Untitled-1

في ظلال المسيرة!.

جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(90) صفحة(12)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

خلال عمليات حفر الخندق قبل معركة الأحزاب، وبينما كان المسلمون يعيشون وضعاً يغلب عليه الوجوم والحذر والرهبة، يخرج عليهم رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله ليستشرف على المستقبل القريب والبعيد من مسيرة الرسالة الخاتمة، فيحيط المسلمين علماً: إنهم سيملكون قصور حكام الحيرة ومدائن كسرى، وقصور صنعاء وبلاد الروم وأرض فارس.

ولئن امتلكت هذه البشارة قلوب المؤمنين، وملأتها يقيناً واطمئناناً وتسليماً فقد كبر على المنافقين ما بشر به النبي(ص) فتنزل وحي الله تعالى مؤكداً أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء وينزعه عمن يشاء، وأن ما بشر به الرسول(ص) تجسيد لهذا الحق الذي دانت له السماوات والأرضون وما فيهن طوعاً أو كرهاً(قُلِ اللهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).. وهكذا قطعت السنة النفاق، ونفذ المهيمن إرادته عبر السنين.

 وحين نسوق مثل هذه الحادثة المعبرة الموحية نريد أن نؤكد من خلالها وفي ظلالها أن من أبرز ما يتميز به العمل الإسلامي الاجتماعي عن سواه: إنه بعد أن يستفرغ جهده في البذل والعطاء يخرج من حوله وقوته، ويتشبث بحول الله وقوته، ويوكل الأمر لجبار السماوات والأرض فنواصي الأمور بيده جل وعلا إن شاء وهب النصر وجاد بالملك، وإن شاء خذل ونزع السلطان ممن أعطى وقد جسد عباد الله الصالحون عبر الأزمان هذا المبدأ والتزموا به فنالوا إحدى الحسنيين.

إن وضوح الرؤية في هذه المسألة العقيدية الثابتة تجنب العاملين في الحقل الاجتماعي الإسلامي كثيراً من ظواهر نزغ الشيطان والهوى، وتوفر إطار قدرات البشر، كما يستتبع ذلك التخلي عن كل ألوان التنافس والخصام على الحطام أو سراب الحطام!.

إن مثل هذا المبدأ الحيوي إذا أتيح للعاملين التشبث به عبر مراحل المسيرة ومنعطفاتها المختلفة ينقدح في وجدانهم إنه ربما في مكنون علم الله تعالى إن ينال المقام أو الملك الفلاني غير العناوين المعروفة، وربما يتاح لهذا الشيء المتصور إنسان أو جماعة لا تحظى بموقع هام في حساباتنا المادية.

وفي تاريخ المسيرة الهادية مصاديق ثرة لهذه الحقيقة، فاختيار طالوت للملك كان مخالفاً لحسابات قومه من البشر وظهور موسى عليه السلام الذي عاش شريداً طريداً بسبب الظلم على فرعون زمانه لم يجر إلا في ظل هذه الإرادة الإلهية التي لا يقف أمامها شيء وغير هذه المصاديق كثيرة.

(ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

Untitled-1