Untitled-1

اللجوء إلى الله

جريدة الشهادة السنة الرابعة العدد(159) صفحة(12)

 الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

الجانب الغيبي والالتصاق بالغيب يحتل في رسالة هذا الدين المساحة الأكبر وأهم ما يميز الدين عن سواه تركيزه على الغيب، وحضه على العناية بالغيب.

والنهضة على ضوء الدين حقاً لا بد لها من أخذ هذه القضية بنظر الاعتبار، ولا بد أن يحتل الغيب والاستلهام منه مساحة واسعة في حركة النهضة، ومسيرة البناء.

وإذا تتبعنا حركة البناء الإسلامي من الناحية المفهومية والتطبيقية لوجدنا أن اللجوء إلى الله تعالى ظاهرة ثابتة في ثنايا تلك الحركة العظيمة في جميع مراحلها وانعطافاتها، وإن مجرد حدوث خلل أو غفلة عن اله تعالى يسوق حتماً إلى نكسة أو نكبة أو نكوص.

وفي كتاب الله العزيز تصر بعض الآيات على الإعلان عن أن من أسباب بعض الانتكاسات أو تأخر بعض مراحل النصر إنما يعود إلى أن الله تعالى يشاء لعباده أن يتضرعوا ويستكينوا أو يزدادوا تعلقاً به سبحانه.

وبعض الآيات تشير إلى أن اللجوء إلى الله حالة تكسر الغرور والتكبر وتشعر الإنسان بضعفه وحاجته الدائمة إلى ربه الأعلى عز وجل:( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

وإذا لوحظ المنهج القرآني الملتزم في النهضة، والصمود، وصناعة المجد، لتجلى الاندكاك والتوجه الدائم إلى الله تعالى في جميع هذه الحالات.

فإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حين يقيمان قواعد البيت الحرام يلجآن إلى الله تعالى استعانة لتحقيق المهمة، ورغبة في القبول والقربى.

وطالوت الملك الرباني المظفر حين يبرز لطاغوت عصره(جالوت) يلجيء ظهره إلى الله تعالى ويستعينه.

والرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم حين يقود عملية بدر الكبرى يستغيث بالله ويلح عليه بالضراعة:( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ...).

ويونس النبي المغاضب عليه السلام يستغيث بالله في محنته، وهو في بطن الحوت فتتحقق له النجاة:( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).

وأيوب الصابر المحتسب ينادي:( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

وهؤلاء الذين ذكرناهم هم في سمو درجاتهم وقربهم لله تعالى، بيد أن ذلك السمو لا يغني وحده عن اللجوء والضراعة والتعلق الملح بالله عز وجل ومن خلال ما يلاحظ من منهج الله تعالى الذي أنزله على عباده أنه يحفظهم ويربيهم على التزام الضراعة لله تعالى وعدم نسيانه في اليسر والعسر معاً، في النكسة وفي النصر، وفي الضعف، وفي القوة في حالات المد وفي حالات الجزر، فإن التقصير في اللجوء إلى الله تعالى خصوصاً في حالات الفتنة والمحنة والآلام يسوق إلى مضاعفة الآلام والمحن ويتسبب في تأخير الخروج من الصعاب، وتخطي العقبات.

إن المؤمن الممتحن بأمس الحاجة إلى الضراعة والإلحاح على ربه عز وجل وصدق أبو عبد الله الصادق حيث يقول:(لو أن عبداً شد فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً فسل تعط.. إنه ليس من باب يقرع إلا يوشك أن يفتح لصاحبه).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

Untitled-1