Untitled-1

القوة الحقيقية والقوة الظاهرية

جريدة الشهادة السنة الرابعة العدد(157) صفحة(12)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

ابتداء من الآية(246) من سورة البقرة المباركة حتى(252) منها يهتم القران الكريم بتسليط أحزمة من الضوء على حقيقة هامة تواكب الحركات الإجتماعية والنهضات والثورات.

فالعمل الإجتماعي يبدأ وجوده التاريخي بتصدي(قوة حقيقية) للعمل وفق هدف مرسوم أو متصور، والآيات المذكورة تشير إلى تلك القوة من خللا ذكر النبي الذي أعقب موسى عليه السلام ـ تقول بعض الروايات أنه ارمياء ـ وطالوت الملك القائد، والصفوة التي آمنت بخطه واندمجت فيه.

وتضاف إلى هذه القوة، قوة ظاهرية تمثل القشرة أو الإطار الذي يحيط القوة الحقيقية في ظروف الرخاء وقلة الأعباء.

والقوة الظاهرية عادة تسوقها المصالح سوقاً وتنتمي للمقاصد الخاصة وهويتها البحث عن المغنم دون تحمل أي مغرم، في الرخاء تلحس القصاع وفي الضراء تلوذ بالفرار.

وتستمر القوة الظاهرية في العمل الاجتماعي مواكبة للقوة الحقيقية حتى يتعذر التمييز بين عناصر القوتين في مناسبات وأوضاع كثيرة.

بيد أن تعرض ذلك الوجود الاجتماعي للمحن والشدائد يوفر الفرصة للتمييز بين الحقيقتين بشكل واضح وجلي.

فالقوة الظاهرية تبدأ (جحافلها) بالانسلاخ رويداً رويداً عن جسم ذلك الوجود الاجتماعي مع تصاعد المحنة وتنامي الشدة، حتى أن تلك القوى الباحثة عن المغنم في النهضات والثورات والوجودات الاجتماعية تتخذ من النهار جملاً في عملية انحسارها.

أما الحقيقيون من أصحاب البصيرة والمبدأ والإصرار على تحقيق الأهداف فإنهم لا ينسحبون حتى إذا سحر لهم الليل جملاً.

وتذكرنا هذه الحقيقة بنهضة الحسين عليه السلام الذي واجه الحالتين معا، ففي موقف انسحب عنه مئات الأشخاص جهاراً حين تيقنوا أن(الكوفة) ليست معه وأن سفيره إليها قد استشهد فإذا هو يلتفت إلى ما حوله فلم يجد إلا(الخواص) ممن اندمجوا في خطه، وفي موقف آخر يطلب الحسين عليه السلام من أصحابه أن يتفرقوا عنه، وأن يتخذوا الليل جملاً حيث غشيهم الليل وقتذاك لأن(القوم لا يطلبون غيره) إلا أن القوة الحقيقية تصر على الاستبسال والشهادة ولقاء الله تعالى أمام القائد العظيم.

إن الآيات المذكورة من سورة البصرة تجسد لذوي العقول أحد قوانين العمل الاجتماعي الراسخ في حركة التاريخ، والتأمل فيها يعطي عظات عملية لكل الذين يهمهم أن يصنعوا مجداً أو نهضة أو ثورة فها هو طالوت الملك القائد يواجه طرفي المعادلة جهاراً حين يتصدى لمواجهة عدوه:( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء..).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

Untitled-1