Untitled-1

أفكار حول الإدارة في الإسلام

جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(57) صفحة(8)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

تعريف:

بالنظر إلى تشعب ميادين الإدارة في العصر الحاضر وتعدد حقولها، فقد نجم عن هذا الوضع تعدد(التعريفات) لتحديد مفهوم الإدارة ومدلولها.

ولعل أقرب تعريف لمفهوم الإدارة في وقتها الحاضر ما ذكره قاموس العلوم الاجتماعية الذي يصدر في أمريكا حيث أشار إلى أن الإدارة تعني(العملية الخاصة بتنفيذ غرض معين والإشراف على تحقيقه وتعرف الإدارة ـ من الناحية الإنسانية ـ بأنها الناتج المشترك لأنواع ودرجات مختلفة من المجهود الإنساني الذي يبذل في هذه العملية كما أن مجموعة هؤلاء الأفراد الذين يبذلون سويا هذا المجهود في أي مشروع من المشروعات يعرف بإدارة المشروع([1])

على أن تعريفاً آخر للإدارة ذهب إلى أن الإدارة تعني النشاط الخاص بقيادة وتوجيه وتنمية الأفراد وتخطيط وتنظيم مراقبة العمليات والتصرفات الخاصة بالعناصر الرئيسية في المشروع([2])

ويبدو أن التعريف الأول للإدارة اهتم بإبراز عنصر المشاركة في العمل لجميع العناصر التي تساهم في العملية الإنتاجية سواء كان المشروع إنسانياً أو اقتصادياً أو نحو ذلك، وهذا التعريف بطبيعة الخال يعتبر جميع العناصر المشاركة عناصر مساهمة في الإدارة ولكل منها دوره ومهمته المحددة ضمن إدارة المشاريع أو المؤسسات.

أما التعريف الثاني فإنه يشير إلى الجهة المشرفة على سير العمل والتي أشار إليها من خلال ألفاظ(قيادة، توجيه، تنمية، تخطيط، تنظيم، مراقبة).

والتعريفان اللذان اختارهما البحث ينسجمان من ناحية الدلالة مع تشخيص الهيكل العم للإدارة في الإسلام.

فمسألة المشاركة العلمية الإنتاجية لم تجد لها وضوحاً وعمقاً كما وجدت في رحاب التشريع الإسلامي وحديث(المسؤولية) الذي ورد عن الرسول الأعظم(ص) خير تجسيد لهذه المعطيات(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..)

بيد إننا لا نريد هنا أن نستقريء واقع التجربة الإسلامية من ناحية مستوى المسؤولية(العناصر) في العملية الإنتاجية وإنما نبتغي استعراض مهمة الجهة المشرفة على سير العمل في العملية الإنتاجية في ضوء الإسلام والشروط التي وضعها للعناصر المشرفة المذكورة من خلال النصوص الأصيلة.

حول المقومات العامة للإدارة في الإسلام

التعريف الثاني للإدارة الذي ذكرناه قبل قليل صريح من ناحية الدلالة العلمية بتحديد الإطار العام للمهام التي تناط عادة بالجهة التي تشرف على سير العملية الإنتاجية سواء أكانت فرداً أو جهازاً، إلا أنه لم يشكل إلا إطارا.

للمقومات العامة للإدارة من الناحية الفنية أما روح هذه الإدارة ومضمونها الحقيقي فلم يوفق التعريف لتحديد معالمها ولذا فإن هذه التعريفات الفنية يمكن تبنيها من كافة الأنظمة والتجارب الاجتماعية باعتبارها وعاء يصلح لاطروحات مختلفة.

وليس المقصود من هذا الاستعراض العام لمقومات الإدارة في الإسلام أن نسجل ملامح الشكل الخارجي للإدارة في الإسلام وإن كان هذا الأمر يعبر هو الآخر عن جزء من خصوصيات الأطروحة الإسلامية للإدارة وإنما نهدف إلى تشخيص المضمون والمحتوى الداخلي و(قيم) الإدارة في منظور الإسلام.

وعلى هذا الضوء يمكننا أن نسجل هذه الحقائق حول خذا الموضوع من خلال النصوص الأصلية كما ذكرنا: على أن من الجدير بالملاحظة هنا أن هذه المباديء والقيم تصلح للإدارات في المجتمع الإسلامي من أدناها مأداة مصنع ومدرسة إلى أقصاها كإدارة الدولة).

1. اختيار المناسب للمسؤولية وتنفيذ الأعمال وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً وأقل في المطامع إسرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً.

2. استعانة المسؤولين في العمل بأهل الخبرة والرأي في تطوير العمل: أكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك.

3. وضع خطة مرحلية واضحة لإنجاز المشاريع: وامض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه.

4. مراقبة المسؤولين فن إنجاز الأعمال مباشرة بواسطة الثقاة لا العناصر المتملقة: تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية.

(لا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور.

5. أن يكون المسؤول قدور حسنة للعاملين ضمن المشروع أو المؤسسة: من نصب نفسه للناس إماماً فليبتدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم.

(لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع ولا يضارع ولا يتبع المطامع).

(فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك).

6. مكافأة الجادين والتحفز على العمل: لا يكوننّ المحسن والمسيء عندك سواء.

(ثلاثة تجب على السلطان للخاصة والعامة: مكافأة المحسن بالإحسان ليزدادوا رغبة فيه...

7. الاهتمام بالنفع العام للإنتاج: ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج.

8. عدم تحيز المسوؤل في النظرة للعاملين ضمن المشروع: ولا يدعونّك شرف امريء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً ولا ضعة امريء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً.

انصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى.. (.. وتألفهم جميعاً بالإحسان والإنصاف.

9. إشاعة الرحمة والإخاء والثقة بين العاملين: سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك. (فاخفض لهم جناحك وألِن لهم جناحك وابسط لهم وجهك وآسي بينهم في اللحظة والنظرة) تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما) أشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم...

فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من فعوه وصفحه.

10. الابتعاد عن كل المظاهر الطاغوتية في الإدارة:

أ ـ إياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسك ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.

ب ـ إياك والمنّة على رعيتك بإحسانك. أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلف.

ج ـ أملك حمية أنفك وسورة حدك. احترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار.

د ـ لا تبجحنَّ بعقوبة.

هـ ـ لا تقولن إني مؤمَّر فأطاع فإن ذلك أوغال في القلوب ومنهكة للدين.

ز ـ الصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على ألّا يطروك ولا يبجحون بباطل لم تفعله فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة.

11. اعتماد الحكمة في مواجهة الأمور ومشاكل العمل: إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها والتسلط فيها عند امكانها واللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت، فضع كل أمر موضعه واقِع كل أمر موقعه.

12. التعاون بين المسؤول والعاملين من أجل إنجاز الأعمال: .. ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم، وليس امرؤ ـ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فصيلته ـ يفوق أن يعان على ما حمّله الله من حقه. ولا امرؤ ـ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون ـ بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.

13. عدم إسناد المسؤوليات إلى المشبوهين وخدام الطواغيت: إن شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام فلا يكون له بطانة.


 

[1] . الأصول العلمية للادارة والتنظيم، د. علي عبد المجيد عبدة ط 1963م القاهرة ص16  

[2] . نفس المصدر ص19

Untitled-1