حول التنافس والخصام! جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(81) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) حين ينطلق العمل الإسلامي على أرض الواقع، في أية مرحلة يفترض أن يتحرك ضمنه التنافس على الخير، والتسابق على تحقيق أكبر قدر من الإنجازات انسجاماً مع نزعة المسار في الخيرات، والتنافس على المبرات لدى المؤمنين. وهذه ظاهرة طبيعية تسود عالم العاملين في سبيل الله تعالى حتى أن القران الكريم قد امتدح هذا اللون من التنافس المبارك وحث عليه:(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ... لمثل هذا (فليتنافس المتنافسون). بيد أن القران الكريم أشار ضمن الحديث عن حركة الجماعة المسلمة بعد الهجرة في سورة الحشر ـ إشارة لطيفة إلى ظاهرة الغل التي تنتاب المؤمنين ـ وهي حالة الحقد القلبي الذي لا يترجم إلى مواقف عدائية بعد ـ. في معرض الإشارة إليها كحالة سلبية يعافها المؤمنون: (..رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) لعلمه سبحانه أن التنافس المشروع إذا لم تراع حدوده وأهدافه بشكل مناسب فإنه يقود إلى الإثرة والخصام مما يسبب نسيان الضوابط الشرعية في التعامل. وإذا شئنا أن نتلمس رأس الخيط الذي يقود إلى قلب مفهوم المسارعة في الخيرات مثلاً إلى خصام ذميم على المتاع الرخيص والموقع أو ما يتصور أنه موقع لوجدنا له عدة عوامل منها: نسيان الهدف الذي تحرك العمل الإسلامي من أجله على أرض الواقع. ومنها الرغبة في حصر مقاليد الأمور بقطاع من العاملين دون سواهم وأمثال ذلك. ومهما كانت هذه العوامل والخلفيات التي تسبب قلب مفاهيم المسارعة في الخيرات إلى خصام بين العاملين في سبيل الله، فإن منبعها الهوى، وطلب الدنيا ونسيان الآخرة، ومؤجج نيرانها الشيطان ـ والعياذ بالله تعالى ـ بقي علينا أن نبحث عن الوسائل الكفيلة للحيلولة دون قلب مفاهيم التنافس على الخير إلى(خنادق) للخصام والغل بين المؤمنين ـ ان وجدا لا سمح الله تعالى ـ في حركة العمل في سبيله تعالى. ولعل أبرز العناصر التي تساهم في مكافحة هذا الفساد نجدها في طيات الحقائق التالية: 1. أن يميز العامل في سبيله تعالى بين التنافس المشروع في العمل الإسلامي وبين ما يسبب خصومه وغلا وأذى الآخرين. 2. أن يكون لدى العاملين شعور دائم إن عملهم لله تعالى إنما ينهضون به ضمن التكليف الشرعي، وكل مكلف ينهض بتكليفه، كل بحسب جهوده وطاقاته، وتوفيق الله عز وجل له، والله تعالى هو الذي يختار العاقبة لعباده العاملين، والخصام لا يقرب النصر إنما يسبب تمزيق الصف وتأخير الفرج، وفي التاريخ الإسلامي شواهد حية حول هذه الحقيقة واهتمام رماة معركة أحد بالغنائم والمتاع قد سبب كارثة الهزيمة للمسلمين! 3. الشعور بأن ساحة العمل ليست ملكاًَ لأحد الكائنا من كان إنما هي لكل المكلفين والحقول كثيرة والمهمة كبيرة والطريق طويل، وقد يتنزف العاملون جميعاً في الصراع مع الطاغوت فيقيض الله تعالى غيرهم لهذه المهمة. 4. الشعور بأن عمل أي عامل في سبيل الله تعالى، وأن أي إنجاز أو مكسب يحققه أي عامل في سبيل القضية الإسلامية إنما هو خبير للجميع، ومكسب للجميع، ومن ينال من المؤمنين مقاماً أوجاهاً بين الناس إنما يحقق به مصلحة للمسلمين، ومكاسب لهم، والمفاهيم الإسلامية والحس الأخلاقي الذي يبثه الإسلام بين الجماعات المؤمنة إنما تحرص على زرع الغبطة والسرور بنجاح الآخرين في مهماتهم وتحرص في ذات الوقت على الحؤول بين المسلم وبين الوقوع في حبائل الشيطان التي من أبرز مظاهرها: الحسد والخصام بين المؤمنين.
|