Untitled-1

بمناسبة الميلاد المبارك.

قراءة في السيرة المطهرة

جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(88) صفحة(8)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

من غير المشكوك فيه مطلقاً أن ثلثي عمر الرسول(ص) قد تصرمت قبل أن يصدع بدعوته المباركة، على أن تلك الفترة ـ وهي أربعون سنة ـ قد زخرت بالأحداث والمواقف التي بتسليط الأضواء عليها ومتابعتها من قبل الباحث في السيرة العطرة تتكشف حقائق غاية في الأهمية لا بالنسبة للدراسة بما هي دراسة فحسب، وإنما بالنسبة للأجيال والمسلمين منهم ـ على وجه الخصوص ـ لأن لهذا اللون من البحث الاستقرائي انعكاساته الإيجابية في الحقول العقائدية والعملية في حياة الناس كما سيتضح ـ .

والملاحظ من خلال متابعة السيرة المباركة خلال تلك الفترة بالذات أن الأحداث التي تفاعل معها الرسول(ص) كانت على نمطين:

1. أحداث كان دوره فيها دور الفاعل في الحياة العامة والخاصة كنشاطاته ذات الطابع الشخصي أو مواقفه ومساهماته الإجتماعية.

2. أحداث خارجة عن فاعليته وقد امتلكت الدور الأساسي في صنع شخصيته(ص) وتحديد مسارها في حياته بشتى نواحيها قبل الدعوة وبعدها.

غير أن الذي يبدو لي أن مواقفه ذات الطابع الشخصي أو الاجتماعي قد استأثرت باهتمام الباحثين في السيرة المباركة قديماً وحديثاً على حساب الأحداث العظيمة التي شكلت شخصيته وحددت محتواها ووجهتها وخط سيرها هذه التي لم تحظ بالتفاتة جادة لاستيعابها واستخلاص العظة العملية منها، فإن الباحثين الأول ـ جزاهم الله خيراً ـ غاية ما فعلوا في مؤلفاتهم أن خلفوا روايات وحوادث وإشارات متناثرة حول الموضوع ولم يبذلوا جهداً هادفاً لبلورة مفهوم محدد من أجل ذلك، وهكذا فإن الباحث المعاصر ينبغي أن يمارس جور المكتشف للعامل المشترك بين الروايات والحوادث التي تركها المؤرخون للسيرة لتحديد طبيعة الأعداد ومسار التربية ونمط التوجيه التي شكلت بمجموعها شخصية الرسول(ص) وحددت خط سيرها وطابعها ومحتواها طوال سني حياته العظيمة، بيد أن استقرار واعياً لعمليتين كان تمثلان ـ لتداخل وظيفتيهما ـ وجهين لعملية واحدة، يهدفان معاً إلى توفير نمط خاص من التوجيه والإعداد والدربة حسب مقتضيات الرسالة العظمى التي حمل مشعلها فيما بعد والعمليتان المتداخلتان المتكاملتان هما:

أولاً: العملية التحصينية:

وهي العملية التي واكبت الرسول(ص) منذ أيام طفولته الأولى حيث وفرت الفاعلية العظمى لسد منافذ التلقي من الناس أو مشاركتهم في أفكارهم المناقضة لمنهج الله المختار لعباده في الأرض ويبرر هذه العملية أن الرسول(ص) مختار لحمل أعباء أعظم عملية تغييرية في التاريخ التي تقضى برفض الواقع المعاش: فكراً ومفاهيم وأعرافاً ومرتكزات باعتبار حملها لصفة التناقض مع منهم الله المصطفى لعباده في الأرض ـ كما أسلفنا ـ والعمل على كل ما من شأنه لبناء إنسان جديد كل الجدة في: فكره ومرتكزاته ومفاهيمه ورؤيته للأشياء وطبيعة تعامله ومسؤوليته في هذا الوجود و... و...

على أن وثوقنا بجريان هذه العملية التحصينية عليه(ص) لم يأت بسبب من ضرورتها لمركزه العظيم كمغيرة لدنيا الناس فحسب وإنما أجمعت كتب السيرة على قيامها عملياً قبل الدعوة حيث ترفد مهمتها بالعديد من الإشارات والحوادث التي زخرت بها حياة المصطفى(ص) في الأربعين سنة الأولى من عمره الشريف(ص).

