Untitled-1

ضوء على خط السير

 جريدة الجهاد العدد(12) صفحة(68)

الشهيد عز الدين سليم (ره)

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

حين نعقد بحثاً لدراسات سلبيات العمل السياسي ـ الاجتماعي الإسلامي تعودنا أن نعدد مظاهر الخلل في التنظيم وأسباب القصور الذاتي عن تحقيق الأهداف وعوامل الوهن في التقييم السياسي وغير ذلك.

على أن من أكثر أخطائنا خطراً أن لا نعد:(اتخاذ العمل الاجتماعي بذاته هدفاً) واحداً من مظاهر السلبيات!!.

فالعمل الاجتماعي الإسلامي ينطلق لدى معظم العاملين استجابة لأمة الله تعالى، طاعة وتقرباً وكل خطوة يخطوها العامل في هذا المضمار إنما يضع نصب عينيه أنه يهدف من وراء هذا العمل أو ذاك إلى أن يحقق رضوان الله تعالى، ولا يهمه بعد ذلك أن يكون بذله أكبر مما حققه في مضمار العمل الاجتماعي أو بالعكس، فهمه أن يعبد ربه من خلال هذا السبيل، أما حسابات الكسب الذاتي فليس لها رصيد في نفوس العاملين في هذا القبيل:

هذا هو الخط العام لطبيعة المسيرة التي يختطها العاملون في سبيل الله بأوضح صورها وأنقاها...

غير أن الزمن وانغماس العاملين في شكليات العمل الاجتماعي، والاهتمام بحسابات الربح والخسارة المادية في هذا السبيل وبروز ظاهرة العمل الروتيني المدفوع بقوة(العمل من أجل العمل) يسوف إلى تبدل في التوجه فيفتر الوازع الحقيقي عند البعض وتفقد الأهداف الأساسية حرارتها، لتتحول إلى شعارات بلا مضامين، ويقفز العمل الاجتماعي من مقعد الوسيلة إلى خط الهدف ليتحكم في التوجهات وليغري بالمغانم، وليأخذ دور الصنمية المتحكمة في مسيرة عباد الله!!.

إن من مخاطر هذه الحالة أنها تبقى مغلفة بقشرات من المنطلقات الحقيقية القديمة، فالذي ينتزعه العمل الاجتماعي من هدفه الأصيل ويغوص به في بحر المصالح والأهداف الشخصية تصور له نفسه أنه ما زال عند هدفه الأول الذي انخرط في هذا العمل أو ذلك من أجله، ويصور له هواه والشيطان أنه ما زال يقدم لله وفي سبيل الله تعالى، وربما تنتابه غشاوة فيبرر حتى تجاوزاته المفضوحة بأنها إنما جاءت لله ومن أجل الله!!!.

وهكذا تنقلب الحقائق وتختفي تحت ركام التبرير والتحكمات اللامقبولة، ويستبد الخواء في العمل ويجرد من الإخلاص لله رب العالمين!!

وتشتد مخاطر(العمل من أجل العمل) فيغرس الأنانية والاستثمار وحب الزعامة والتمحور والتنكر لرفاق الدرب كما يقود إلى التسلق والتمرد حتى يبلغ أوجه في شق العمل الاجتماعي والتسبب في زعزعة كيان الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليها هذا النمط من العاملين.

إن هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ العاملين للإسلام أبداً لا من حيث السبب الأساسي ولا من حيث النتائج، إلا أن لغة التبرير والأساليب المتبناة قابلة للتغيير، فقد تعرضت الدعوة الإسلامية بعد النبي(ص) عبر مسيرتها إلى ألوان من التمحورات والتسلق والانشقاقات على حساب الخط الأصيل والإمامة الشرعية التي أرسى رسول الله(ص) دعائمها وحدد منطلقاتها وإطار مسيرتها العام.

رغم ما توفر للصحابة من إعداد وتعبئة من قبل النبي(ص) ذاته.

كما أن تاريخ المسلمين المعاصر شهد حالات مختلفة من التسلق والتمرد والتمحور وحتى الانشقاق في حركات إسلامية معاصرة.

على أن مبدأ(العمل من أجل العمل يبقى الخلفية الأساسية التي تمسك بمقود الخروج على الجماعات الإسلامية على الوجه الذي ذكرنا!!

