التطرف.. عقدة..؟ أم عقيدة؟. جريدة الشهادة السنة الثانية العدد(94) صفحة(12)الاستاذ الشهيد عز الدين سليم (ره) تفيد قواميس اللغة إلى أن مصطلح(التطرف) مقتبس من الوقوف عند(طرف) الأشياء والقضايا والأفكار بشكل يفضي إلى تجاوز حد الإعتدال. يقول محيط المحيط: تطرفت الناقة رغت أطراف المرعى، ولم تختلط النوق، وتطرف فلان أتى الطرف، وفي المسألة جاوز حد الاعتدال. إن هذا المعنى اللغوي يتطابق مع المفهوم الاصطلاحي للتطرف بشكل تام حتى لا نكاد أن نجد فرقاً بين المرادين. ومصاديق التطرف كثيرة منها في العقائد والأفكار ومنها في المواقف والممارسات، ومذاهب التطرف شتى، وكما هي عند الشرقيين تتخذ عند الغربيين، ولها أرقام كثيرة في الماضي ومصاديق في الحاضر لا تكاد تحصى. وأسباب التطرف في الأفكار والمواقف كثيرة منها: شدة التحدي الحضاري أو القومي أو الفكري الذي يتعرض له الأفراد والجماعات يحملهم على التطرف في مواجهة بعض الأفكار والممارسات. ومن عوامل التطرف: الأزمات الحادة والكوارث التي تحل بالافراد والجماعات لأسباب خارجية أو داخلية. ولا ننسى أن للأسباب النفسية والآلام آثارها المهمة في خلق حالات من التطرف في أحايين كثيرة. ورغم هذا وذاك تبقى قضية التطرف قضية نسبية، وقد يسمى موقف مناسب لظرف أو حالة بأنه موقف متطرف، وهو ليس كذلك في حساب الواقع فليس كل موقف أو حالة فكرية تواجه حالات أو ظروف مخالفة للحق أو متدنية أو مريضة بأنها مصاديق للتطرف، ولذا فليس صحيحاً ما يشاع عن الإسلاميين الذين يمارسون القوة لمواجهة دويلة اليهود المحتلة للبنان بأنهم متطرفون، وليس في مواقف الإسلاميين المشابهة في كل من العراق ومصر وأفغانستان تطرف في حساب الواقع، وإلا لعد كل المطالبين بالحق والاصلاح من الانبياء والأئمة والصالحين متطرفين، ومع الاصرار على تسمية هذه الحالات تطرفاً، فإن هذه من التطرف المقبول والمشروع والصالح. وبمقدورنا أن نذكر بعض حالات التطرف في مسيرة الإنسان لنقيس عليها: الإيمان بالعدل الواحد في صنع التاريخ(كالعامل الديني أو العامل الاقتصادي مثلاً مع اهمال العناصر الأخرى يعد حالة واضحة من حالات التطرف السلبي. موقف خوارج المحكمة من مسألة الخلافة الإسلامية، واعلانهم أن الأمة لا تحتاج إلى حكومة لموقف خاطيء لهم من السلطان الشرعي للمسلمين كان تطرفاً أهوج لا يمتلك أرضية من الواقع. ويعتبر من التطرف: موقف الغربيين من الدين بشكل عام بسبب ممارسات الكنيسة.. وغير هذه الحالات كثير. وإذا عدنا إلى الموازين الإسلامية التي تهتم بالتخفيف من غلو حالات الاندفاع باتجاه التطرف غير البناء أو التي تهتم بعلاج ما يكون من اتجاهات التطرف لوجدنا(ورقة عمل) متكاملة لعل من طليعة بنودها: 1. التزام الموضوعية في تناول الأشياء والأفكار والمواقف(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 2. عدم الاحتكام للعاطفة الجامحة في اتخاذ القرارات والمواقف(ثلاث من مكارم الدنيا والاخرة أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتحلم إذا جها عليك). من استطاع أن يمنه نفسه من أربع أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبداً: العجلة واللجاجة والعجب، والتواني). (ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء..) (ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق. وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، ومن إذا قدر عفا). 3. تحكيم الشرع والمصلحة الإسلامية العليا في القرارات والمواقف وعدم اعتماد المصالح الخاصة في ذلك. إن هذه المباديء التي تقطر واقعية وإخلاصاً ونزاهة تجنباً كثيراً من مزالق التطرف الهدام في الأفكار والنشاطات. (ولا حول ولا قوة إلا بالله العالي العظيم).
|