Untitled-1

ضوء على خط السير

 جريدة الجهاد العدد(13) صفحة(71)

الشهيد عز الدين سليم (ره)

قال تعالى:( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

قال(ص): مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش).

(وقال(ص):(أقربكم مني غداً في الموقف أصدقكم للحديث وأداكم للأمانة وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس).

الدعوة على سبيل الله بالحكمة والتزام مبدأ المداراة للناس، والتودد لعباد الله والقرب منهم والتعاون معهم، والدعوة إلى نبذ الفرقة والشنآن، هذه المباديء وغيرها تصب جميعها في مجرى(ضرورة الاستيعاب للناس والتفاعل معهم).

وإذا قدر للمرء أن يتابع مسألة الاستيعاب للناس، والتي طرحها الإسلام كمبدأ اجتماعي سياسي فاعل في دنيا الناس، فإنه يلتقي مع هذه المبدأ من خلال العديد من المفاهيم والمصاديق الفكرية العملية، التي زخرت بها التجربة الإسلامية في عصر الرسالة، الزاهر فهو يلتقي بمفهوم(الاستيعاب) الواسع في إطار حث النصوص على المداراة للعباد أو في ضرورة التودد لهم أو وجوب دعوة عباد الله إلى الله بالحكمة ـ التي تطرح الصيغة الاستيعابية، من خلال المصاديق العملية التي تقطر خصبا وعطاء، كما في الأساليب الحكيمة التي يسلكها النبي والأئمة الدعاة الهداة عليهم السلام، مع قطاعات الأمة المختلفة التي تنطلق من مفهوم الاستيعاب للآخرين بأدق تفاصيله تماشياً مع اختلافاتهم الفردية وما يتمتعون به من فروق في الحقل المعرفي والظروف النفسية والاجتماعية والعقلية ومن متابعة موضوعية واعية إلى حدود الاستيعاب للآخرين التي مارسها النبي والأئمة عليهم السلام نجد أن الاستيعاب قد شمل كافة الطاقات الإنسانية، المتاحة يومئذ، كما شمل وجهات النظر المختلفة في دنا الأفراد والجماعات التي تجمعها مع حركة الإسلام. التاريخية قواسم مشتركة.

ويمكننا أن نلاحظ بوضوح تام كيف استطاعت التجربة الإسلامية الأولى أن تستوعب مختلف الطاقات، وتفوضها لصالح معركة التغيير كل من موقعه، وفي حدود ما تسمح له به طاقاته.

فالقادرون على مقارعة الخصوم بسبب توفر الشجاعة مثلاً، كانوا يتقدمون الصفوف للنهوض بأعباء الجهاد العسكري، والقادرون على تبليغ كلمة الله إلى عباد الله بالحكمة كانوا يمارسون نشاطهم كمجاهدين في حقل التغيير الفكري والروحي، وكان لأصحاب الحنكة والفهم الاجتماعي والسياسي والعسكري دورهم في صنع القرار... وغير ذلك...

أما في إطار استيعاب وجهات النظر المختلفة فإن التجربة الإسلامية، قد زخرت بممارسات عديدة في هذا السبيل وكانت التحالفات التي أجراها النبي صلى الله عليه وآله، مع بعض القوى الفاعلة، في مكة والمدينة، قد دخلت ضمن سياسة الاستيعاب كالحلف مع خزاعة ومعاهدة المدينة ـ كما أن تواجد قطاعات مختلفة في تفاصيل القناعات ـ على الأقل ـ وفي المستوى الفكري والالتزامي بين الصحابة أنفسهم، تجسد حقيقة الروح الاستيعابية الواعية التي تميز بها التجربة الإسلامية الأولى...

وبخصوص الحركة الإسلامية المعاصرة فإنا ـ بالأصل ـ تستهدي بالتجربة الإسلامية الأم التي قادها النبي(ص) والأئمة الهداة من بعده.

فكما أن استيعاب الطاقات وإقرار الفروق الفردية مسألة تعد من مسلمات العمل الإسلامي التي لا يصح أن يجعلها عامل في سبيل الله تعالى كذلك فإن استيعاب الآخرين من العاملين في الحقل الإسلامي المعروفين بالإخلاص لله تعالى واستراتيجية المرحلة وتطلعات المستقبل؟!.