بقي علينا أن نحدد الأسلوب الكفيل بتجنب العاملين داء الانزلاق في طريق(العمل الاجتماعي من أجل العمل الاجتماعي) مما يتسبب في النأي عن صراط الإخلاص لله تبارك وتعالى في مضمار العمل الاجتماعي.

وقبل أن نشير إلى صيغة العلاج لهذه الظاهرة الخطيرة لا بد من الإشارة إلى أن الإسلام قد وضع منهاجاً متكاملاً لعلاجها كما تصرح بذلك الآيات الكريمة ومباديء الأخلاق والقيم الإسلامية.

ونحن في هذه المحاولة إنما نستلهم الموقف الإسلامي في هذه المسألة بأبعاده المختلفة في ضوء ظروفنا الحاضرة، الأمر الذي يحتم طرح المنطلقات الآتية للتحرك على ضوئها باتجاه العلاج الشامل لظاهرة(العمل من أجل العمل).

1ـ لا بد من التجرد لله عز وجل: العمل من أجل استئناف الحياة الإسلامية وتعبيد الناس لله تعالى عملية عبادية دعا إليها الإسلام في ضوء الإلزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى شريعته الخاتمة.

والعملية العبادية تتطلب ابتداء إخلاص النية لله عز وجل وألا صرفت خارج الإطار العبادي(فاعبد الله مخلصاً له الدين) (إنما الأعمال بالنيات ولكل أمرا ما نوى...)

وبناء على ذلك فليس عجباً أن يحرم العبد ثواب عمله الاجتماعي الإسلامي إذا استند عمله إلى خلفية المصلحة الذاتية أو الجاه أو الأغراض الشخصية مهما كان التبرير(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

وهكذا يتطلب العمل الاجتماعي الإسلامي روح الإخلاص والتجرد لله عز وجل لكي يحظى عمل العاملين بالقبول عند الله تعالى، ويثقل لهم موازينهم عند لقاءه..

أما إذا كان الحافز أن يعمل العامل من أجل أن تؤول إليه زعامة الساحة الفلانية أو الحركة الإسلامية الكذائية أو أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في الميدان أن تنبسط إرادته في الحركة ويفرض وصاياه عليها ويكون(الرجل الأقوى) فيها على حساب أقرانه فهذا الحافز لا يوفر عامل التجربة والإخلاص لله تبارك وتعالى في مضمار العمل الاجتماعي، مما يسوق إلى حرمانه من الثواب الإلهي.

وإذا قدر لهذا النمط من العاملين أن يتوقعوا أن يجري الله تعالى النصر على أيديهم فإن الله لا يأتمن على دينه إلا المخلصين المتجردين حقاً، أما دعاوى الإخلاص العريضة فإنها إذا خدعت بعض العباد فإنها في حسابات الله لا تساوي شيئاً والله أعز من أن ينزل نصره على غير المتقين المخلصين.

2ـ لا بد من التربية الروحية الصارمة: قطاع واسع من الإسلاميين المعاصرين يمتازون بنهر واضح في العاطفة الإسلامية، ووضوح في الرؤية، واستيعاب للفكر الإسلامي ومفاهيمه، إلا أن هذا القطاع مصاب بضمور واضح في الناحية الروحية تصل إلى حد التساهل.

إن الطابع الغالب على هذا النمط من الإسلاميين هو الجفاف وتحول علاقتهم مع الله إلى علاقة(رسمية) يغيب فيها الخشوع لله تبارك وتعالى.

إن هذه الميزة إذا كانت تشكل نقصاً في الشخصية الإسلامية وخللاً في تركيبتها فإنها من جانب آخر تتسبب في نكوص العامل الإسلامي وعجزه عن حمل رسالته العظمى...

لقد أطلق القران الكريم على الرسالة الإسلامية(القول الثقيل) لما تنطوي عليه من مسؤوليات جسام ومهام عظيمة لا يقوى على تحمل أعبائها وتبعاتها إلا نمط خاص من الناس وطنوا أنفسهم على حمل المسؤولية في طريق ذات الشوكة رغم كل الصعاب والعقبات التي تعترض سبيلهم.

إن حمل هذه الأمانة الكبرى يتطلب التزود بطاقة روحية جبارة، وإن تلك الطاقة الفاعلة لا تتأتى للعامل في سبيل الله إلا من خلال تعميقه للارتباط بالله سبحانه وتعالى وتمتين علاقته به(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ...).

