Untitled-1

منهج الإسلام لاستيعاب المشاكل المستجدة!!.

جريدة الجهاد العدد(8) صفحة(39)

الشهيد عز الدين سليم (ره)

جاءت رسالة الله الخاتمة وفي طياتها الحلول الجذرية لكل المشاكل التي يعاني منها إنسان هذه الكوكب، بامتداد وجوده التاريخي، وهذه الميزة(ميزة الشمول لكل مشاكل الحياة الإنسانية) التي اتصفت بها الرسالة الإسلامية كانت بمثابة أو ميزة ساهمت في منح الرسالة القدرة على الخلود مع الدهر.

إلا أنه ليس بمقدور هذه السمة وحدها أن تعطي الرسالة قابلية الخلود القطعية نتيجة إلى أن الحياة الإنسانية تتعرض دوما للعديد من القضايا المستجدة فمن هبوط إلى ارتقاء ومن وفاق إلى صراع ومن تجدد إلى استقرار إلى غير ذلك مما يجعل البشرية أحوج ما تكون إلى حل قضاياها غبر التطورات المستمرة، وإذن فلا بد للمبدأ الإسلامي أن يواكب البشرية في أحداثها وذلك من خلال الإتزام بأحد سبيلين:

أولا: إما أن يستمر إنزال الكتب وبعث الرسل استجابة لما يطرأ من تحول في سير الأحداث، وهذا ما يستحيل حدوثه لأن الإرادة الإلهية قضت أن يكون محمد(ص) خاتم الأنبياء وحاملاً للواء الرسالة الخاتمة(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).

ثانياً: أو يلتزم أسلوب المرونة في التشريع لينفتح التشريع الإلهي على ما يستجد في حياة الإنسان، وهذا الأسلوب هو الذي حملته الرسالة فعلاً حيث انطوت على منطقة فراغ في معاملها تملأ وفقاً لما تعكسه الأحكام الواردة بين دفتي الكتاب العزيز وسنة المعصومين عليهم السلام وطبقاً للظروف التي تحيط بالأمة، وبكلمة أوضح: إن الرسالة الإسلامية تحتوي على لونين من التشريعات: أحدهما لا يخضع لعمل التغيير مهما طرأ على الحياة وسير أحداثها من تبديل كالصلاة والحج وغيرها وأما اللون الآخر من التشريع الإسلامي فإنها وإن كانت ذات جوهر ثابت إلا أن صورها التطبيقية تخضع لعامل التبدل من عصر لآخر ومن جيل وهذا الأسلوب يمثل طابع المرونة والانفتاح الذي انطوى عليه المنهج الإسلامي لاستيعاب قضايا الإنسان المتدفقة وتتسم هذه السياسة(سياسة المرونة والانفتاح) بالعديد من المظاهر:

1. منهج الاجتهاد: شرع الإسلام هذا المنهج بعد إرساء القواعد الدستورية الأساسية خلال عصر التشريع المقدس من لدن خالق الإنسان سبحانه وتعالى، وعلى ضوء تشريع هذه المنهج(منهج الإجتهاد) يكون بمقدور الواعين للنظرية الإسلامية والمستوعبين لمعارف التشريع الإلهي(وهم جماعة المجتهدين، بالمصطلح الإسلامي) أن يباشروا عملية النظر في الأدلة الشرعية لتحصيل معرفة الأحكام الفرعية وتحديد المواقف العملية من المسائل المستجدة في حياة الإنسان على ضوء الكتاب العزيز والسنة الشريفة مع الإفادة من الأحكام العقلية القاطعة والإجماع الحقيقي الذي يخلو من كل ضغط أو إكراه أو كبت لإرادة المجتهد، وتجري هذه العملية(عملية تبيان الأحكام) في كل ما يتعلق بأمور الإنسان وما يستجد في مسيرته التاريخية وفقا لطريقة عملية مرسومة يحددها علم الأصول دون اللجوء إلى عامل التخمين وتكون مهمة المجتهد منصبة ـ فحسب ـ على أكتاف الحكم الشرعي والموجود فعلاً في الأدلة الشرعية المتوفرة لديه بين دفتي القرآن الكريم أو السنة المقدسة، ومن هنا ندرك أن مهمة المجتهد مقيدة في الشريعة الإسلامية وغير مطلقة كما في الشرائع الوضعية الهابطة، وإنما تبدأ مهمة المجتهد حيث لا يوجد نص بارز في حكم من الأحكام أما إذا وجد النص القاطع فلا يسري مفعول الإجتهاد في المسائل الحياتية بعد:( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..) فالمجتهد في الشريعة الإسلامية يلتقي وبنود تشريعية جاهزة ومهمته تنحصر في تحصيل(العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية) فقط ومنها تحديد شكل التنفيذ لبعض الأحكام الشرعية ذات الروح التفاعلية مع المد التطوري في حياة الإنسان.

