من صور الإقطاع في العالم الثالث جريدة الشهادة السنة الرابعة العدد(154) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) رحم الله مالك بن نبي المفكر الجزائري المسلم فلقد وصف القلم الحر في(بلدان العالم الثالث) بأنه ينبغي أن يعيش فدائياً من الدرجة الأولى إذ إنه لا بد أن يعيش المحاصرة والمطاردة والاغتيال من نمط النماذج المادية المعروفة، وإنما تكون مطاردة للفكرة الحرة أو اغتيالاً لها ومحاولة لوأد تأثيرها في الناس... وكان مالك رحمه الله تعالى يتصور أن عمليات العنت التي يصادفها القلم الحر والفكرة الحرة البناءة إنما مصدرها الاستعمار الذي يحرص على قتل أي نهوض أو يقظة في الأمة، ويصف هذه الحالة بأنها من نماذج الصراع الفكري في البلاد المذكورة يرقبون أي فكرة بناءة أو تنظير رشيد ويهبون فوراً لقتلها بوسائل شتى فأجهزة الإنذار المبكر التي يملكها الحس الاستعماري تجعل الأجهزة الاستعمارية في البلاد المبتلية بها في حالة ترقب واستعداد لقتل الفكر الرشيد ليواصل الاستعمار عمليات التخدير والتنويم للأمة المستضعفة. بيد أن المرحوم بن نبي غفل حقائق أخرى تجري في بلدان العالم الثالث لا تقل في عدائها وحربها للكلمة الحرة والفكر الرشيد عن الأجهزة الاستعمارية فالوسط الجاهل من الأمة الذي يستقبل الإشاعة، ويلبي طموح المستعمرين وأصحاب النفوذ يكون أحد أجهزة الاستعمار الذي تمتطيها مصالحه حين يتحول ذلك الوسط إلى أداة تنفيذ للخطة الاستعمارية بتلقي دعايات أصحاب النفوذ بالقبول والتسليم مع أن أساس انبثاق الفكرة المحاربة وأداء القلم الحر لمهمته الصعبة إنما هو للدفاع عن مصالح الأمة ومنها ذاك الوسط الذي امتطاه أصحاب النفوذ، ويموه شطر تحقيق مصالحهم، وهكذا يتحول ذلك الوسط الجاهل إلى ذراع من أذرع الاستعمار وهو لا يعلم إلى أين يسير!. ومن الأمور التي غابت عن المفكر المرحوم مالك بن نبي أن غالبية بلدان(العالم الثالث) تعاني من حالة(الإقطاع الفكري) إلى جانب الإقطاع السياسي والإقطاع الاقتصادي، فصحيح أن هذه البلدان المستضعفة قد تحملت الكثير من الآلام تحت أعباء السيطرة الإقطاعية السياسية كإحدى أذرع الاستعمار ممثلة بالحكومات الملكية العائلية أو الحكومات الفئوية الضيقة، فإن بلدان العالم الثالث تعاني أيضاً من حالة(الإقطاع الفكري) حيث تحاول فئة أو طبقة أو ملأ من الناس أن تحتكر الفكر والثقافة والنشاط الذهني لها دون سواها، فما يناسب تصوراتها يدخل في خانة الجائز والمشروع وما كان غير ذلك فهو منحرف أو لا يجوز أو ليس من حق القلم أن يكتبه. وإذا كان الإقطاع السياسي في العالم الثالث له وصاية على النشط السياسي، ويبيح لمن شاء أن ينشط أو يتحرك، فإن الإقطاع الفكري يحاول أن يلجم الأفكار ويكم الأقلام والأفواه ويفرض وصاية فكرية على العقول، ويعمل جهده على حشر الأفكار في زاويته. إن هذه الحالة إذا كانت قد زرها الاستعمار في بلدان العالم الثالث فإن الإسلام والحمد لله تعالى لا يبيح أي لون من ألوان الإقطاع ولا الوصاية التسلطية على الناس... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
|