Untitled-1

الحق كلمة

جريدة الشهادة السنة الثالثة العدد(133) صفحة(12)

الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

ظاهرة الأخذ والعطاء بين الحضارات والأمم، ظاهرة قديمة قد الإنسان والحياة الاجتماعية، على أن الأمم المغلوبة عبر التاريخ تكون أكثر قدرة على الأخذ من الأمم ذوات الأيادي العليا!.

وبحكم هذه الحالة الاجتماعية ـ الحضارية كانت أمتنا طوال فترة شللها عن صنع التاريخ حاملة لقابلية الأخذ دون العطاء بحكم كونها تعيش حالة ضغط حضاري واطيء.

وإزاء هذه الحالة التي عاشتها أمتنا في القرون الأخيرة تميزت ـ إزاء الوافد من الأفكار ـ ثلاثة مواقف:

1. موقف الانغلاق على الذات والاكتفاء بالموجود من الموروث وقد عبر عن هذا الموقف عملياً ملوك أفغانستان وأئمة اليمن في بداية القرن العشرين الميلادي، على أن هذه السدود الخاوية قد انهارت أمام الزحف بعد حين.

2. موقف الانبطاح الكامل أمام الحضارة الأوربية والعمل على شطب حضارة الأمة وأمجادها وقيمها تحت وطأة هذه الهزيمة وقد عبرت عن هذه الفلسفة الانبطاحية: أفكار ضياء ألب كوك منظر العلمانية في تركيا ـ وميشيل عفلق وقسطنطين زريق وساطع الحصري، ومنيف الرزاز، وشبلي شميل، وسلامة موسى، وأتاتورك،وبورقيبة، وأضرابهم.

وقد كان هؤلاء العملاء الفكريون قد أخلصوا بقوة وفاعلية لأساتذتهم في أوروبا، وأجادوا التنظير للتبعية الفكرية وعملياً.

3. الموقف الرسالي الواعي الذي عرف رجاله ومؤسساته كيف يتعاملون مع نتاج الحضارة الأوربية بعقل مفتوح يقظ ومميز وبناء على هذه الموقف الواضح من النتاج الحضاري الأوربي، عولجت قضية(الأصالة المعاصرة) وقضية(التراث الجديد) وقضية(القديم والحديث) في الفكر الإسلامي في وقت مبكر.

صحيح أن الفكر الإسلامي المعاصر في بدايات العصر الحديث قد واجه حالة من حالات الدفاع والهزيمة في بعض المواقع حتى ظهرت مصطلحات(الاشتراكية الإسلامية)(والديمقراطية الإسلامية) مثلاً إلا أن هذه الثغرات سرعان ما سدت، وبلورت الأفكار بشكل فيه كثير من الأصالة والجدية والشموخ.

فالمفكرون الإسلاميون من قبيل: أبو الأعلى المودودي والمرحوم السيد محمد حسين الطباطبائي والمرجع السيد محمد باقر الصدر وسيد قطب وأمثالهم قد بلوروا بشكل مبكر قضية ما ينبغي أخذه من الحضارة الوافدة وما ينبغي طرحه ونبذه منها.

وبناء على ذلك قسموا النتاج الوافد إلى حلقين:

أ ـ فالنتاج المادي والتكنولوجي والتقنية الحديثة، وخطط التنمية ـ في بعض الوجوه ـ وكل ما يتعلق بالمدينة يعتبرونه نتاجاً مشتركاً للبشرية جمعاء والإسلام يرحب بهذه التطورات التي توفر مستلزمات إسعاد الإنسان وتحسين أوضاعه ورفع الآلام عن كاهله.

ب ـ أما النتاج الفكري، فقد تعامل مفكرونا معه من زاوية ما يوفره من انسجام مع مباديء الشريعة وأحكامها وروحها، فما كان من طروحات ومشاريع الفكر الوافد مضاداً لمباديء الشريعة أو أحكامها وروحها فإنه مرفوض أساساً.

فالطرح الداروني مرفوض لأنة يتناقض ونظرية القران الكريم في خلق الإنسان.

ومشروع سفور المرأة مرفوض لأنه يتنافى مع مشروع الحجاب الإسلامي.

وأطروحة مصادرة حق التملك الخاص مرفوض إسلامياً لأنه يتناقض والطرح الإسلامي في إعطاء الفرد حق التملك الخاص، وهكذا، وهكذا.

أما المشاريع الحضارية التي بمقدور النهضة الإسلامية أ، تفيد من أطرها ـ دون مضمونها في الغالب ـ فإن الإسلام لا يرى بأساً من تبنيها وإثرائها والإفادة منها كالتنظيم العسكري الحديث ونظام الجمهورية، ومجالس البرلمان ونظام الجامعات والتنظيم العمالي، والطلابي والتنظيم الحزبي وطرق الحرب الشعبية وغيرها شريطة أن توجه هذه المشاريع لما يحقق المصلحة الإسلامية العليا.

وبهذا الموقف الرسالي الواعي حقق الإسلاميون نضجاً حضارياً منقطع النظير حافظوا من خلاله على أصالتهم كأصحاب رسالة، وأفادوا من مشاريع التطور والنمو في مسيرة الإنسان المعاصر.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
Untitled-1