوم التشيع من الناحية الفكرية والعملية. بيد أن هذه الكوفة التي خذلت الحق في مقطع ما من التاريخ عادت ونصرت الحق وممثليه فكانت حركة التوابين الكوفية في الاتجاه الصحيح، وكانت انتفاضة المختار الثقفي تعبيراً حياً عن الأخذ بالثأر لصالح الدم الطاهر المارق في الطفوف، ثم إن هذه الكوفة نفسها هي التي أنجبت كثيراً من أنصار أبي عبد الله الحسين عليه السلام الذين استشهدوا معه في كربلاء نفسها التي أنجبت آلاف الرواة والعلماء والمفسرين من أصحاب الأئمة عليهم السلام عبر التاريخ. هكذا الكوفة في مسيرتها التاريخية يحدد خطواتها قانون التداول في دنيا الناس وفق شروطه وضوابطه، ولولا ارتباط ما ارتكبته الكوفة بمأساة آل النبي(ص) الحليلة المعروفة لصارت أخطاء الكوفة كأخطاء غيرها من البلاد والأمم، وإلا فإن الباحث في تاريخ المسلمين بمقدوره أن يسجل عشرات من المواقف العامة السلبية ذات الأثر الحضاري الخطير على الإسلام والمسلمين اتخذته أجيال من المسلمين في بلاد كثيرة فهذه مصر لم تنصر علي بن أبن طالب عليه السلام بشكل مناسب في غفلة من التاريخ، فأسلمت واليه محمد بن أبي بكر(رض) طعمة لغزو أموي نجم عنه قتل ذلك العبد الصالح. واليمن لم توفق للدفاع عن واليين من ولاة علي عليه السلام في وجه بسر بن ارطأة المبعوث بجيش من الشام. والصحابة أخطئوا في معركة أحد وتركوا الرسول(ص) جريحاً في المعترك ولم يبق معه غير ثلة من المخلصين. والمدينة المنورة سلمت محمد النفس الزكية للمنصور الدوانيقي. والطالقان ارتكبت خطأ جسيماً حين أسلمت الزعيم العلوي محمد بن القاسم المعروف بصاحب الطالقان وهو من أحفاد علي عليه السلام من الحسين عليه السلام وغم ضخامة من بايعه من الناس، إذ تفرق من حوله فاستتر في(نسا) من قرى خراسان فوشى به رجل إلى السلطة المحلية، وأرسل إلى المعتصم العباسي حاسراً رغم جلالة قدره، فنفذ الحاكم فيه حكمه. ورغم ما اقترفت هذه البلدان وتلك الأجيال من مفارقات فإنها قد سجلت مآثر كثيرة في مناسبات وظروف أخرى، وربما حقق بعض تلك المآثر نفس الجيل الذي ارتكب شططا في بعض المواقف التاريخية. وإذا كانت حالات الغفلة والنكوص قد تكررت وتكرر لدى أمة أو إقليم فإن حالات العطاء متكررة هي الأخرى في نفس تلك الأمة وذلك الإقليم طبقاً لقانون الدورة التاريخية قانون التداول الحضاري المعروف. بيد أن من الضروري أن نشير إلى أنه بمقدور السابقين في الوعي وحمل المسؤولية أن يمدوا يد العون لمن لم يلحق لكي تتوفر النقلة الحضارية تحت شروطها المطلوبة. (وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
|