Untitled-1

في تراثنا الشعبي حكايات دالّة!

جريدة الشهادة السنة الرابعة العدد(158) صفحة(12)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

في تراثنا الشعبي نماذج إيجابية كثيرة في شكلها ومضمونها، غير أن إشعاعاتها وآثارها تخبو في عهود الغفلة وإن كان تاريخ الشعوب علمان أن الغفلة تأتي على الثوابت من الأفكار والحقائق أيضاً ناهيك عن الجوانب الأخرى من العبر والعظات العملية.

كنت وأنا أتنقل في مرابع الصبا أسمع بين حين وآخر قصة أدركت دلالتها الموحية بعد ذلك التاريخ كانت تقصها عليّ عجوز في دارنا،  مقتضاها: أن قوماً شاهدوا يوماً(غلاف قوصرة تمرة) ـ غلف حلانة تمر ـ طافياً على سطح الماء النهر الجاري، وماء النهر يحمله على ظهر إلى جهة غير معلومة ـ  وحيث أن قاعدة ارخميس في طفو الأجسام لم يطلع عليها ذلك الجيل الغابر من أمتنا ـ فإن(الغلف) الذي كانت تسوقه مياه النهر الجاري قد أعطى انطباعاً لدى القوم إن الشيء الطافي(قوصرة تمر حقيقية) تستحق المغامرة للحصول عليها، ولم يَدُر في خلد القوم أن القوصرة لا تطفو على سطح الماء، فيجري سباق بين القوم للحصول على الغنيمة، ويبدو أن الزمان شديد يستدعي ذلك السباق، فألقى عدد كبير من القوم أنفسهم في ماء النهر الجاري من أجل الحصول على المغنم!.

غير أن الذي يبدو أن بعضاً من أصحابنا كانوا حديثي عهد بالسباحة وبعضهم لم يكن له حظ فيها، فأودى(الغلف اللعين) ـ والعهدة على ذمة الراوي ـ بحياة الكثيرين غرقاً في لجة الماء الجارف.

هذا إضافة إلى ما سببته(أطروحة الغلف) من خسائر معنوية كالخلاف وسوء الفهم وما إليها.

إن هذه الحكاية وإن قُدّر أنها لم تَجر على خشبة الواقع، فإن الخيال الشعبي حين نسجها قد استوحى ممارسات من هذا القبيل.

إن عالمنا الشرعي الذي يسمى بأسماء عديدة ـ بسبب عدم استقرار وضعه أيضاً ـ (العلم الثالث، الدول النامية، وقيل النائمة، البلدان المتخلفة، عالم المستضعفين) تسود فيه ظاهرة الصراع من هذا القبيل غاية ما الأمر أن(الغلف) في مثالنا قد يكون غلفاً معنوياً وقد يكون مادياً، كبيراً أو صغيراً، طافياً فوق الماء أو مرتطماً فوق اليابسة، غير أن الجديد فيما يقع     في عالمنا أن الغرق يكون في متاهات وتصورات وآمال لا ترتبط بأرض الواقع المستور، وإن فريق المشاركين في العملية ربما يفوقون أصحاب الغلف أضعافاً.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

Untitled-1