حول الحدية والمرونة جريدة الشهادة السنة الثالثة العدد(137) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) من الأمور الواضحة في علم الحضارة والتاريخ الإنساني أن للعمل الاجتماعي قوانينه وأسسه الشاخصة المعلومة، وكما تدرس هذه القوانين خلال الدراسات الاجتماعية والحضارية والتاريخية كذلك يتناول كتاب الله الخالد وأحاديث المعصومين عليهم السلام عدداً من هذه الأسس، لا باعتبار القران الكريم كتاب للدراسات العلمية، وإنما باعتباره مهتماً بإنشاء حضارة تحمل صبغة الله عز وجل، فلا بد له بهذا اللحاظ أن يرشد إلى مقومات بناء الأمة مثلاً، وعوامل سقوطها، ونحو ذلك من أمور مما لسنا بصدد بحثها هنا. وكما للعمل الاجتماعي قوانين وأسس كذلك له أعراف وتقاليد: بعضها متغير، وبعضها ثابت. والثابت في الغالب ـ من هذه العراف ـ ماله علاقة بالأخلاقية العامة للعمل الاجتماعي، إذ إن خرق أمثال تلك الأعراف يضر بنفس التوجه العام للمسيرة، ويعتدي على القيم المطلوب تنفيذها في دنيا الواقع. والسكوت على هذا الخرق وذاك الاعتداء يسف بالعمل الاجتماعي والسياسي الإسلامي إلى مستوى العمل الاجتماعي العلماني الذي يدور وراء المصلحة لا وراء القيم(يدورونه ما درت معايشهم) وإن بقي الهدف المعلن إسلامياً وإن بقيت القشرة الظاهرية دينية. ومن طبيعة العمل الاجتماعي عامة والإسلامي على وجه الخصوص إنه يمتاز بأن وسائله طيعة مرنة وإن كانت الحدية مطلوبة في بعض المواقف خصوصاً ما يكون منها ملتصقاً بالمباديء والقيم. ومن أجل ذلك فإن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم في الوقت الذي يتمسك بالحدية والصرامة في الحفاظ على المبدأ(لا أعبد ما تعبدون) فإنه يلتزم المرونة واللين في أساليب العمل والحوار ربما تجاه نفس الذين خاطبهم بصراحة(لا أعبد ما تعبدون) حتى إن المصطفى المربي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم يعرض أفكاره وآراءه وقناعاته الحاملة للحق والمطلق كما لو كان خصومه الظالمين ذوي حق أيضاً:(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ). فهناك حدية مطلقة حيث المباديء والقيم التي لا تقبل المساومة، وهنا المرونة في الطرح واللين في العرض. وإذا تتبعنا أغلب المسائل الأخلاقية في مسيرة الجماعات العملة في سبيل الإسلام لوجدنا أنها ليست من نمط العقائد والمباديء التي تتطلب الحدية والصرامة النهائية، وما دام الأمر كذلك فإنه ليس عملياً، ولا مما يقره الدين أبداً أن يفترض عامل في سبيل الإسلام أو أصحاب طريقة في العمل إن إمكانية العمل العام المشترك مع الآخرين لا تتم إلا بمصادرة حق الآخرين في القناعة والتفكير والرؤى الخاصة للأشياء وللعمل. ليس صحيحاً أبداً أن نتصور أن الناس يمكن أن يصبوا في قوالب كما نشاء، وليس صحيحاً أبداً أن افراض قناعاتي الشخصية على الغير فإن استجابوا(وأنابوا)!. فهم طيبون أبرار وإن اختلفوا مع قناعاتي الخاصة يكون عملهم ليس شرعياً!. وخطهم يسوق إلى جهنم!. إن من يتبنى هذا التوجه المتشنج في العمل محكوم عليه بالفشل في العمل الاجتماعي عاجلاً، وإن أحداً ـ إذا لم يكن في طبعه متملقاً ووصولياً ـ لا يستسيغ أن يسير معه في عمل اجتماعي مطلقاً كما أن أحداً يحترم عقله لا يمكن أن يركن إلى قناعات تسلطيه من هذا القبيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
|