ولقد حرص القران الكريم على إرشاد النبي(ص) والطليعة المؤمنة في بداية الدعوة إلى منهج للتسامي الروحي من أجل النهوض بأعباء(القول الثقيل) على الوجه الأكل قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً).

فبقدر ما تشكل العلاقة الروحية بالله أساساً هاماً من أسس الشخصية المؤمنة فإنها توفر ضمانة أكيدة لعدم الانحراف عن الخط الرسالة المرسوم، كما توفر إمكانية النهوض بأعباء الرسالة الإلهية الخاتمة.

إن أغلب منافذ الانحراف يمكن التغلب عليها إذا توفرت للعاملين في سبيل الله تربية روحية عميقة وسليمة كما أن مخاطر التوجه نحو أهداف غير الهدف الإسلامي المنشود يمكن تجاوزها فالتسلق والتنكر لرفاق الطريق، والعمل المحوري، والاستئثار وعمليات الاحتواء والأساليب الملتوية يندر أن تصور من عامل صقلته التربية الروحية الصحيحة والعلاقة السليمة المعمقة بالله الكبير المتعال.

إن الاستمداد من الله تعالى وصدق التعامل معه والإخلاص والتوبة له وحده دون العمل للذات والحرص على كسب المغانم والوجاهات يوفر الكثير الكثير من الوضوح والتوفيق وتجاوز عقبات الطريق(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا).

ومن هنا فالعاملون في سبيل الله تعالى مدعوون لتصحيح مسار علاقتهم بالله عز وجل وتعميقها من خلال الحرص على أداء الفرائض والتطويع بما ندب إليه الشرع المقدس وتلاوة كتاب الله فإنها دعائم المسيرة على درب الجهاد مصادر الارتواء في صحراء الحياة الجديبة.

3ـ انتهاج أسلوب المحاسبة للنفس للتأكد ما إذا كان الإنسان قد نهض بمسؤولياته الرسالية، وهل كان الدافع للنهوض بتلك الالتزامات تحقيق رضوان الله تعالى(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا).

فالنهوض بالمسؤوليات الرسالية لكي يكون عملاً عبادياً خالصاً لا بد من أن يقصد به وجه الله تعالى فإن غياب هذا التوجه عن العمل ينجم عنه خسران العبد لقيمة العمل المعنوية في ميزان الله تعالى.

صحيح إن كثيراً من الأعمال التي يؤديها الأفراد ـ دون نية القربة لله تعالى ـ تعطي مردوداً واقعياً في حياة الناس إلا أن عاملها لا يكسب منها نفعاً في آخرته وقد أشار رسول الله(ص) إلى هذه الحقيقة بقوله(مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها).

فليحرص العاملون في سبيل الله تعالى على أن يكسبوا معطيات أعمالهم في الآخرة وذلك من خلال القصد بها وجه الله تعالى أثناء إتيانها، وأن يرضوا أنفسهم على التوجه بأعمالهم الصالحة إلى الله تعالى من خلال المحاسبة الدائمة واليقظة الدائمة ولوم النفس على غفلتها من الله والتوجه إليه.

إن التجرد لله تعالى والإخلاص وتعميق العلاقة الروحية بالله تعالى بقدر ما هي مطلوبة لذاتها فإنها ضمانات أكيدة لوضع العامل في سبيل الله على خط المسيرة الصحيح الذي بدأه الأنبياء عليهم السلام وضحى الأئمة الهداة واتباعهم من أجله:

ولا بأس لنا أن ندعو أخيراً بدعاء الإمام السجاد زيه العابدين عليه السلام.

(اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص، وسورة الغضب، وغلبة الحسد، وضعف الصبر، وقلة القناعة، وشكاسة الخلق، وإلحاح الشهود، وملكة الحمية، ومتابعة الهوى، ومخالفة الهدى، وسنة الغفلة، وتعاطي الكلفة، وإيثار الباطل على الحق والإصرار على المأثم...)

(اللهم صل على محمد وآله وبلغ بإيماني أكل الإيمان واجعل يقيني أفضل اليقين وانته بنيتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال. اللهم وفر بلطفك  نيتي، وصحح بما عنك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد مني...).

Untitled-1