Untitled-1

قضية العام والخاص في الثقافة‍

جريدة الشهادة السنة الثالثة العدد(115) صفحة(12)

الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره)

في طليعة ما يميز الناس ويصنفهم في لسلم الحضاري المسألة الثقافية فكلما تصاعدت وتيرة الوعي الثقافي لدى أمة من الأمم، كلما كانت درجة ارتفاع في مدارج الرقي أكبر وأوضح، على أن القناعات الثقافية تتفاوت في أبعادها ومساحتها الأفقية حسب المجتمعات والبيئات والمراحل التاريخية لمسيرة البشر، إضافة لمصادر التأثير الثقافي.

ومن أجل ذلك نجد البون شاسعاً بين ثقافة مجتمع أوربي في أي إقليم كان عن مجتمع أفريقي مثلاً نتيجة للحيثيات المذكورة.

ورغم التفاوت في ثقافات المجتمعات البشرية من حيث المنبع والعمق والسعة والتأثير غير أن الثقافة تكاد توزع في أي مجتمع على ثلاث مستويات:

1. الثقافة العمومية: ولا ينبغي بها المسطحة الفاقدة للعمق وإنما نقصد بعمومية الثقافة في مجتمع ما تقبل الناس في ذلك المجتمع لنمط مشترك من الثقافة، فيستجيبون لضوابط واحدة، ويحترمون شعائر وطقوس معينة، تهمهم مباديء وأفكار مشتركة رغم الشعور أن تلك الشعائر والطقوس والمباديء قد تكون مقبولة في مجتمع ما دون مجتمع أو مجتمعات معينة من مجتمعات الدنيا.

2. الثقافة الخاصة: وهذا النمط من الثقافة تكون مساحتها أضيق نم الأولى لعدة عوامل منها: أن خصوصية هذه الثقافة نابعة من كونها تتسع لها بعض العقول دون الأخرى، وقد حدثنا التاريخ الإسلامي عن مستوى معين من الثقافة كان يخص بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة المسلمين عليهم السلام قطاعاً من الأصحاب دون الآخرين بسبب ذلك العامل.

وقد يكون من العوامل أن النمط الخاص من الثقافة يحوي أسرار لا تريد الجماعة التي تحملها أن تشيعها، ومن العوامل التي تسبب الخصوصية أن تلك الثقافة تمثل قناعاتها في الأفكار والأعمال والطموحات التي تبتغي الجماعة الوصول إليها.

بيد أننا لا ينبغي أن نتجاهل أن بعض أنماط الخصوصية يأتي تحكماً لا حقيقة فهي أقرب للشعارات المرفوعة التي لا تنطوي على مضامين حقيقية استراتيجية وإنما تفرضها الحاجة في الصراع مع الآخرين أو من أجل التكيف مع ظرف مستجد يسمح بقبول تلك الشعارات أو من أجل أن تتميز الجماعات عن الآخرين وتوجد مبررات ثقافية لقياهما رغم وجود القناعة الداخلية لدى بعض أصحابها على الأقل أن تلك الثقافة(الخاصة) لا تمتلك تلم الجدية في حساب الواقع ولا تستحق تلك الحماسة وفي مثل هذه الحالات سرعان ما يتخلى أصحاب هذه الأفكار عن(أفكارهم) عند انتفاء الحاجة أو تغير الظرف مثلاً.

ومن الجدير بالذكر أن بعض مفاهيم الثقافة الخصوصية قابلة للتحول إلى ثقافة عمومية، وأن أكثر الناس حكمة وإدراكاً أولئك الذين يخرجون أفكارهم من الصفة الخاصة المحدودة إلى الإطار العام حيث تنال مقبولية أوسع مدى من الناس.

3. الثقافة المتغيرة أو المستجدة: الفكر المستجد كما يكون في حقيقته ذا صفة إبداعية يحمل الجدة وسمات الابتكار سواء في أسلوب الطرح أو المبنى، كذلك يكون في بعض حالاته منقولاً عن الآخرين حيث تكون جدته في هذه الحالة الأخيرة ناجمة عن جدته على ساحة الأفكار التي انتقل إليها.

وقد تكون المبتكر أو المستجد من الأفكار والثقافة بمستوى طرق تفكير أو مباديء جديدة حول بناء الإنسان وإثارة الحياة من حوله أو يكون دون ذلك، وقد يكون المبتكر فرد أو قد تكون جماعة أو جهازاً ومع هذا أو ذاك فإن الأفكار والثقافة المستجدة قد تكون موغلة في الركود والضعف والبؤس واللاواقعية أحياناً.

على أن هذا المستجد في الأفكار سرعان ما يستقر في إحدى بحيرات الثقافة المعروفة، فقد يتحول ثقافة عامة لكل الساحة وقد يكون فكراً أو ثقافة خاصة يتبناها قطاع من الناس بيد أن ولادة الأفكار الجديدة الحيوية والبناءة وضرورة لمسيرة البشر وبناء الحضارة، أما الثقافة(التجارية) والثقافة(الخيالية) والثقافة(الراكدة) والثقافة(اللفظية) التي لا تساهم في دفع مسيرة الحياة والنهضة فإنها وإن كانت من الأفكار الجديدة بيد أنها لا تملك مقومات البقاء طويلاً.

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).
Untitled-1