إن الحركات الإسلامية الحقيقية قد بدأت المسيرة من أجل تحقيق رضوان الله تعالى وإعادة الإنسان إلى الله، وأن أياً منها لا تدعي مطلقاً أن أسلوبها في العمل هو الطريق الشرعي، وما عداه باطل وضلال فكل حركة إسلامية، إنما تتبنى من الأساليب والمفاهيم حول خط السير العملي ـ باتجاه تحقيق أهدافها العليا ـ ما تشعر أنه يبريء ذمتها أمام الله تعالى بحسب ما توفر لها من قناعة على أساس من دراستها وفهما للواقع الموضوعي المعاش، وربطها لحصيلة هذا الوعي بالأحكام الشرعية الداعية إلى تطبيق شريعة الله في عباد الله.

ومن هنا فإن العمل الإجتماعي الذي تمارسه الحركات الإسلامية جميعها صحيح ومقبول، إن شاء الله تعالى، طالما انطلق من الإخلاص لله ورسالته وتوخي إنقاذ عباد الله من الضياع والانحراف عن الصراط المستقيم.

على أن ساحة العمل الإسلامي وفي بقاع مختلفة من العالم الإسلامي كالعراق، وأفغانستان واندونيسيا وغيرها تشهد حالة من القطيعة أو سوء التفاهم أو عدم التعاون على الأقل مما يشكل خطراً حقيقياً على حاضر الحركة الإسلامية ومستقبلها في تلك البلدان الأمر الذي يرفضه الإسلام وروحه الإستيعابية، وضرورات المرحلة التاريخية وإذا بحثنا عن العوامل التي تسوق إلى هذا اللون من المواقف السلبية، غير المقبولة بين الحركات الإسلامية الحقيقية العاملة في سبيل الله، لوجدنا أن العامل الذاتي وسوء الظن منابع أساسية لأغلب أنواع الحساسية التي توجد بين الحركات الإسلامية(ذات الإتجاه السليم).

ونود هنا أن نؤكد لكل العاملين في سبيل الله تعالى وفي مختلف بقاع العالم الإسلامي، أنه ليس من الإسلام في شيء. الاحتكار لسوء الظن في تقرير المواقف بين المسلمين وليس من الدين في شيء تحكيم الهوى والذات في تحديد طبيعة العلاقة بين العاملين في سبيل الله تعالى.

إن إثارة الحساسية، والقطيعة بين العاملين في سبيل الله بحجة الاختلاف على قيادة الساحة الفلانية، من العمل الإسلامي ضد الطغاة مثلاً، لا يوفر الإخلاص الحقيقي لرب العالمين، وليس من روح الإسلام الاستيعابية المرنة في شيء لا مما تقتضيه(الحكمة) ولا مما يفرضه مبدأ المداراة للناس، أو حبهم أو التعاون معهم، أو غيرها من المفاهيم التي تطرحها رسالة الله تعالى.

إن الحركات الإسلامية التي تعاني من الحساسية في ما بينها، مدعوة لمواجهة موقفها بوعي وإخلاص وتجرد واستعانة بالله الكبير المتعال لتخرج من إطار الحساسية وسوء الظن والبعد عن روح الإخوة الإسلامية التي أقامت صرحها رسالة رب العالمين.

والحركات الإسلامية، المخلصة، مدعوة كذلك إلى العمل الجاد المخلص في إطار التعاون والتنسيق بينها، على الأقل، وتوجيه أسلحتها مجتمعة إلى نحو الأعداء، ولتكن واثقة من أن نصر الله تعالى، لا يتنزل إلا في ساحة المخلصين المتجردين لله رب العالمين.

إن ساحة الجهاد ستفرز العاملين الحقيقيين الحريصين على مصلحة الإسلام وأن الامتحان الرباني الهادف إلى تمحيص الذين آمنوا وفرز الطيب من الخبيث سيوفر أقوى ضمانة لتمييز المؤهلين حقاً لحمل الأمانة الإلهية الكبرى(وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

Untitled-1