ثانياً: عملية التعبئة الروحية والفكرية: ولم تكن العملية التحصينية لتستأثر بشخص الرسول(ص) فإنها حين تكون كذلك فليست كفيلة بصنع قائد العملية التغييرية المنتظرة بالنظر لكونها حصانة وحماية وسد لمنافذ روحيه وفكره وسلوكه عن التلقي من واقعه المعاش ـ كما المحنا ـ وإذا أخذنا بنظر الإعتبار كون الرسول(ص) قد جرت عليه عملية تغيير من نمط خاص، فإنه من المنطقي أن التحصين بمفرده لا يحقق إلا نصف العملية، وبناء على ذلك فمن الضروري أن يقوم نصفها الآخر، وإلا فإن التغيير المنشود لا يتم أصلاً.

واستناداً لهذه المسلمة الحيوية كانت عملية إعداد الرسول(ص) تجري بشطريها: التحصيني والتعبوي معاً.

والعملية التعبوية التي نقصد هي ما كان يجري للرسول(ص) من توجيه روحي وفكري وسلوكي خاص كما تستفيض الأدلة التاريخية بذلك:

1. ففي حديث للإمام علي عليه السلام يصف فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (... ولقد قرن الله به ـ صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملكاً من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره...)([1])

2. عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام في حديث له: ... ووكل بمحمد ملكاً عظيماً منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق ويصده عن الشر ومساويء الأخلاق.([2])

3. عن داوود بن الحصين فيما رواه ابن سعد وابن عساكر وابن إسحاق فيما رواه البيهقي وغيره:(فشب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها لما يريد به من كرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلاًً أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقاً..)([3])

ولئن كان الإعداد الإلهي للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم للنهوض بأعباء الرسالة الخاتمة قد تم على المستوى التحصيني والتعبوي في إطار الغيب المستور حيث جرت وقائع ذلك الإعداد الخاص بين الكيان الروحي للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والملأ الأعلى، بشكل لك نكن نحيط إلا باليسير من مصاديقها فإن ذلك الإعداد ثمراته اليانعة وآثاره العظمى على شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبمقدار المتتبع لسيرة المصطفى(ص) أن يلمح لونين من تلك الآثار:

1. ما يتعلق منها بالإطار الذاتي لشخصيته(ص).

2. ما يتعلق منها باهتماماته الإجتماعية العامة.

1ـ ففيما يتعلق بالجانب الذاتي من شخصيته(ص): فإن الوثائق التاريخية قد أجمعت على أنه(ص) كان يتمتع ـ قبل الدعوة ـ بمواصفات روحية وفكرية وسلوكية من نمط خاص يخالف فيها مجتمعه بشكل صارم، يحسن بنا أن نذكر قبساً منها:

أ ـ إعلانه التوحيد المحض جهاداً في خضم واقعه الوثني وتصريحه بالعداء والسخط على الأوثان والعقلية الوثنية المستشرية يومئذ فعلى سبيل المثال لا الحصر: أنه(ص) حين التقى ببحيرى الراهب في بلاد الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة جرى بينهما حوار يجيبه عن كل استفسار يتوجه به إليه فما كان من الرسول(ص) إلا ورد على الراهب النصراني قائلاً: لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغضت شيئاً بغضهما.. ([4])

كما كان(ص) لا يشارك قومه أعيادهم ذات الصفة الوثنية أبداً([5])

ب ـ أداؤه للصلاة منذ سني طفولته الأولى([6]) والتزامه بحج بيت الله الحرام قبل الدعوة([7])

ج ـ التزامه بأقصى درجات الفضيلة التي رضيها الله لعباده فقد روى البيهقي وغيره:(فشب رسول الله(ص) يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها كما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقاً وأكرمهم حسباً وأحسنهم جواراً وأعظمهم حلماً وأصدقهم حديثاً وأعظمهم أمانة وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهاً وتكرماً، ما رئي ملاحياً ولا مما ريا أحداً حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة).([8])