وهذه أمثلة من الأحكام القابلة شكلها التطبيقي:

أ ـ مسألة الحصول على إمكانية الجهاد.

ب ـ إقامة الحكم الإسلامي على أفضل صورة وأكثرها انسجاماً مع روح الشريعة.

ج ـ وجوب تحصيل العلوم الإنسانية التي يتوقف عليها الكيان الإجتهادي الإسلامي فلو واكبنا هذه القواعد الدستورية عبر القرون لاستطعنا أن نلمس مدى المرونة التي حظي بها التشريع الإسلامي في صيغه التطبيقية فلنأخذ مثلاً قاعدة:(ضرورة الحصول على إمكانية الجهاد): فنظرة عابرة لهذه القاعدة تؤكد لنا وجوب مجاهدة العدو ابتداء وصد مكائده والذود عن حياض الرسالة الإسلامية، ولكن مستلزمات الجهاد لم تحدد هنا، فلم تنطبق القاعدة التشريعية هذه بوجوب التسلح بالسيف والمدفع أو الصاروخ مثلاً ولم تنطق كذلك بوجوب التدريب أو عدمه وإنما تركت هذه الجوانب للظروف التي تعيشها الأمة حيث يأتي هنا دور المجتهد ليحدد صيغة التطبيق لهذه القاعدة لإعداد إمكانية الجهاد المتطورة من عصر لآخر. وهكذا فإن المجتهد في الشريعة الإسلامية يكون دوماً على اتصال دائم بالحياة وملابساتها وتطوراتها ليحدد صيغة التطبيق للقواعد الدستورية لأن طبيعة التشريع الإسلامي جاءت مواكبة لقضايا الإنسان المستجدة لكل مطالبه الآنية والمستقبلية، ولا جرم بعد ذلك يكون تطبيق هذه القواعد التشريعية ـ ونظراً لما تحمل من طابع المرونة والإنفتاح ـ متخذاً أشكالاً شتى فأنت ترى الرسول القائد(ص) يحشد في جيوشه عدداً من الرجال والسيوف ومن رباط الخيل بغية الحصول على إمكانية الجهاد بينما يلغي هذا اللون من التطبيق في يومنا هذا ليحل محله التدريب على حمل السلاح الحديث بشتى أصنافه وليحل محله التنظيم العسكري الحديث باستراتيجية جديدة وتكتيك جديد مع أن القاعدة الدستورية تبقى محتفظة بأصالتها دون أن يتأثر جوهرها بشيء. ولنأخذ كذلك قاعدة(ضرورة تحصيل العلوم الإنسانية التي يتوقف عليها الكيان الإجتماعي للإسلام) لنجد أن منطوق هذه القاعدة التشريعية يؤكد وجوب التزود بالمعرفة لرفع مستوى الكيان الإجتماعي الإسلامي، لكن هذه القاعدة لم تحدد نوعية المعرفة نظراً إلى أن المعرفة تخضع لعوامل التغيير والتجدد، وانسجاماً مع هذه الحقيقة اهتم الرسول القائد(ص) بتعليم القران قراءة وشرحاً كما حث من جانبه على التزود بالمعارف التي توصل إليها العقل البشري يومذاك فقد ورد عنه(ص)

:(اطلب العلم من المهد إلى اللحد).

وقوله(ص):(العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان..).

