Untitled-1

كيف ننقد.. كيف نقيم؟!.

جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(89) صفحة(12)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

وجوه الشبه بين الشهادة أمام القضاء والتقييم للأشخاص والمواقف كثيرة جداً، وقد يصح أن يقال أن التقييم لون من ألوان الشهادة، وإذا تتبعنا الموازين الشرعية التي تحرص على صيانة الحق في كلا الحقلين: حقل الشهادة وحقل التقييم، لوجدناها متناظرة.

ولعل في مقدمة عوامل حرص الشريعة الخاتمة على وضع إطارين متماثلين لكلا الحقلين كون شهادة الزور تزويراً للحقيقة، وتشويها للواقع، وإن التزوير في التقييم يساوي شهادة زور وتعمية على الواقع، وكما تؤدي شهادة الزور إلى الأضرار بميزان العدل وقلب نتائج القضاء العادل فإن التقييم الخاطيء المطروح بين أيدي الناس قد يؤدي إلى نتائج أبلغ ضررا وأعمق أثراً فقد يؤدي التقييم غير المنضبط بضوابط الشرع إلى إساءة تاريخية لبعض الشخوص والمواقف يسوق إلى أن يطول صاحب هذه التقييم بين يدي جبار السماوات والأرض.

وقد شهد تاريخ المسلمين تقييمات مزورة وظالمة ـ لشخصيات ومواقف ـ سببت ضلالا مبينا لأجيال كثيرة من المسلمين، وفرضت ظلماً تاريخياً ما زال يقترف حتى اليوم، وفي كتب رجال الحديث، وكتب السير والتاريخ الحديث صور مؤلمة لهذه الحالة فقد وصف قوم بالمروق وهم من اتقى عباد الله تعالى، وسمي مارقون بالتقوى ونسبت مواقف لآخرين وشرقت مناقب وشوهت سير ومواقف وأقوال واغمطت حقوق، وشوهت سمعة إلى غير ذلك.

وإذا تتبعنا العوامل التي تسوق إلى النأي عن الحق وعجم الاستقامة في النقد أو التقييم وعدم إقامة الشهادة لله تعالى في هذه الأمور لوجدنا أن جهاز التقييم من هذه القبيل ـ فرداً كان أو جماعة ـ مصاب بالأمراض التالية:

1. التعامل مع الحقائق عند التقييم من منظور شخصي لا من خلال مباديء ومسؤولية أمام الله تعالى فإن وجد جهاز التقييم مصلحة أو هوى في الجهة التي يقيمها أثنى وأغمض عينيه من النقائض، وإن لم يجد هوى أو مصلحة أغمض الحق وغير الواقع، وهذا اللون من المقيمين غالب لا يثبتون على حالة، فقد يكون لديهم فلان من أتقى الأتقياء في حالة الرضا عنه، وقد يشك في عدالته عند عدم الرضا عنه.

2. النظر للأمور من زاوية واحدة وإهمال الزوايا الأخرى عند التقييم فقد تؤخذ زاوية سلبية أو ناقصة في سلوك أو موقف مؤمن، وتعمم عند التقييم على جميع أركان مسيرته مع إهمال زواياه الأخرى مما يسبب سوء وظلماً في التقييم فقد تؤخذ سلبيات وتغطى الايجابيات.

3. التعامل بانفعال مع القضايا  عند التقييم يسيء للحقيقة ويسيء إلى العدل فالرواية في إصدار الأحكام وأخذ الأمر من جوانبه عموماً يوافق لحكم صائب وتقييم سليم.

4. حالة الحسد للآخرين تنسي الحق وتسيء للتقييم.

5. خبث القصد وسوء الضمير يقلب الحقائق ويغير الحقيقة في النقد والتقييم.

ومن أجل هذا أو ذلك وضع شرع الله عز وجل ضوابط للنقد والتقييم نجدها شاخصة بين ثنايا هذه النصوص والأحكام:

1ـ إصرار الشريعة على الحيلولة دون إتباع الهوى والمصالح الشخصية في اتخاذ المواقف والنقد والتقييم للأشخاص والمواقف:

(إنما أخاف عليكم اثنتين: إتباع الهوى وطول الأمل، أما إتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة).

2ـ تعمل الشريعة وسعها على إبعاد المسلم عن ارتكاب مختلف صور الظلم للناس مهما كان الظلم صغيراً:

(اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة)

(لا تظلم كما لا تحب أن تظلم)

3ـ حرص الإسلام على أن يكون العبد ميزاناً للعدل بينه وبين غيره من الناس.

(اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم).

4ـ يبذل الإسلام وسعه من أجل أن يكون المرء المسلم عادلاً في مواقفه وقراراته وأن ينصف أشد أعدائه من نفسه، وأن يتجرد للحق ويكبت عواطفه عن التقييم والنقد والشهادة والحكم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)

(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

Untitled-1