Untitled-1

صناعة الحكي والزمن المهدور!.

جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(93) صفحة(12)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

الأمم الشرقية أقدر الأمم على صنع الحكي على أن هذه الأمم تتفاوت هي الأخرى في مساحة الإنتاج لهذه الصناعة!.

والوفرة في إنتاج ألحكي تأتي في صور متفاوتة: فأسوأ صور هذا(الإنتاج) حالة الحكي من أجل الحكي ثم تتصاعد في السلم باتجاه زيادة نسبة الايجابية، فتأتي ظاهرة التكرار للموضوع الواحد في العديد من المناسبات دون مبرر في أغلب الأحوال، وتليها حالة الحكي الزائد عن الحاجة. ومن ظواهر وفرة الحكي: ظاهرة الثرثرة، والغيبة وأمثال ذلك من ظواهر سلبية مقيتة.

وإذا أتيح للإحصاء العلمي أن يحسب الزمن المهدور خلال هذه الحالات البائسة من إتلاف الوقت فيما لا يقد لدنيا الناس وآخرتهم شيئا ذا قيمة لأصابنا الذكر للخسائر الجسيمة التي تصاب بها البشرية، والنهضة والأجيال القادمة نتيجة الأرقام المذهلة الدالة على ضخامة الوقت المهدور.

ويمكننا أن نلاحظ بعض هذه الظواهر المأساوية التي تنخر في مجامعنا وجلساتنا ودوائرنا ومقاهينا وزياراتنا العائلية وغيرها.

إن قيمة الزمن تزداد باطراد حراجة ظروف الأمة، وكلما تنامي وعيها باتجاه الانعتاق والنهضة وصنع المصير وكلما تعاظم الشعور لديها بضرورة تحقيق الحياة الحرة الكريمة.

فإذا توفرت عناصر هذا الشعور البناء لدى الأمة ـ أية أمة في التاريخ ـ تضيق مساحة إتلاف الوقت إلى الحد الذي يجعلها تنفق وقتها ضمن سلم الأولويات في حياتها، فتضيق مساحة الحكي وتنحصر في زاوية التعبير عن حاجة النهوض والعمل باتجاه ذلك النهوض!.

ورغم ابتلائنا بهذه الظاهرة ـ ظاهرة الوفرة بإنتاج الحكي ـ فإنها ليست من الأمور التكوينية التي يتعذر علاجها، إنما نمت واستطالت بسبب شروط سلبية ساهمت في خلقها ورفدها.

ويمكننا أن نسجل أهم العوامل التي ساهمت في توفير الأجواء لمحو هذه الظاهرة البائسة كما يلي: عدم توفير برنامج واضح يتسنى من خلاله استثمار الوقت في مشاريع دنيوية أو أخروية، عدم ملء الفراغ بأعمال هادفة مثمرة، الحاجة إلى مشاريع عمل تستثمر فيها الطاقات، الجهل بالطريقة الصحية في تناول الموضوعات المطروحة في العمل الاجتماعي والسياسي واليومي.

ورغم أن الإنسان الأوربي قد علمته فلسفته البراجماتية ـ الفلسفة العملية ـ كيفية استثمار الوقت وبرمجته في المشاريع والعمل، إضافة إلى دخوله للمسائل المطروحة مباشرة وبشكل يوفر فرص التنفيذ تماشياً مع مقياس اللذة والمنفعة التي يقيس بها أعماله وتوجهاته... أقول: رغم نجاح الأوربي في استثمار الوقت من أجل أهدافه بشكل مناسب فإن الرسالة الإسلامية قد سبقت الحضارة الأوربية المعاصرة بالعديد من القرون في عملية استثمار الوقت وقد طبقت مفاهيم الإسلام العظيمة في هذا المضمار وحققت نتائج رائعة في الحياة، وهنا يتجلى لنا أن الخلل في إنسان المنطقة نفسه لا في الرسالة التي يعتقد.

وحيث يتمحور الحديث حول ما يسببه الحكي غير المنضبط وغير الهادف من إتلاف الوقت فمن المناسب أن تدون بعض مفاهيم الإسلام حول هذه القضية الظاهرة السلبية.

1. إن الإنسان مسؤول أمام ربه الأعلى تبارك وتعالى فيما يصرح به من أقوال، وما ينفقه من كلام: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وهذه المسؤولية تفرض أن الإنسان العاقل لا بد له من ضبط أحاديثه وأن يتحكم بلسانه، طالما هو مسؤول عما يبديه من كلام ففي الحديث الشريف(من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به).

ومر أمير المؤمنين عليه السلام برجل يتكلم بفضول الكلام، فوقف عليه فقال: يا هذا إنك تملي على حافظيك كتاباً على ربك فتكلم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك.

2. منع الإسلام الحنيف الخوض في الباطل والمراء ـ وهو الطعن في أحاديث الآخرين ـ والخصومة ـ وهي اللجاج في الكلام ـ ففي الحديث الشريف: أعظم الناس خطايا يوم القيامة هو أكثرهم خوضاً في الباطل.

ولا يستكمل عبد حقه الإيمان حتى يدع المراء.

والجدل وإن كان محقاً.

إن أبغض الرجال إلى الله الألحد الخصيم.

3. يحرم الإسلام الفحش وبذاءة اللسان والسب والغيبة: سباب المؤمن فسوق. ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفحاش ولا البذيء.

ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً.

4. يوصي الإسلام بأن المؤمن المنضبط لا بد أن يكون ما ينفقه من كلام ضمن المسارب التالية: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.

وما عداها فهو فضول

(ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

Untitled-1