Untitled-1

موقع الثقافة في حركة الأمة.

جريدة الشهادة السنة الثالثة العدد(114) صفحة(12)

الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

إن أشد الأمور وقعاً على حركة الأمة في الحاضر والمستقبل وأكثرها أذى لها هو عامل الأمية الفكرية والسياسية، فهو أساس التردي والنكوص في كل أمة تصاب به.

ولعوامل تاريخية متشابكة كانت مساحة هذا العامل واسعة جداً في القرنين الأخيرين من تاريخ المسلمين، وقد أفاد الكفر العالمين كثيراً من هذه الحالة المتفشية في الأمة، فكرس ألوان مكره المعلن والمستور من أجل ملء الفراغ الفكري والسياسي بثقافة الرجل الأبيض، وأعانه على ذلك العملاء الفكريين في بلاد المسلمين الذين ترجموا ثقافة الأسياد إلى لغة قومهم.

وكانت المدارس والمناهج والأساتذة والأدب والصحافة والسينما وغيرها من وسائل التثقيف أدوات الكفر في حركة التغريب في هذه الأمة، الأمر الذي يجعلنا ندرك بوضوح الخلفية الأساسية التي دعت علماءنا الأبرار في مطلع هذا القرن أن ينعوا من دخول المدارس التي أنشأها الكفار في إقليم العراق، فإن هذا الموقف ـ وإن كان يتحمل مناقشة ـ يستبطن هدف الوقوف بوجه الثقافة الكافرة التي تشكل أساس التغريب والنأي عن الإسلام وحضارته ومبادئه.

وإذا كان الكفر العالمي مدركاً أن أساس التغيير لتلك الأمة المغلوبة يتجسد في العملية الثقافية، فهذا لا يعني خطأ تصورهم لأساس التحول في دنيا الناس.

فهذه القناعة مجمع عليها لدى جميع المغيرين في التاريخ وإن اختلفت الأطروحات والشعارات والأساليب، فالأنبياء عليهم السام بدأوا مسيرتهم على هذا الطريق والمصلحون الحقيقيون في هذه الأمة سلكوا نفس الخط.

وكان علماء الرسالة وفقهاؤها ومفكروها، يكتبون ما يكتبون، وينتجون ما ينتجون من أجل إشاعة المعرفة الربانية الهادية بين الناس، فلم يكن الإنتاج الفكري الإسلامي الخالد ـ قديماً وحديثاً ـ هدفاً بذاته، ولم يكن من أجل الادخار والاكتناز في الزوايا أبداً، وإنما هو حجة ألقاها أئمتنا وأصحابهم وفقهاء مدرستهم ومفكروها لانقاد الأمة من الضلال، والارتفاع بها في مدارج الصعود نحو الهدى الإلهي، وتستبطن إشاعة المعرفة التي استهدفها حملة الرسالة عدة أمور منها: كشف أسرار هذا الدين، وتوضيح الغامض من الأفكار والاستدلال على أحقية هذه المباديء وبناء الركائز الفكرية للدفاع عن رسالة رب العالمين والتصدي للعدوان الفكري عليها.

وفي هذا الإطار ألفت الكتب وأنشئت المجاميع العملية وسهر المفكرون وبذلت الجهود العظيمة.

والأمة هي المقصودة من هذا النتاج الفذ المبارك ولم يكتب ما يكتب للملائكة أو الجن أو غيرهم، فالأمر المذكور يراد من خلاله رفع مستوى الأمة وتحصينها ونشر كلمة الهدى بينها.

فالعالم الذي يكتب تفسيراً إنما يكتبه للأمة لتدرك مداليل كتاب الله عز وجل، والرسائل العملية حين تكتب إنما تنطوي على ما تعلم به البلوى بالنسبة لسواد الأمة لمعرفة المواقف الشرعية المطلوبة.

والمرجع الشهيد إنما كتب ما كتب ليسلح الأمة بالوعي، لتواجه العدوان الفكري بسلاح فكري(بتّار).

على أننا ينبغي أن نميز أن الأمة ليست على مستوى واحد من الإدراك والفهم والتعامل مع المعرفة، فليس منطقياً أن يعطى(العامي) مهمة الاستنباط للأحكام الشرعية من مصادرها المقررة مثلاً، لكن ليس من حق أي أحد أن يمنعه من دراسة أو تدريس كتاب في التفسير أو الاقتصاد الإسلامي مثلاً إذا رأى الأهلية في نفسه.

على أن هناك علوماً تحتاج إلى التخصص لاستيعابها مصطلحات ومفاهيم(كالقواعد الأصولية والمنطق وأساليب الاستدلال وما إليها، أما ما بسطه العلماء والمفكرون من فكر ومفاهيم، فهو ملك للمسلمين، وليس لأحد أن يقيم حجراً فكرياً على مسلم، وليس في هذا الدين إرهاب فكري ولا وصاية، وما تتعاطاه بعض الطوائف المنزوية واتجاهات بعض المتصوفين وأصحاب التكايا من عمليات حكر المعرفة لا ينسجم مع روح الإسلام المنفتحة المرنة المعطاء.

(ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

27/5/1405هـ

Untitled-1