وكان ذلك تطبيقاً لمبدأ ضرورة تحصيل العلوم الإنسانية. ونحن حين نمارس عملية تطبيق هذه القاعدة التشريعية في عصرنا فإن المجتهد عندنا يتعايش وروح هذه القاعدة المستوعبة لكل التحولات العملية الجديدة في حقل الكيمياء وعلم الذرة والفيزياء والهندسة، وعلى مثل هذه تقاس سائر بنود التشريع الأخرى التي ينطوي عليها الدستور الإسلامي الخالد والتي تحمل طابع الإنفتاح على التغيرات المدنية في حياة الإنسان، وهكذا يكون منهج الإجتهاد بمثابة النافذة الواسعة التي يطل منها الإسلام على مسائل الحياة وقضايا الإنسان المستجدة، وبهذا تكون مهمة المجتهد منصبة على إعطاء الرسالة صفة الاستمرارية ومواكبة الأحداث، وعلى هذه الأساس كان الاجتهاد من أبرز عناصر الرسالة الإسلامية مما يجعل المجتهد يوازي الأنبياء(ع) في مهمتهم المقدسة كما جاء ذلك في تصريح لرسول الله(ص):(علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) فهذا التصريح لا يقصد إعطاء صفة القداسة للعلماء الإسلاميين فحسب ـ كما يعتقد البعض ـ وإنما يرسم مفهوماً إسلامياً رائعاً هو: إن علماء الشريعة الإسلامية قادرون على إعطاء الرسالة الإسلامية صفة الإستمرارية كما لو كانت الأنبياء(ع) ترى والكتب مستمرة النزول.

فوظيفة المجتهد اليوم هي وظيفة الأنبياء أنفسهم بالأمس، وكما كان الرسل والأنبياء أنفسهم بالأمس، وكما كان الرسل والأنبياء عليهم السلام يواجهون البشرية بالأمس برسالة السماء بطابع جديد كلما استجدت أحداث على الصعيد الحياتي كذلك يفعل علماء الإسلام اليوم، ولذا استحقوا حمل الشارة الفريدة في الرسالة الإسلامية(كأنبياء بني إسرائيل) فالرسالات الإلهية وإن ختمت بمحمد(ص) لكنها راحت تواكب البشرية وكل متطلباتها على أيدي علماء الإسلام الواعين وهذا ما جعلهم يحتلون مقام القاعدة الفكرية الثرة التي تمد الرسالة الإسلامية بالحياة والخلود عبر الزمن والأجيال.

