كيف نفكر؟. جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(100) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) من الحقائق الأساسية التي ينبغي أن توضع في مقدمة أولوياتنا، أن القضية الفكرية تشكل القاعدة الأساسية الأولى في حياة الناس لا سيما العاملون في سبيل الله تعالى(في المنهج والمفردات) فهي من حيث المبدأ تتحدد معالم الطريق وخطوات المسير، وهي التي تصوغ الإطار وتحدد الهوية وبريشتها تشكل اللون والصبغة! وبقدر ما تحتل القضية الفكرية في حياتنا من موقع متقدم فإن الرسالة الإلهية قد أولتها من العناية والاهتمام بمستوى هذه الأهمية التي بلغت. فقد حددت الرسالة قواعد التفكير الحي البناء وأساليبه، وأبعاده، وحدوده من خلال العديد من المرتكزات والتعاليم والضوابط صيانة للتفكير وصوناً لموقع الفكر البناء في حياة الناس الهادفين: ـ فالكلمة التي تخرج من فم العبد مسؤولة ومراقبة(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). ـ والمسلم المطلوب منه أن يتأنى في تبني الأفكار والمفاهيم التي تصل إلى أذنيه(فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ). ـ والمسلم مسؤول عن التعمق في إدراك الأفكار والأمور المشارة حوله قبل المباشرة بتبنيها وما يتبناه أو يعمل به يحتاج إلى حجة أو سند شرعي، ومن أجل ذلك أمرنا بالرجوع إلى الرسول(ص) وخلفائه الهداة وعلماء الشريعة العدول، باعتبارهم منابع للفكر المتبنى(أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا). ـ وحين نقيم أو ننقد لا بد من العدل والإنصاف والحيطة(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ...). ـ وما يبلغ مرحلة اليقين من الأفكار والمفاهيم لا يصح أن ينقض بشك أو ظن أو وهم. ـ وإذا أريد أن نكون رؤية سليمة عن قضية أو حدث ما لا بد من الاستقصاء والاستيعاب وقراءة ما وراء المدعى من المواقف والأمور. ـ والشريعة تنهى عن الترف الفكري، والخوض في الأفكار التي تبني الحياة، ولا تحدد معالم المستقبل: دخل النبي(ص) المسجد فرأى المسلمون مجتمعين حول رجل يحدثهم فيستمعون إليه مصغين مهتمين، فقال(ص): ما هذا؟. فقالوا: علامة. فقال(ص): وما العلامة؟. فقالوا: إنه عالم بأنساب العرب وأيامهم وأشعارهم، فقال النبي(ص): ذلك علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله، إنما العلم ثلاث: آية محكمة وفريضة قائمة وسنة متبعة. ولعل من الترف العقلي: الضياع في دهاليز الألفاظ، وعتمة الكلمات الغليظة، والغوص في التعقيدات من التعابير والأقوال والقواعد التي تهتم بالمباني لا بالمعاني. إن حالات الترف العقلي هي التي قادت إلى تحويل العبادة إلى غزل عاشق، وحولت المناجاة إلى حالة من مناجاة الحبيب المادي. إن النقاط التي ذكرنا تشكل مع أمور وضوابط أخرى(عواصم) أساسية للعقل والفكر من التيه في دهاليز المراهقة الفكرية غير المستقرة، كما تحول دون التفكير الزئبقي المضطرب، وتمنع من التفكير المتخبط النفعي والآخر المتراجع المهزوز. إن الرجوع إلى أصول التفكير وقواعده التي حددها الإسلام، ضمانة(تكوينية)لإيجاد فكر متزن منصف يتعامل مع الأشياء والحقائق والأحداث تعاملاً بناء مستقيماً يعرف ما له ويفهم ما عليه.
|