د ـ التزامه بالتسمية على الطعام والشراب وحمده لله بعد كل طعام([9])

وبناء على هذا المواصفات المميزة وسواها التي اتسمت بها شخصية المصطفى(ص) قبل الدعوة مخالفة بها سواه من أبناء جيله ومجتمعه قاطبة تعلية عن ملامح الإعداد الإلهي التي أشرنا إليها سابقا ـ بما يدعمها من مقتضيات عقلية ونقلية ـ فقد أيقن ذوو الألباب من أنه(ص)كان نبياً طوال الأربعين سنة الأولى من عمره الشريف، أما ما تحقق فعلاً إبان البعثة المباركة فقد كان دخوله مرحلة الرسالة والدعوة لها([10]). من أجل ممارسة العملية التغييرية الكبرى في تاريخ هذا الكوكب

ب ـ  بصمات الإعداد على شخصيته الاجتماعية.

لو ألقينا نظرة فاحصة على الخريطة الاجتماعية لجزيرة العرب ومكة منها على وجه الخصوص في الظروف التي عايشها رسول الله(ص) لألفينا أن العنصر المالي يمتلك حق الأولوية في تحديد مراكز الأفراد في المجتمع وقتئذ، أما العناصر الأخرى فإنها تحتل الدرجة الثانية كالمركز القبلي أو سوى ذلك وقد استأثر ذلك المفهوم في تحديد الزعامات وأصحاب الرأي وذوي الشهرة والمكانة المرموقة في المجتمع المكي والساحة العربية بشكل عام، حتى سد على المجتمع يومئذ منافذ التفكير بسوى ذلك المفهوم من حيث التأثير والأولوية. وقد حكى القران الكريم عن حقيقة الموقف ذلك ومدى تأثيره على مسار الدعوة بقوله تعالى:( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) حيث ترجم مفهوم أهل الجاهلية العربية عن القيادة الذي ينبغي أن يسري في نظرهم حتى على المنطق الرباني في اختيار الأنبياء عليهم السلام.

ومن أجل فقد كبر على الوثنيين أن يختار الله سبحانه محمداًَ رسولاً للعالمين، وهو لا يمتلك المواصفات التي تسالموا عليها إذ لم يكن يمتلك الثروة بحال وإنما كان يستمد رزقه بين إجارة في رعي الأغنام أو مضاربة في عمل تجاري وعلى الأمرين لم يوفر له مكانة يعتد بها على الصعيد الاقتصادي أبداً، ثم إنه من ناحية اجتماعية وإن كان من أسرة عريقة في الزعامة والشرف وطيب المحتد إلا أنه شخصياً قد عاش يتيماً: تقلب بين كفالة جده عبد المطلب ورعاية عمه أبي طالب ومسألة اليتم والكفالة لها حساسية خاصة في الذهنية القبلية، ومن هنا فإن الأبعاد والمواصفات التي حددها الوثنيون لذوي الرأي والمكانة الرفيعة في مجتمعهم لم تكن متوفرة في سول الله(ص).

على أن الإعداد الإلهي للمصطفى والمدرسة التي توفرت على إنشائه قد حددت له مساراً جديداً ينأى عما ألفوه، إذ أن مساره الجديد كان الفضيلة والسمو في كل شيء: في منطقه ووعيه وتفاعله ومعاملاته لبني جنسه ومواقفه بشكل خالف فيه مجتمعه بشكل حاسم. بحيث أن منهجه في الحياة صار صفة مميزة له دون سواه، ولعل اشتهاره بالصادق الأمين من قبل المجتمع الكلي أدق تعبير للتعريف بشخصيته المميزة تلك وقد شق(ص) طريقه في المجتمع من خلال ذلك المسار وفرض وجود مركزيته في الحياة العامة بشكل نلمسه من خلال هاتين الواقعتين:

1. أقدمت قريش على إصلاح الكعبة بعد تعرضها لسيل جارف صدع جدرانها وقد تقاسموا العمل لبنائها، حين وصل البناء إلى الحجر الأسود وقع النزاع بين القبائل القرشية حول من يستحق شرف وضعه في مكانه الطبيعي في الجانب الشرقي وكثر اللغط بين القوم وتحول إلى خلاف حقيقي ينر باشتعال فتيل الحرب الأهلية، وعقدت التحالفات بين بعض أطراف لخوض الحرب غير أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي ـ وكان شيخاً كبيراً مطاعاً ـ اقترح على القوم أن يكون الحكم لتصفية خلافهم لأول من يدخل من باب الصفاء وبعد استجابة القوم لشيخهم طلع المصطفى(ص) فما كان منهم إلا أن هتفوا: هذا الأمين رضينا بحكمه.([11]) فصغى لمسألتهم حتى أحاط بمرماها فطلب وثباً ونشره وأخذ الحجر الأسود ووضعه فيه ثم دعا كل كبير قبيلة ليأخذ بطرف من الثوب فحملوه جميعاً إلى ما يحاذي موضعه في البناء، ثم بادر هو(ص) إلى تناوله من الثوب ووضعه في مكانه الخاص، وهكذا حسم الخلاف وسد باب الشقاق الخطير.

والذي نود أن نشير إليه هنا أن العبرة ليست بقبول رسول الله(ص) في حسم النزاع، لأنه من المحتمل أن يكون أي من الرجال قد ينال ذلك أو أنه سبقه(ص) في دخول الباب حسب ما اتفقوا عليه، لكن العبرة في مدى احتفائهم به(ص) حين وقعت أبصارهم عليه وهو يدخل عليهم ثم في دقة الحل الحاسم للخلاف وحسمه بشكل أرضى فيه الجميع.

2. بعد أن مضى من عمر الدعوة المباركة ثلاث سنين شاء الله سبحانه أن يجاهر محمد(ص) بدعوته طبقاً لمقتضيات الظروف الاجتماعية يوم ذاك، فصعد على الصفا فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقون؟.

فقالوا: بلى، فقال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.([12])

والواقعة التاريخية هذه تشير أيضاً إلى المكانة الرفيعة التي يحظى بها المصطفى(ص) في نفوس القوم، ومن أجل ذلك عوّل(ص) على ماله من مقام في نفوسهم كرصيد هائل يفيد منه الدعوة والإقناع والكسب، بقدر ما تعكس مدى سلامة التخطيط الذي سلكه في خط سيره الدعوتي حيث يخاطب وجدانهم وضمائرهم وعقولهم معا.

ومن نافلة القول أن نعيد إلى الأذهان في ختام هذا الحديث أن الإعداد الإلهي للمصطفى(ص) بشطريه: التحصيني والتعبوي قد وفر للرسول(ص) حصيلتين:

أولاً: بناء شخصيته وفقاً للمقتضيات الرسالية المختارة من العلي الكبير.

وثانياً: امتلاكه لرصيد ضخم من مؤهلات العمل التغييري الكبير في دنيا الناس على المستوى الدعوتي والقيادي، وكانت الثقة الجماهيرية بخط سيره العملي في الحياة من أبرزها.


 

[1] نهج البلاغة ـ تبويب الدكتور صبحي الصالح ط1 س1967 ص300.

[2] بحار الأنوار ج15 ص362.

[3] سبل الهدى والرشاد ص198 ج2.

[4] الوفا بأحوال المصطفى ج1 ص133 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص199 وبحار الأنوار ج15 ص410 واعلام الورى باعلام الهدى ص18.

[5]  المصدران السابقان ص138 وص201 على التوالي.

[6] بحار الأنوار ج15 ص361، برواية زرارة عن الباقر والصادق عليما السلام ولنفس الغرض يراجع الميزان ج2 ص21.

[7] البحار نفس الجزء والصفحة.

[8] سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العبادج2 الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي والروض الانف ج1 ص207 أبو القاسم الخشمعي.

[9] البحار ج15 ص360.

[10] البحار نفس الجزء والصفحة.

[11] حياة محمد(ص) محمد حسين هيكل ص87.

[12] بحار الأنوار ج18 ص175.

Untitled-1