2. ومن مظاهر الإنفتاح على قضايا الإنسانية التي اتسم بها المنهج الإسلامي إن الإسلام الحنيف جاء بصيغة مذهبية صعبة لعلاج قضايا الإنسان الأساسية التي تعتبر من القضايا الثابتة التي لم يستلها عامل التبديل على الإطلاق فهي واحدة منذ وجد أول إنسان على ظهر هذا الكوكب حتى اليوم فحاجة الإنسان للتملك وجوعه لإشباع غريزته الجنسية وحاجاته للسكن وتعلقه بالعدالة والأمن وميله للعيش في ظل مجتمع وبغضه للظلم والاستعمار كل هذه القضايا مركوزة في كيان الإنسان ولم يحدثنا تاريخ هذا الكوكب الأرضي أن الإنسان قد تخلى عن هذه الحاجات الضرورية أو بعض منها في يوم من الأيام. صحيح أن التملك تتعدد أشكاله وتتسع مجالاته، وصحيح أن الظلم تتباين ألوانه ومظاهره ولكن الصحيح ـ كل الصحة كذلك ـ أن الكائن البشري لم يواجه أي تغيير في قضايا لا في جوهرها. وهكذا وضع الإسلام منهاجه في الحكم وطريقته في التفكير ونظامه العبادي ونظرته في الإقتصاد ومذهبه في الأخلاق وفي تنظيم الأسرة والمجتمع طبقاً لهذه الحقيقة الناصعة دون اغفال للجانب التطوري في شكل التنفيذ(بالنسبة للأمور التي يتناولها عامل التطور) وما دام التغير لا يمس حاجات الإنسان الطبيعية بحال وإنما يمس ظواهرها فلا ضير على الرسالة الإسلامية بعد ذلك من هذا التغير الحاصل في طراز المعيشة في الحياة الإنسانية وهكذا كان... فقد واجهت الرسالة الإسلامية كل لون تطوري في الحياة المدنية برحابة صدر ورباطة جأش وحثت أتباعها على التزود بهذا التطور وصنعه ودفع عجلته إلى الأمام ما دام يحترم الإنسان في هذه الحياة ويدعم مسيرته وانطلاقاً من هذه الحقيقة أصبح إنسان هذه الرسالة غارسا ـ بحق ـ بذور هذه المدنية التي تجني أوروبا ثمارها اليوم يوم كان إنسان هذه الرسالة منفتحاً على حقائق رسالته المقدسة وداعياً لمتطلباتها، وما التقدم العلمي الهائل الذي حظيت به بغداد أيام الحكم العباسي وبلاد الأندلس ايام الحكم الأموي على صعيد البحوث الفلكية والرياضية والفلسفية والطبية الا برهان قاطع على صواب هذا المنطق، فسياسة الانفتاح هنا تتخذ طابع استيعاب كل تطور مدني في حياة الإنسان اليوم وغداً ما دام يؤدي بدوره إلى خدمة الإنسان وقضاياه الكبرى، إلا إننا(نريد أن نغفل أن الحياة الإنسانية اليوم تواجه تبدلاً في المفاهيم الحضارية التي تنظم شؤون الحياة الإنسانية كقضية التملك أو العلاقات الجنسية أو نشأة الإنسان أو غير ذلك، فما هو رأي الإسلام في مثل هذه القضايا المستجدة؟. والحقيقة التي لا يمكن أن نمارى فيها أن الإسلام لا يسمح لمثل هذه التفسيرات أو النظريات أن تعيش على أرضية لأنها تخالف مذهبه في الحياة وآراءه في الإنسان، ومثله في ذلك كمثل المذهب الإشتراكي الذي يمنع من نمو الأفكار الرأسمالية تحت ظلاله أو كالمذهب الرأسمالي الذي لا يسمح للأفكار النازية أن تعيش في أرضه.

وفي النهاية نؤكد بأن الإسلام الحنيف كشريعة ومنهج حياة ذو صيغة غير(تفاهمية) مع المناهج التشريعية الأخرى فهو يمنع من تغلغلها في الواقع الذي يصنعه لإنسانه إلا إذا كانت بعض مفاهيم هذه المناهج لا تصطدم بحال مع مفهومي الحلال والحرام الإسلاميين بحيث لا تحرم حلالاً ولا تحلل حراماً حينئذ لا مانع من احتضان هذه المفاهيم وتبنيها من قبل الإسلام كمفهوم تنظيم العمل في نقابة أو جمع الطلبة في اتحاد عام هذه في المسائل الحضارية أما في طراز المعيشة والتقدم العلمي والتطور التكنولوجي فإن الإسلام يدفع أبناءه ومريديه دفعاً للمساهمة فيه وحمل لوائه ما استطاعوا.

لئن كان البعض من قومنا في هذا العصر قد أخطئوا أبعاد سياسة الإنفتاح هذه التي حمل الإسلام لواءها فخالوها هضم الإسلام لكل ما يستجد في حياة الإنسان من فكر ونظريات أياً كان لونها وأبعادها غير أن ذلك تصور خاطيء ومحاولة لطمس معالم الرسالة ومناهجها، ومفاهيمها، فبناء على هذه التصور الساذج ستصبح الرسالة معرضا لعرض المتناقضات من أفكار واجتهادات.

ولا أدري أية رسالة في الأرض أم أي منهج في الحياة يسوغ لنفسه هذه اللون من المرونة ثم بأية صيغة من معالمه سيحافظ إذا رضي بذلك...؟

ونظراً لعقم هذه النظرة البائسة وتخطيها للمنطق السليم راح الإسلام الحنيف من جانبه يعلن رفضه الصارم العنيف لأية محاولة تهدف إلى مصادرة أي تصور أو مفهوم حضاري تنطوي عليه مصادره التشريعية ومهما سبق لذلك من مبررات وصدق الله حيث يقول:( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا).
Untitled-1