فلسفة التبرير بين الجنوح والاستقامة جريدة الشهادة السنة الثالثة العدد(143) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) يراد بالتبرير العملية التي يتم من خلالها إرجاع المواقف والأفكار إلى عواملها وخلفياتها الحقيقية أو المنسوبة. والتبرير في حد ذاته ضرورة في حياة الناس الفكرية والاجتماعية، والمسلمون حين اختلفوا في الزمن الغابر حول تبرير الشرائع والأحكام لم يختلفوا حول أهمية التبرير أو عدمه وإنما حول كيفيته وأسسه فهل التشريع مثلاً محكوم بالحسن والقبح العقليين أم سوى ذلك، ومن أجل ذلك ألفت عدة أسفار حول(علل الشرائع) أي حول تبرير صدور الأحكام بهذا الشكل دون غيره. على أن التبرير من حيث المضمون والخلفية نوعان: تبرير تقي يخشى الله تعالى ويتقيه، لشعور صاحبه برقابة الله تعالى وإحساسه بالمسؤولية إزاء ما يلفظ من قول وما يتخذ من موقف. والتبرير التجاري الذي ينطلق من زوايا الكذب والبهتان والافتراء وما إليها من مستنقعات. والتبرير الجاري الوصولي مصدر لكثير من مشاكلنا التاريخية والمعاصرة، فالتبرير الظالم أو الجاهل أ, المزور للحقيقة هو الذي أشاع الفتن طول التاريخ ولا زال والأخطاء الكبرى المدمرة في الفلسفات الحديثة كان سببها التبرير الخاطيء. فماركس برر فلسفته بالعمل الواحد وأنكر سواه من العوامل الفاعلة في دنيا الناس فحول الناس إلى آلات. وفرويد أقام نظرته للجنس البشري على عامل واحد فحول البشر في نظرته إلى حيوانات وسوى ذلك كثير. وفي تاريخ المسلمين الماضي والحاضر يظل التبرير الظالم والمزور للحق مصدراً من مصادر الشر في تاريخ المسلمين، فكثيرون جداً من أبرار الأمة قتلهم سيف البغي ظلماً تحت لافتة أنهم خوارج أو المروق عن جماعة المسلمين!!. وكثيرون من على خطهم من العلماء والعاملين والداعين إلى الخير قتلوا وأوذوا وشردوا تحت عناوين المعاداة للتقدم والحرية والوطن وما إلى ذلك، وقاموس اللغة وافرازات إبليس لا تكاد تحصي كثرة لمن أراد أن يسلك خط البهتان والكذب وعدم الإحساس برقابة الله الدائمة عليه وتظل حكاية التبرير للأفكار والمواقف أساسية في حياة البشر، ولكنها تزداد أهمية في الظروف الحرجة التي تمر بها الأمم والشعوب: فرب تبرير كاذب أشاع الفتنة!. ورب تبرير يقوم على البهتان أسقط صاحب التبرير نفسه بعد انكشاف أمره!. ورب تبرير لا يتقى فيه الله تعالى اسقط جماعة من المسلمين!. هذا فضلاً عن المسؤولية الشرعية التي يتحملها التبرير الكاذب المزور للحق. وإزاء هذه الأهمية القصوى للتبرير فنحن مسؤولون عما يلي: ـ أن يستلهم التبرير الشعور برقابة الله عز وجل المطلع على الحقائق كلها. ـ أن نبرر للناس من حولنا تبريراً واقعياً يتحرى الصدق ولا يسبب الأضرار بمصالح الإسلام والمسلمين. ـ ومن لا يقوى منا على الأمرين السالفين(فليقل خيراً أو ليصمت) كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
|