العاملون والمهمة السياسية جريدة الشهادة السنة الثالثة العدد(139) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) يبني الإسلام الحنيف تصوره عن حياة الإنسان على ظهر هذه الكوكب على أنها كدح وجهاد للنفس وما حولها من انحراف حتى لقاء الله تعالى ومغادرة هذه الحياة القصيرة المليئة بالمشاق والآلام، ومهمة المؤمن تتحدد من خلال هذه التصور الراسخ:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)(الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)(إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). فمهمة المؤمن الحقيقية في الحياة أن يعبد الله ويتقيه ويجاهد الانحراف عن درب الله وشرعه القويم والمؤمنون عبر التاريخ يمثل العمل في سبيل هذا الدين وإعزازه شطراً من وظيفتهم الأساسية في هذه الحياة ومهما تختلف أساليب العاملين باعتبار القناعة ودرجة الوعي لطبيعة الظرف السائد وتعقيداته، فإن التكليف يبقى واحداً والمهمة هي(عبادة ودعوة الله تعلى وكدح في سبيله). وجهاد المسلم يبقى سليماً في مضمونه ومساره ما دام لله تعالى لا لجاه أو موقع أو حطام:(إذا التقى الصفان نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم: فلان يقاتل للدنيا، فلان يقاتل حمية، فلان يقاتل عصبية، إلا فلان تقولوا قتل فلان في سبيل الله إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا). على أن أقدر أعمال العبد على الانزلاق عن الوجهة الربانية والمهمة الرسالية هو العمل السياسي وما بحكمه، لأنه أكثر الأعمال إمكانية على الاختلاط بالمصالح الإنسانية المادية والرياء والسمعة والرغبة في المكاسب المعنوية الخاصة. ومن أجل ذلك فإن العمل السياسي الإسلامي ـ في مثالنا ـ يحتاج ـ فيما يحتاج إليه ـ إلى ضوابط ثلاثة لتعصمه من المزالق: 1. شعور العامل في هذا الحقل أن عمله ليس مطلوباً لذاته أبداً وإنما هو من ضرورات العمل في سبيل الله تعالى، ولو لم يكن لذلك لما تجشم العبد الصالح عناءه أبداً. فالعمل السياسي بالنسبة للمؤمن الصالح تفرضه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والجهاد في سبيل الله تعالى(جئنا نخرج العباد من عبودية العباد إلى عبودية الله). وإلا فلو كان التحرك السياسي مطلوباً لذاته لكان من الضروري أن يعاد النظر فيه من ناحية المشروعية والصحية!. 2. والأمر الثاني الذي يشكل ضابطاً لهذا العمل أن يراد به وجه الله تعالى وخدمة دينه وإنقاذ المستضعفين من عباده، ورفع راية التوحيد على رؤوس عباده. 3. أن يؤطر التحرك السياسي بأطر الأخلاق الإسلامية، ضماناً قانونياً له من الإسفاف باتجاه التحرك السياسية العلمانية التي تفتقد هذه الخصوصية، الأمر الذي يذكرنا بنهج الإسلام الواضح في هذا المضمار: ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر.. هذا المنهج هو الذي يتحرى الصدق والوضوح والصراحة، والاستقامة، وسلوك الفضيلة، واجتناب المكر والغدر والخديعة والكذب وما أشبه. إن التزام هذه الضوابط الثلاثة تمنح تحركنا السياسي بشتى صوره وأبعاده بصيغة الإسلام الأصيلة وتنأى به نأيا تاماً عن الإسفاف والانزلاق وراء الحطام والمواقع والمطامع، وتميزه عن سواه من التحركات السياسية التي تشهدها ساحة المنطقة الإسلامية اليوم. وهكذا فأنت ـ أيها المؤمن ـ سياسي من حيث أنك آمر بمعروف ناه عن منكر!. وأنت سياسي من حيث إنك مهتم برفع راية الله عالياً!. وأنت سياسي من حيث كونك مأموراً بدعوة الناس إلى الله!. وأنت سياسي من حيث أنك مجاهد في سبيل هذا الدين!. وأنت سياسي من حيث أنك مسؤول عن تعبيد الناس لله تعالى!. وأنت سياسي لا من حيث أن السياسة مطلوبة لذاتها!. و(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
|